عسكرة الإعلام

يحيى اليحياوي

 

بمعظم الحروب الكونية السابقة كما الحالية (واللاحقة دون شك) تصطحب الجيوش طواقم إعلامية لها تغطي مجريات الحرب، تصور أطوارها بأرض المعركة وتعمد إلى توثيقها بالكلمة أو بالصوت أو بالصورة أو بها مجتمعة.

هي طواقم رسمية توضع رهن إشارة الجيش، تنفذ أوامره، تتوجه  بتوجيهاته وتحت مظلته تماما كطواقم الإسعاف أو العلاج أو الصيانة أو ما سواها.

 

لم يشد السياق العام كثيرا عن هذه القاعدة لربما إلا في حالة مفصلية واحدة مثلتها الحرب على الفيتنام حينما "انزلقت" الصورة لتؤسس بذلك لأول انتصار حقيقي لها على قوة النار والحديد التي سلكها الجيش الأمريكي هناك وفي غفلة إعلامية كادت ان تكون شبه مطلقة على ما جرى إبانه وكان مستمرا على قدم وساق.

 

وعلى هذا الأساس، فبمستطاع المرء حقا أن يجزم بأن الصور التلفزيونية التي واكبت الغزو الأمريكي لفيتنام وساهمت في دحره وانسحابه في سابقة عدم مثيل لها في التاريخ...هذه "الصورة" هي التي أفرزت الوعي بأهمية الصورة عموما وبخطورتها تحديدا زمن النزاعات والحروب.

 

بالتالي، فلن يكون من المبالغة في شيء اعتبار انسحاب الولايات المتحدة من الفيتنام منهزمة أمام الصورة التلفزية (وما ترتب عنها من سخط للرأي العام)، بمثابة التاريخ المرجعي الذي بالانفصام عنه بدأت عملية ارتهان الإعلام من لدن المؤسسة العسكرية لدرجة بلغ معها الثأر درجة التبعية شبه المطلقة.

 

وإذا كانت عمليتا الارتهان والتبعية هاته قد بلغتا، أثناء حرب الخليج الثانية كما بعدها (أعني طيلة مرحلة الحصار التي تم إخضاع العراق لإكراهاته)، فإنهما قد بلغتا حقا وبكل المقاييس ذروتهما مع شن عدوان العشرين من مارس والتي لا تزال أطواره قائمة بالأرض وعلى شاشات التلفزيونات.

 

لم يعد الأمر محصورا، منذ انطلاق العدوان على العراق في العشرين من مارس 2003، على مسألتي ارتهان أو تبعية الإعلام للمؤسسة السياسية/العسكرية، بل تعدى الأمر ذلك إلى اصطفاف الأول على الثانية، في صيرورة جديدة اندغمت فيها المؤسستان معا بعد ما تم للثانية تجييش الأول وعسكرته.

 

ليس ثمة شك، فيما يخصنا على الأقل، بأننا باندلاع العدوان على العراق وبطبيعة وشكل وجوهر التغطية التي "حازته" إنما بإزاء عسكرة للمؤسسة الإعلامية لم يعهدها التاريخ من ذي قبل.

وعسكرة المؤسسة الإعلامية التي نقصد في هذا المقام إنما تتبين لنا من خلال ثلاثة مؤشرات لم تكن معهودة من ذي قبل لا في زمن الحرب ولا في وقت السلم حتى:

 

+ فعدد الصحفيين المعتمدين من لدن المؤسسة العسكرية لتغطية العدوان (ثلاثة ألف صحفي مصاحب للتحالف الأنجلوأمريكي بأرض العراق وخمس مائة متواجدون بالكويت بهذه القاعدة أو تلك، بهذه المحطة أو تلك)... هذا الحجم من الصحفيين هو جيش في حد ذاته لا بالقياس إلى العدد، بل وأيضا اعتبارا إلى ما يتوفر لديه من سبل وإمكانات في تضليل الرأي العام، في تمويهه وفي الكذب عليه تسجيلا للأحداث أو بالمباشر الحي.

 

وعلى هذا الأساس، فالصحفي المصاحب لهذه الدبابة أو تلك، لهذه الطائرة أو تلك، لا يصور الأحداث كما قد تحدث أمام عينيه أو على مقربة منه، بل يقرأها بعين قائد الدبابة (أو عين الربان) الذي هو رئيسه المباشر وإلى حد ما المسؤول عنه.

 

لا يوحي، على الأقل في تصورنا، لا يوحي هذا العدد الضخم من الصحفيين والمراسلين والمصورين وغيرهم، بحرص ما على ضمان "التعددية" في التغطية الإعلامية بقدر ما يوهم بوجودها وبتعدد القائمين عليها ليس إلا.

بالتالي، فالعبرة قد لا تبدو بالعدد بقدر ما هي بالأداء، إذ لم يكن لحرب الفيتنام مثلا من القنوات ما هو سائد اليوم عددا أوتوجها أو ما سواهما من الاعتبارات.

 

+ لا يقتصر الأمر على العدد، بل يتعداه حتما إلى مجال مصدر المعلومات وبنية ترويجها وإشاعتها.

وعلى هذا الأساس، فما دام الصحفي (مراسلا كان أو مصورا أو غيرهما) مادام مرتهنا في المعلومات، التي " ينتجها" ويبعث بها للبث، مادام مرتهنا للمؤسسة العسكرية، لرقابتها القبلية كما البعدية، فإنه لا يستطيع بتحصيل حاصل، أن ينظر للأحداث إلا من الزاوية التي تنظر بها المؤسسة العسكرية أو تتراءى لها "الأحسن" والأنسب  والأنجع لإنجاح خطتها في العدوان.

 

صحيح إذن الاعتقاد القائم بأن الصحفيين المواكبين للعدوان على العراق لم يكن مطلوبا منهم تغطية ذات العدوان أو ترجمته للرأي العام بالصوت والصورة، بقدر ما كانوا مطالبين بتبيان ما أرادت المؤسسة العسكرية تبيانه وتصوير ما سمحت به ذات المؤسسة ورأت فيه خدمة لأهدافها واستراتيجيتها وخططها في الحرب.

 

ليس مثار استغراب إذن إذا أقام الصحفيون بثكنات محادية للقوات العسكرية أو قبلوا بهم "زملاء" لهم في السكن كما بأرض المعركة. وليس مدعاة للتعجب حقا إذا اصطف الصحفيون بقاعدة السيلية بقطر بانتظار مادة لتقاريرهم أوأنباء عن مجريات المعركة " يبعثوا" بها لمستخدميهم، وهي لن تكون، في كل الأحوال، في شفاه الضابط "المساءل"، إلا لفائدة التحالف الأنجلوأمريكي ووفقا لخططه وما تم له أن يرسم قبل انطلاق العدوان وخلاله.

 

المفارقة أنه حتى بإملاء هذه المعلومات واطمئنان صاحب المؤتمر الصحفي على ما يؤخذ من نقط ويصاغ من تقارير، فإن الرقابة السابقة للبث غالبا ما تبقى هي الأخرى محكومة باعتباري "الترخيص" و "الموافقة".

 

هي إذن وبكل المقاييس عملية " تنقية" للمعلومات لدرجة تصفية مضمونها وتطويعها بما يتلاءم وخطط المؤسسة العسكرية بأرض المعركة كما لدى "الأهل" الذين زج بأبنائهم في أرض لم يكن لهم قبل العدوان ليعرفوا حتى مكان تواجدها أو سبب شن العدوان على شعبها وتراثها ورموزها وما سوى ذلك.

 

+ أما المؤشر الثالث فيتمثل، فيما نتصور، في المد المتزايد الذي تحول بموجبه العديد من الصحفيين إلى محللين استراتيجيين وعلماء في استشراف المستقبل نادرا ما كان لصحفي، في الماضي، أن يتجرأ  على هكذا تحليل أو يجرأ على الاقتراب من هذا العلم أو ذاك.

 

لم يعد الأمر بهذه النقطة تحديدا، محصورا من لدن الصحفي (والإعلامي عموما) على تغطية الأحداث أو تمرير ما يوكل إليه تمريره، بل تعداه إلى تأثيثه وتوسيعه و"وضعه في السياق"...وهو أمر لا ينفر منه الرأي فحسب، بل ويستهجنه مبدأ التخصص أيضا.

 

إذ ما معنى أن يغوص صحفي ما، بصرف النظر عن ثقافته ودرجة تكوينه، في علم الجغرافيا والتاريخ، في نظريات في الاقتصاد والسوق، في مجالي النفط والبورصة وغيرها ليستشرف بالتالي، على أساس خلفية هي سطحية بكل المقاييس، المستقبل ويتنبأ بتداعيات العدوان على المدى القصير والمتوسط وعلى المدى الطويل أيضا؟

 

قد لا يستفز المرء كثيرا بوجود صحفيين لهم القدرة على التحليل الاستراتيجي والمقدرة على استشراف المستقبل، لكن المستفز حقا (من لدن العديد من القنوات الفضائية بل قل من معظمها) أن تتم المناداة على أفراد تتعدد صفاتهم وتخصصاتهم بتعدد القنوات ف " يفتون" بالتالي في الماضي كما في الحاضر كما في المستقبل...وهذا نتاج بديهي لظاهرة عسكرة الإعلام لا سببا من مسبباتها.

 

ولئن أصبح من القائم القار أن الإعلام غدا جزءا من المؤسسة العسكرية (سيما زمن الحرب)، يأتمر بأوامرها، يروج بالصوت والصورة لما يتساوق وخططها...وهكذا، فإن مكمن الخطر حقا أن تنساق المؤسسة الإعلامية برمتها وراء ذلك دونما اعتبار يذكر " للنضالات" التي خاضتها بجهة ضمان الاستقلالية لمستواها عما سواه من مستويات تشريعية كانت أم تنفيذية أم قضائية أم غيرها.

 

بالتالي، فلو تسنى للمرء أن يستنبط العبرة مما آلت إليه المؤسسة الإعلامية الأمريكية (كما البريطانية كما غيرها بالغرب) جراء وضعها على محك العدوان على العراق، لاستوقفته حتما ثلاث عبر ستصاغ على محرابها حتما استقلالية ذات المؤسسة ومصداقيتها:

 

+ الأولى، أن المؤسسة إياها لم تستنفر فقط لدواعي "أمن قومي" روجت له لوبيات مصالح بائنة ومكامن سلطة قصيرة النظر فحسب، بل واستنفرت على خلفية من التوظيف المجاني في عدوان لم تقتنع بمبرراته عامة الشعب (بالغرب) كما خاصته...فما بالك بمؤسسة تدعي لنفسها سلطة (السلطة الرابعة) لطالما تباهت بها.

 

+ والعبرة الثانية، أن تمترس المؤسسة الإعلامية وراء المؤسسة العسكرية لدرجة عسكرتها لن تقع الإشارة بالضرورة بموجبه على الثانية، بقدر ما سيشار في شأنها بأصبع الاتهام إلى الأولى: فهي التي، تحت مسوغات واهية، انصاعت لقرارات الثانية وجعلت من عناصرها مكونا منها لا مكونا قائما بذاته دونه ودون الاستقلالية الاحتجاج والتشهير...وهو ما لم نشهد له أثرا منذ انطلاق العدوان على العراق.

 

+ أما العبرة الثالثة فتتراءى لنا كامنة في التوجه أكثر ما تبدو في الشكل أو في المضمون.

ليست الخشية هنا نابعة من وضعية ارتهان المؤسسة الإعلامية هاته واستصدار حرية الفاعلين من بين ظهرانيها فحسب، بل الخشية حقا أن يتسع ذات الأمر لترتهن في جريرته(كما هو الشأن حاليا) مؤسستا القضاء والتشريع...وهو ما تتراءى لنا لبناته بجلاء منذ العشرين من مارس وما يتم الترتيب له بعد انتهاء العدوان.

 جريدة العلم، 27 أبريل 2003

جريدة القدس العربي، 6 ماي 2003