لقاء مع يحيى اليحياوي: تغطية التلفزة المغربية للانتفاضة كان مساويا

 لحجم تغطية أحداث يوغوسلافيا

  

حين تقترب من يحيى اليحياوي تشعر بطيبوبة وتلقائية دونما تزويق أو استعارة جمالية .  تشعر بحيرة كلامية تحفر دمعة في سجادة أبدية

حين تقترب من يحيى اليحياوي تشعر بحرقة السؤال. بحرقة نشلها واحتواها قلمه بصمت من جوف واقع أخرس، مبلوع، مكموم، سكتت عنه مسطرة التدوين.

وإن كان يحيى اليحياوي ممن جذبتهم تطريزة الكتابة وأحبوا حرارتها وروعة نكهتها وموسيقى الحرف وغنة المعنى وحرقة التعبير. وإن كان اليحياوي ممن فسح لنا الطريق للتعرف على محطات كثيرة بأسلوب جميل، فإنني وبناء على غريزتي الاستطلاعية أنقل لمن تستهويهم فسحة التفاصيل ولعبة صيد الأحداث من منبر الميثاق الوطني الحوار التالي. لنعيش جميل نشوة الاقتراب من كاتبنا المغربي يحيى اليحياوي.

 

 

 

س: كيف يحدد الأستاذ اليحياوي مفهوم الواقع؟ وكيف ينظر إليه، هل من منظور تقليدي تحكمه الرؤية السائدة أم من منظور الممكن والجائز؟ وما هي حدة البلبلة بين الرؤيتين؟ وكيف يرى الأستاذ اليحياوي انطلاقا من تجربته الواقع المغربي؟

 

 

يحيى اليحياوي: أنت تعلمين أني متوسط المعرفة في الميدان الفلسفي حتى أجيبك على هذا السؤال.

الواقع مفهوم إشكالي، يختلف فهمه باختلاف زاوية الرؤية المعتمدة وكذلك وفق التوظيف الإيديولوجي الذي يمكن أن يكون مفهوم الواقع بحاله.

مسألة الحديث من منطلق الواقع أو ما يتراءى أنه واقع تثير في ذهني أمرين:

-أولا  النظر إلى القضايا من زاوية ما يسمى بالأمر الواقع أو واقع الحال. وهو ما تعتمده الدراسات عند محاولة رصدها للسائد من معطيات، اقتصادية كانت أم اجتماعية أم ديموغرافية أو غيرها.

- ثانيا مسألة التعامل مع القضايا بعين "واقعية" أي بعين تستحضر الإكراهات الموجودة وما توفر من إمكانيات لمواجهتها.

الزاويتان متكاملتان وضروريتان، لكن الخطر يكمن في التوظيف الإيديولوجي أو السياسي أو الرمزي لهما لغاية من الغايات.

 

عندما يتحدث القائم على الشأن العام مثلا عن الإكراهات الخارجية و إكراهات الميزانية وإكراهات الدولة وغيرها، فلكي يبرر قرارا أو يمرر اختيارا قد لا يكون سليما في اعتماده أو ما قد يترتب عنه.

خذي مثلا نموذج النفط في المغرب. غالبا ما يبرر قرار الزيادة في أسعاره تحت مسوغ إكراهات السوق العالمي. لكن ذات الريادة تبقى سائدة حتى وإن خفت الإكراهات إياها. ويمكن أن أعدد الأمثلة.

 

أنا شخصيا لا أثق في الخطابات ذات "النبرة الواقعية" المحكومة باعتبارات مالية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها.

يبقى منظور الممكن، ما هي خلفيته؟ سأجيبك على ذلك بسؤال آخر: ما السر في تخلفنا المنقع ونحن نتوفر على خيرات هائلة من الفوسفات واليوم البترول ثم خيرات ضخمة في بحرين محيطين بنا ثم موقعا استراتيجيا متميزا ثم قوى بشرية هائلة...الخ؟

ما الذي يمنع انطلاقتنا؟ هذا هو الواقع الحقيقي الذي يجب أن نسائله ونستنبط العبرة منه لا الخطابات الشعبوية المبهمة ذات الخلفية التبسيطية والتي لا تتوفر على رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه المغرب حالا واستقبالا.

 

 

س: لا أريد أن أذهب بعيدا في تحليل المجتمع المغربي والقوى الاقتصادية والسياسية المتحكمة في زمام الأمور. ولكن الذي يهم هو كيف يمكن حل تلك التناقضات المعقدة والمتنوعة وتحديد محتواها في خضم عولمة ملتوية تكتيكيا وداخل وضعية استيتيكية متحركة ومستعدة لتشنيج التناقض والذي يأخذ تعبيرات تنعكس على أبسط مكتسبات المجتمع المدني.

 

 

يحيى اليحياوي: أولا يجب تحديد الرؤية. أنا شخصيا لا أدري إلى أين يذهب المغرب. هناك خطابات تطمينية وأخرى تلطيفية وغيرها، لكنها تبقى في هذا الإطار. نحن في حاجة إلى خلق تصور واضح يستشرف المستقبل ويبني من اللحظة على أساسه.

لنأخذ مثلا الاقتصاد والمال. هل لنا سياسة اقتصادية ومالية؟ لست متأكدا. هناك رزمانة من القرارات والتشريعات والإجراءات يختلط فيها الآني بالمستقبلي، الظرفي بالبنيوي والعابر بالقار وهكذا. أعني لا توجد منظومة موحدة يستطيع المرء أن يستقرئها. نفس الشيء بالنسبة للخوصصة. الدولة اليوم تبيع ملكا عاما ليس لها أخلاقيا على الأقل أن تتصرف فيه لمجرد أن لها السلطة. هناك مرافق عمومية تحول إلى القطاع الخاص لاعتبارات مالية محضة والخطابات الرائجة من أن ذلك سيخلق رواجا اقتصاديا وفرص شغل هي خطابات مزايدة وأتحدى من يثبت لي ذلك بالمعطيات الإحصائية من خلال النماذج المتوفرة.

 

من يستطيع أن يثبت أن خوصصة اتصالات المغرب ستخلق فرص شغل وكل تجارب العالم (أقول كل) تثبت أن خوصصة الاتصالات تتبعها عموما سياسات إعادة الهيكلة تطال أولا وبالأساس مناصب الشغل (باتجاه تقليصها إلى أدنى حد ممكن ) وتطال فلسفة المرفق العام بموازاة ذلك.

أنا قدمت حالة اتصالات المغرب لأنها حالة شادة ليس فقط كوني أتحفظ على طريقة تسييرها (حتى وإن كانت في الظاهر تبدو ولكأنها النموذج وهو أيضا غير مثبت من منطلق الرأي الآخر لا من منطلق الإحصاءات الرسمية) ولكن أيضا لأنها مكمن ما تبقى لنا من سيادة على القطاعات الاستراتيجية وهل هناك ما هو أكثر استراتيجية من الإعلام والاتصال. لكن هذا أمر آخر.

نفس الشيء بالنسبة للتعليم حيث تخبط المشاريع والمشاريع المضادة على أشده ولكأني بحقل التعليم أصبح مختبر التجارب بامتياز.

 

ما المقصود من كل هذا؟ المقصود هو تحديد الرؤية وتحديد الاستراتيجية بعد ذلك والعمل على توظيف المحيط لإنجاحها، لربما قد تدفع العولمة بهذا الاتجاه.

 

س: لماذا يكتب الأستاذ يحيى اليحياوي؟

 

يحيى اليحياوي: أكتب لسببين:

-الأول، لأني أعتبر أن لا قيمة للمعرفة إن هي لم تقتسم، بمعنى أن قيمة المعرفة هي القيمة الوحيدة التي تزداد كلما تم اقتسامها مع أكبر عدد. هناك علاقة جدلية بين قيمة المعرفة وحجم المتلقين.

- السبب الثاني، لأني أعتقد أن حقل الإعلام والاتصالات والاتصال وثورة التكنولوجيا الحالية وعلاقاتها بالعولمة هو الحقل الذي لم يلق بعد الاهتمام الكافي، وأنا أحاول أن أساهم في الدفع بهذا الجانب من البحث العلمي الذي لا مستقبل في جهل وتجاهل رهاناته المستقبلية وأيضا تحدياته الراهنة.

 

-                                                                                   س: ماذا تعني لكم الحجارة؟

  

يحيى اليحياوي: الحجارة التي يكرمها الفلسطينيون اليوم هي قنبلة المستضعفين الذرية بدليل أن بعض جنرالات إسرائيل لوح بإمكانية اللجوء إلى السلاح النووي لإيقاف الانتفاضة. ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة أن هذه الحجارة المباركة تجاوز مداها الأسلحة التقليدية.

ثم أن هذه الحجارة أصبحت سلاحا بيد الجماهير (العربية بالأساس)، بالتالي فإذا لم ترد أنظمة الحكم العربية صيانة كرامة الإنسان العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا، فإنه سيلجأ لا محالة لسلاح الحجارة، حينها لن تنفع الجيوش ولا المخابرات في وقف مداها، ولهذه الأنظمة أن تنظر من حولها.

 

س: كيف يرى الأستاذ اليحياوي تضامن الشعب المغربي قيادة وشعبا مع القضية الفلسطينية يوم الأحد 8 أكتوبر من الوجهة السياسية؟

 

يحيى اليحياوي: هي تعبير على أن المقدس أصبح أحد محددات التاريخ عكس ما جاءت به المحددات المادية أ والاقتصادية أو الإيديولوجية التي كانت رائجة إلى حين عهد قريب.

المقدس لا يعني عندي فقط الجانب الديني ولكن أيضا الرمزي. وقد رأينا كيف صنع حزب الله التاريخ وكيف قوبل تدنيس الأقصى من لدن الصهاينة.

 

س: هل هناك من جهود مبذولة حاليا لوقف تدهور الوضع الحالي بفلسطين، أم يمكن اعتبار المسيرة التضامنية مجرد موجة استهلاكية عابرة لم تترك بعد بصمتها في ظل التهديدات الإسرائيلية للرئيس عرفات؟

 

يحيى اليحياوي: أنا لا أقرأ مسيرة الرباط من منطلق رد الفعل الظرفي الخالص، لكني أستقرئها على أساس أن للجماهير عندما تخرج هيبتها وكبرياءها لا يفيد في إيقافها لا الشرطة ولا العسكر.

بالتالي، وبالعودة للسؤال، فالانتفاضة ستبقى دون شك وستتطور إلى أشكال نضالية أخرى بالتأكيد لسبب بسيط: هو أن أسباب قيامها لم تزل وظروف انفجارها قائمة. هذه علاقة سببية خالصة. لا سبيل للعلاج إذا لم تنصرف أسباب العلة.

 

س: كيف كانت التغطية التلفزية للحدث؟

 

يحيى اليحياوي: هذا سؤال مهم سأجيبك عنه باختصار لضيق الزمان.

أنت تعلمين أن معظم قنوات ووسائل الإعلام العالمية الكبرى تتحكم فيها مجموعات يهودية بطريقة مباشرة (عبر رأس المال) أو بطريقة غير مباشرة عبر مختلف أصناف الدعم والتمويل للبرامج والأفلام.

بالتالي فالحاصل أن هذه القنوات غالبا ما تكون متحيزة (لدرجة التطابق) لدولة إسرائيل ومعادية للعرب وللإسلام باعتباره (حسب هذه القنوات) دين المغالاة والتطرف والتعصب.

كمثال على ذلك، أذكر كيف أن قناة س.ن.ن الدولية لم تمرر قتل الشهيد محمد جمال الدرة إلا بعد أخذ ورد كبيرين. وأذكر بأن أحد المعلقين بإحدى القنوات الفرنسية نصح أطفال الحجارة بالعودة إلى مدارسهم عوض اللعب بالحجارة وهكذا.

 

هناك تعتيم وقلب للحقائق كبيرين فيما يخص لا انتفاضة الحجارة فحسب ولكن أيضا العرب والمسلمين بوجه عام. وفيما يخص لا التلفزيونات والإذاعات فحسب، بل كذلك وسائل الإعلام المكتوبة.

من جهة أخرى، فإن تغطية القنوات العربية لانتفاضة الأقصى لم تكن في معظمها بالمستوى المطلوب بدليل أن حجم التغطية لم يتعد جانبه "الحدثي" في حين غاب التحليل بشكل كبير جدا.

 

حجم تغطية الانتفاضة كان مساويا لحجم تغطية أحداث يوغوسلافيا أو أحداث الحرب في البحيرات الكبرى أو في غيرها ولكأنها كلها على جانب واحد من الأهمية بالنسبة لنا كعرب وكمسلمين.

لا أنفي أن قناة كقناة الجزيرة كانت في مستوى الحدث وتميزت على مستوى التغطية والنقل المباشر وتحليل الحدث وغير ذلك، وكذلك قناة أبو ظبي أو بعض القنوات السعودية، لكن باستثناء ذلك لم يطرأ على معظم الشبكات البرامجية للقنوات العربية كبير تغيير.

نفس الشيء بالنسبة للمغرب: القناة الثانية لا تتحدث في الموضوع إلا أثناء نشراتها الرئيسية وكذلك القناة الأولى، في حين أن ما قدم من ندوات كان دون المستوى إما بحكم "الإكراهات السياسية" أو على اعتبار تواضع معرفة "نخبتنا المثقفة" بما يجري في المشرق.

 

ثم لكم تحسرت على غياب المراسلين. كيف يعقل لتلفزة بالمغرب أن تبقى رهينة ما يصلها عبر وكالات الأنباء؟ كيف ستقاس جدية الأخبار "بقناتينا" إن هي بقيت هكذا تقرأ علينا قصاصات أنباء وتمرر صور الوكالات الدولية ولا قيمة مضافة لها اللهم الاجتهاد في طريقة القراءة وكيفية ضبط صورة "الصحفي-القارئ".

لا يمكن لنا إلا أن نشعر بالغبن إزاء "سياسة" القناتين وأن ما طرأ عليهما من تغيير في التسيير والإدارة ليس إلا تكريسا لتلفزة السلطة بوجوه جديدة.

 

المقصود من كل هذا أننا سنبقى إزاء تعامل القناتين إزاء القضايا الكبرى بعيدين كل البعد عما تقدمه قنوات لم يتجاوز عمر بعضها الأربع سنوات، ومع ذلك فنسبة المشاهدة بها مرتفعة، وسنبقى كذلك رهيني تصور السلطة للعمل التلفزي...هذا مؤسف.

 

أجرت الحوار: فتيحة زريعي

جريدة الميثاق الوطني، يومية، العدد7502 ، 22-23 أكتوبر 2000.