''الإعلام والرأي العام بالمغرب؟"
هل
يمكن الحديث عن دور حقيقي لإعلام له مصداقيته و كلمته في صناعة الرأي العام
بالمغرب؟
هذا سؤال عام قديم, بل ومتقادم يقول
البعض, وسؤال بديهي ومن تحصيل الحاصل, يقول البعض الآخر. لكن الرأي الأول كما
الثاني لا ينفيان قطعا عن المسألة طابعها الراهن ولربما الضاغط, في زمن بات
للإعلام قوة كبرى, سيما في ظل طفرات تكنولوجيا الاتصالات وتزايد مد الشبكات
الرقمية, وازدياد نفوذ الجهات المنتجة للمعلومة أو الباثة لها, أو المروجة
لمضامينها على نطاق كوني واسع.
إن التساؤل على هذا الأساس إنما هو بالأصل
وبالمحصلة من التساؤل في إشكالية دور ووظيفة الإعلام في المجتمع, ودور التكنولوجيا
الإعلامية على وجه التدقيق, في رسم إذا لم يكن السياسات العامة, فعلى الأقل في مدى
تأثير الرسالة الإعلامية في التوجهات الكبرى لهذه الأخيرة. ويحيل أيضا وبقوة أكثر
على مدى قدرة الإعلام على صياغة الرأي العام أو التأثير فيه بالسلب أو بالإيجاب,
في الزمن كما في المكان.
ثمة طرحان على شفا نقيض كامل بخصوص هذه
المسألة, مسألة مدى قدرة الإعلام على التأثير إذا لم يكن في صانع القرار مباشرة,
فعلى الأقل في الرأي العام الذي هو مادة ذات القرار ومصبه:
°- الأول ويتبنى حيادية الأداة
الإعلامية في قضايا الشأن العام, كما في مسألة صناعة التوجه العام, للممارس
السياسي كما للمتلقي العادي. ومفاد هذا الطرح, أنه ليس من وظيفة الإعلام أن يقوم
بذلك, بل له فقط أن يعكس مجريات واقع الحال بدقة وموضوعية, ويكون مرآة من الأنسب
بالنسبة له أن تكون طبق الأصل لهذا الواقع, في حركيته وتموجاته وتفاعلاته. الرسالة
الإعلامية من هنا مستقلة في مضمونها عن حاملها, لا بل قل إن الأداة الإعلامية براء
من مضمون ذات الرسالة, تماما كما تتبرأ آلة التصوير من الصورة الملتقطة, أو تعتبر
نفسها براء منها.
°- الطرح الثاني ويرى أنه لا قيمة
لحامل الرسالة في غياب مضمون ذات الرسالة, لا بل ويذهب حد القول بأن الأداة
الإعلامية إنما هي في خلفياتها ومرجعياتها وفلسفتها محكومة بمضمون الرسالة المراد
تمريرها. بالتالي, يقول ذات الطرح, فإذا كانت أداة التصوير براء من الصورة
الملتقطة, فهي لن تكون حتما براء من خلفية اعتماد زاوية الالتقاط هاته أو تلك. إذ
زاوية الرؤية المعتمدة تفيد بهدف وغاية من يلتقط الصورة, ولأي وظيفة تم الالتقاط
بالأساس.
ليس لنا هنا أن نبرر لذات الطرح أو
نبني لذاك, فكلاهما يتضمن بعض عناصر الحقيقة والصواب, إذ بقدر استقلالية الأداة
الإعلامية عن مضمون الرسالة, بقدر تماهيمهما تحت هذا الظرف أو ذاك. وبقدر استقلال
الرسالة عن حاملها في ظرف ما, فقد تتماهى معه لحد الانطباق في ظرف أو ظروف أخرى,
فتكون الأداة الإعلامية حمالة لرسالة صاحبها بهذا الشكل أو ذاك.
لو استقرأنا المسألة بالنسبة للمغرب, وبالبناء
على ما سبق, فإننا نعتقد بأن جل المنابر الإعلامية إنما تنطق باسم صاحبها, ممولا
كان أم مالكا أم معلنا أم قوة من قوى الضغط المتواجدة. نقول هذا الكلام في حالة
الإذاعة والتلفزة بما فيها المحطات الإذاعية الخاصة, ونقوله أيضا في حال معظم إذا
لم نقل كل المنابر المكتوبة.
بخصوص التلفزة مثلا, نزعم أنها لا تخرج
كثيرا عن مجال الطرح الثاني, إذ هي أداة يندغم فيها الحامل بالرسالة, فتصبح صوتا
معبرا عما تريد الدولة تمريره أو توضيحه أو التلميح إليه. وهذا أمر طبيعي, لأن
التلفزة بالمغرب جزء من السلطة المادية كما الرمزية, ولا تتطلع بالمرة لأن تكون
سلطة. بالتالي, فهي ليست بوقا للسلطة فحسب, إنها مرفق من مرافقها, يأتمر بأوامرها
وينتهي بنهيها.
وعلى هذا الأساس, فما يروج بالتلفزة
(والإذاعة أيضا) إنما هو تعبير عما يعتمل من سياسات قائمة, لا يشرعن لها فحسب, بل
يفتح لها في سبل التصريف من الناحية العملية الخالصة. أما قضية الرأي العام, فهي
بالنسبة لها مسألة فيها نظر.
لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للمنابر
الصحفية المكتوبة, إذ هي غالبا ما تستقي معلوماتها مما توفره الدولة ومرافقها
الإعلامية. وفي غياب قانون للنفاذ للمعلومات, فإن الأمر لا يخرج في حال هذه المنابر
عن تلويك الرائج من معلومات ومعطيات وما سواها.
إن منابر من هذا القبيل لم تستطع لا
عكس واقع الحال القائم من بين ظهرانينا, ولا استطاعت أن ترتقي بدورها لتصبح سلطة
رابعة كما نلحظ الأمر هنا أو هناك. من هنا فإننا لا نعتقد حقيقة بوجود إعلام وطني
ذا مصداقية, أو من شأنه أن يبني لرأي عام يكون للمتلقي بصلبه رأي خاص, فما بالك أن
يكون عاما.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
29 نونبر 2010