" العولمة والفقر"
جاي. آر
مانديل, كامبريدج يونفرسيتي بريس, 2004, 157 ص.
هذا الكتاب هو محاولة في
علاقة العولمة بالفقر, ومساءلة طبيعة التأثير المتبادل بين طرفي المعادلة, أي هل
ثمة تلازم بينهما أم ترى أن ثمة تناقضا بينا أو مضمرا بينهما.
يطرح المؤلف السؤال من الوهلة الأولى: هل العولمة, هذا "الشيء الذي بات يتردد
على كل لسان, والذي بات يميز العصور الحديثة, والتي يناصرها ويتحمس لها كثيرون
ويكرهها في المقابل كثيرون, خير أم شر؟".
ويتابع التساؤل: هل تخفي العولمة "أجندة
خاصة مدمرة خلف خطابها المزوق والدعائي? وهل الغرض من الترويج الذي يقوم به
أنصارها, يخفي حقيقة إغنائها الأغنياء أكثر وأكثر, وإفقارها الفقراء أشد وأشد؟ أم
أن حقيقة الأمر هي أن معرفتنا بآثارها على حياتنا ناقصة, وحتى إدراكنا لتعريفها
بدقة مازال قاصرا, وبالتالي صارت معرفة ما ينتمي إليها حقا, من ضمن ما ينسب إليها
من شرور وخيرات, هي التي تثير كل هذا الجدل الكبير الذي يحيط بها".
بسياق هذه التساؤلات, يعترف الكاتب بأن منطلق هذا الكتاب, إنما يقوم على أن
"التنمية الاقتصادية والعولمة ضروريتان لخلق حياة أفضل". ويقصد بالتنمية
الاقتصادية محاربة الفقر وتخفيف وطأته, أي أنه يرسم من البداية التلازم المفترض بين
القضاء على الفقر والعولمة.
إن التنمية الاقتصادية بنظر الكاتب, تفترض علاقات عالمية, وتهيئ المناخ لنشوء
أنماط متفاقمة من الاستهلاك, على الرغم من أن "أنصار المحلية بمثل هذا النقد
يتجاهلون الاستهلاكية الجمعوية التي استحوذت على القرن الحادي والعشرين منذ
بدايته, والتي يبدو من الصعب تغيير مسارها. فثمة غموض في مطالبهم, فهل تراهم
يريدون أن يقوم العالم بتقنين نمط حياة مئات ملايين البشر, والتقليل من أسباب
راحتهم, والحد من السفر والبضائع الاستهلاكية؟ وهل أن ذلك ممكن حتى لو رغبنا في
تحقيقه؟".
لقد بدأت العولمة بالظهور منذ القرن التاسع عشر، يقول المؤلف. ويرى أن الاتفاقيات
التجارية ومنظمة التجارة العالمية, والشركات المتعددة الجنسيات, قد اسهمت في تسريع
خطى العولمة وتوسيع أثرها ليشمل تقريبا كل الدول ذات السيادة في العالم.
ويرى أيضا أن التكنولوجيا لعبت دورا كبير في
الرفع من مستويات التعليم في الدول النامية. وساهم تشكيل الترتيبات التجارية وعقد
الاتفاقيات المعنية مثل اتفاقية الكات وغيرها, في نشر العولمة على نحو ملحوظ. كما
ساهم في ذلك أيضا قيام المؤسسات التي تتولى تنظيم التجارة العالمية.
ويزعم الكاتب أن الدول الغنية عمدت إلى تحويل "استثماراتها إلى مجال البضائع
التقنية, إلى حيث توجد العمالة الماهرة, لغرض إنتاج البضائع التقنية وذات التخصصات
العالية بنفسها, في حين تترك البضائع الاستهلاكية العادية لكي تنتج في الدول
النامية، إذ إن بوسع هذه الدول استيراد تلك البضائع بكلفة أدنى من كلفة القيام
بتصنيعها داخل بلدانها. ومن شأن هذا أن يعطي الدول النامية إمكانية خلق فرص العمل
لأبنائها, وكسب المال من خلال التجارة والتبادل الخارجي".
ومع أن الكاتب يلمح أن النمو وحده لا يؤمن العدالة، "إذ إن من الواضح أننا في
حاجة مطردة للعودة إلى الثقافة والقيم والكثير من مبادئ العدالة والمساواة ذات
العلاقة بالرفاهية الاجتماعية, من أجل الحصول على أفضل فوائد العولمة", فإنه
يلمح بالآن ذاته إلى أن العولمة تسبب أيضا نزوح العمال, وحرمانهم من العمل, الذي
لا يعد مرغوبا فيه عندما تتغير الإستراتيجيات الإنتاجية.
بمعنى أن الرخاء الذي تجلبه العولمة, يمكن أن يولد تشتتا في تفكير الناس, سيما
عندما يكونوا محتاجين إلى الكفاح من أجل العيش.
صحيح, يقول الكاتب, أنه بوسع الدول المتقدمة أن تساهم في تعجيل النمو الاقتصادي في
الدول النامية, عن طريق المساعدة في تركيز تطوير التقنيات الجديدة, لكن ذلك يسوجب
من ذهد الدول التوفر على القابلية في ذلك.
من هنا, فإن أي تضامن حقيقي مع الفقراء, يتطلب الاعتراف بأن العدالة والنمو, أي
العولمة, أمران ممكنان وضروريان معا", يؤكد المؤلف.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
22 شتنبر 2011