"عمر المختار يتقلب في قبره"

 

 

لست هنا, وأنا أكتب عن انتفاضة الجماهير بليبيا, لست بإزاء مقارنة من نوع ما أو من طبيعة ما, بين شيخ المجاهدين عمر المختار, الذي رحل من حوالي أربعة عقود من الزمن, وبين العقيد القذافي الذي لا يزال يقاوم ويكابر كي لا يرحل عن سلطة قضى بها أكثر من أربعين سنة, سنة بعد سنة دون انقطاع.

 

تعذر المقارنة لا يكمن فقط  في تباين خلفية وتكوين الرجلين, بل يكمن وإلى حد بعيد, في السياق الذي أفرز هذا كما ذاك, وأيضا في "طبيعة" السلطة التي احتكم إليها عمر المختار طيلة العشرين سنة التي قاوم فيها الاحتلال الإيطالي, وتلك التي ثوى خلفها العقيد القذافي لأكثر من أربعين سنة من الزمن.

 

فعمر المختار لم يكن رئيسا ولا ملكا, ولا ادعى يوما أنه سيد قومه. إنه كان قائدا وزعيما للمقاومة, التفت حوله الجماهير لنقاوة معدنه (وهو الحافظ لكتاب الله), لتقشفه في المأكل والملبس والمسكن, لمشاركته المباشرة في تصميم وتنفيذ العمليات ضد المحتل (حتى وهو شيخ هرم), لقناعته القوية بالقضية التي ذهب بجريرتها لحبل المشنقة مطمئنا وروحه راضية مرضية.

 

لم يصك القذافي من نفس المعدن, هو الذي لم يقاوم استعمارا استيطانيا, ولا كان متقشفا في مأكله أو مشربه أو ملبسه أو هندامه الظاهر, بل تصرف في إيرادات النفط الضخمة إما لمصلحته الفردية الصرفة, أو لتكويم سلاح لم يدافع عن قضية, بقدر ما كان مصدر أذى لجيرانه, أعرابا وأغيارا, أو وظفه لتطعيم حركات اتخذت من التقتيل والترهيب "أداة" للنضال...اللهم إلا لربما ما قدمه للفلسطينيين أفرادا أو تنظيمات أو لبعض حركات التحرير بإفريقيا.

 

وبقدر "انشغاله بقضايا التحرير في إفريقيا, ومن بين ظهراني الوطن العربي وبالعالم أيضا", فقد نسي بلاده وأهمل شعبه أيما يكن الإهمال, حتى إذا جال المرء بناظريه في أطراف "الجماهيرية", تنتابه الدهشة ويتملكه الغضب لشدة تخلف البلاد بشرا وحجرا وشجرا, ولكأن الملايير التي أدرها النفط على البلد تبخرت في الصحراء وضاعت بصلب سرابها اللامتناهي.

 

لم يكن عمر المختار مستبدا, لا بل لم يكن ليكون مستبدا وهو رائد مقاومة شعبية شريفة, لم ينكرها عليه حتى جلادوه, بل كان عادلا شهما, استكثر على جندي إيطالي صغير السن, استكثر عليه الاستجداء والاستعطاف وبندقية المختار موجهة إلى صدره, عندما سقط من على صهوة جواده, ووجد نفسه وجها لوجه مع ذات الجندي الصبي.

 

لم يعتبر القذافي من سلوك ابن وطنه, بل بالغ في قتل وتقتيل من خالفه الرأي أو عارضه الموقف بالحق, أو رفع لواء النصيحة بوجهه...حتى إذا كان للمرء أن يقيم عقود حكمه على هذا الأساس, وجد نفسه وجها لوجه مع شخص مستبد, طاغ, يقدم خشونة الرصاصة على حكمة القول, ويدفع بالاستئصال عوض اعتماد سبيل الارتكان إلى سداد النصيحة.

 

لقد كان لعمر المختار معارضين, أو لنقل مهادنين للاحتلال, مسايرين له مهابة بطشه (بطش الاحتلال أقصد) وتعسفه, لكنه كان يقارعهم بالحجة وبالقول اللين, ولم يتحامل عليهم أمام الملأ, حتى بوجود رفاق له في الدرب اختاروا مسلكا نقيضا لمسلكه فداهنوا المحتل أو قبلوا بالتعامل معه.

 

لم ينهج العقيد القذافي ذات السبيل, بل نكل بمعارضيه, إما بالقتل أو بالسجن أو بالنفي, حتى إذا انفجرت الأحداث الأخيرة, خرج من المنافي ما ظن العقيد أنه قضى وانتهى, لا بل وانتفض وتمرد عليه حتى من كان رفيقا له في السلاح بنهاية ستينات القرن الماضي, أو مارس معه الحكم لسنين طويلة.

 

إن مدعاة ما سبق من كلام إنما التدليل على لين عمر المختار في سلوكه مع صحبه كما مع أعدائه, وخشونة العقيد القذافي مع أهله وذويه, قبلما يكن ذلك مع الأعداء أفرادا أو مجموعات.

 

وعلى هذا الأساس, فإن تقتيله لشعبه وهو ينتفض على ظلمه واستبداده وتعاليه وطغيانه, لا يبرره إلا إدمانه على سلطة, حولها بمرور الزمن إلى تسلط أتى بليبيا عل الأخضر واليابس, بداخل البلد, كما بردهات المنظمات الدولية, كما من بين ظهراني الدول والشعوب.

 

إن الذي أقدم عليه القذافي, منذ بداية الانتفاضة عليه, لا يدفع الأحياء للاحتجاج لدرجة الانتفاض على هذا السلوك, بل من شأنه أن يهز الأموات من بين أركان قبورها.

 

إن قبر عمر المختار بالذي جرى ويجري بليبيا, لا ينتفض فحسب, بل إن قاطنه يتقلب على أمة ضحى من أجلها على مشانق الاحتلال, فإذا بها تتحول إلى مشانق لكل فرد من أفراد ذات الأمة, إن هو نبس بكلمة سيئة بحقه فقط, فما بالك أن يتجرأ وينتفض على الظلم والاستبداد, أو يتمرد على القائم عليهما.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 28 فبراير 2011