"حروب
المعلومات"
الحروب الألكترونية, من اختراق للمواقع بشبكة الإنترنيت,
وتدمير لأخرى, وتحريف لمضامين ثالثة وغيرها, هي جزء من الحروب المعلوماتية الجديدة
التي شهدها العالم بالعقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة.
هي حروب حقيقية,
مسرحها المباشر الشبكات الرقمية وكذلك التلفزيون والإذاعة وما سواها, وغاياتها
الأساس نفسية ومعنوية, تتغيأ التأثير في الطرف الآخر بأدوات, هي أبعد ما تكون عن
الأدوات الخشنة التي تستعملها الجيوش النظامية أو الترسانات العسكرية القوية,
لكنها تمتطي أساليب ومسلكيات مختلفة.
حروب المعلومات حروب قديمة قدم الإنسان وقدم الحروب
"المادية" أيضا, لكنها باتت اليوم تمتطي أساليب جد متطورة, بحكم
التطورات التي طاولت تكنولوجيا الاتصالات والحواسيب وأنماط إنتاج الصورة المرئية
والخطاب المسموع والكلمة المكتوبة والنص الألكتروني وغيرها.
إنها باتت أوسع
نطاقا وأقوى نفوذا وأعمق تأثيرا في السلوك وفي التمثلات. هي لم تعد تقتصر فقط على
الفعل المباشر, المبني على اعتبارات التدمير للطبيعة والبشر والحجر, بل باتت تركز
على استهداف منظومات المعلومات التي على أساسها تتخذ القرارات, أو تعتمد السياسات,
أو تحفظ الأسرار, العسكري منها كما الاقتصادي كما السياسي سواء بسواء.
إن كل المرافق الحساسة, وبكل دول العالم, قد باتت اليوم
مرتكزة بهذا الشكل أو ذاك على بنى الشبكات الألكترونية, وبنوك المعلومات وقواعد
المعطيات, ومصممة لتسهيل سريان المعلومات داخل هذه الشبكات, ومن بين ظهراني البنى
المؤسساتية والإنتاجية وما سواها. لا بل قل إنه نادرا ما لا يلجأ مرفق من مرافق
الدولة للشبكات المعلوماتية, بغرض حفظ معلوماته أو صيانتها, أو ضمان استرجاعها
لهذه الغاية أو تلك, أو ترتيبها بما يخدم سياساتها في الزمن والمكان.
بالتالي, فإن
هشاشة هذه النظم والبنوك والقواعد, وقدرة الأفراد على اختراقها بغرض تدميرها أو
الإفادة منها كرد فعل استباقي, أو اتخاذها كأساس للتجسس المباشر لهذا الهدف أو ذاك,
إنما باتت مصدر قلق كبير, تعتمد للحيلولة دونها سياسات في الأمن والاحتراز قل
نظيرها في تاريخ الحروب المعلوماتية, لا بل وترصد لها ميزانيات ضخمة هنا وهناك.
إن القصد مما
سبق إنما القول بأن الحرب اليوم أصبحت تشتغل بصيغة الجمع, وإحدى هذه الصيغ صيغة
الحرب الألكترونية التي لا تقل قوة ولا فتكا بالقياس إلى الحروب التقليدية. الحروب
اليوم لا تعتمد الدبابات والطائرات والمدافع والأساطيل فحسب. إنها تعتمد كل هذه
الأشكال الخشنة دون شك, لكنها لا تستطيع ضمان الحسم إذا لم تعمد إلى تدمير البنى
المعلوماتية للخصم, من أعتدة اتصالات وأجهزة بث وإرسال ووسائل حفظ المعطيات
والبيانات, وطرق تنقل المعلومات لدى الخصم وما سوى ذلك.
ومعنى هذا أن ضمان النصر في حروب المستقبل, إنما بات في
جزء كبير منه مرتكزا على القدرة على تدمير البنى المادية المباشرة للخصم, لكن أيضا
وبالتحديد في القدرة على ولوج بنوك معطياته وقواعد معلوماته, بغرض تدميرها أو
الاطلاع على مضامينها, أو في أخف التقديرات تحييد مفعولها ومدى تأثيرها في اتخاذ
القرار من لدن الغريم.
يحيى اليحياوي
الرباط, 13 دجنبر 2010