في الإرهاب والعولمة أو في عولمة الإرهاب
يحيى اليحياوي
ثمة بين الإرهاب والعولمة (أو هكذا يبدو مدخل هذا القرن) علاقات توحد وتكامل موضوعية وعلاقات تنابذ وتضاد لا تقل عن الأولى موضوعية.
فهما يتوحدان لحد الانصهار في خاصية التطرف التي تطبع تمثلهما، ويتقاطعان في ميزة العنف التي يسلكانها، ويتماهيان في طبيعة الوسائل التي يعتمدانها تمريرا للتمثل إياه أو تبريرا لما يترتب عن ذات التمثل من فعل ومن رد فعل.
ثم هما يتكاملان كون كليهما هو إلى حد بعيد صنيعة الآخر وكونهما معا وقودا لنار واحدة وينهلان فضلا عن ذلك من معين واحد.
وهما أيضا، وعكس كل هذا وذاك، متنابذين، متضادين إذ اتساع فضاء أحدهما هو من تقليص فضاء الآخر وتقدم إيديولوجية أحد الطرفين هو من انتقاص إيديولوجية الطرف الآخر دون أن يبلغ ذلك مستوى الإلغاء أو التنافي.
من غير الوارد هنا التنظير لجدلية العلاقة بين الإرهاب والعولمة أو التأسيس لآلية اشتغال ذات العلاقة...والحائل دون ذلك لا يتأتى فقط من اضطراب مكونات العلاقة وعدم استقرار عناصرها ولكن أيضا لأن الأحداث التي أملت صياغة هذا النص (أعني ما بدأ يصطلح على تسميته منذ مدة ب "أحداث 11 شتنبر" وما تبعها من ضرب لأفغانستان وما سيتبعها من ضرب لدول أخرى)..أقول إن هذه الأحداث لم يتسن لها بعد أن تفصح عن تداعياتها أو تساق دلالاتها سياقا موضوعيا يتغيأ تأطير العلاقة إياها دونما إعمال للتأويلات الذاتية أو للمقاربات الجزئية أو الاشتغال على خلفية من الانحياز الضيق لتصور أو لإيديولوجية.
ما الذي يجمع الإرهاب بالعولمة وما السياق العام الذي تعتمل هذه العلاقة في إطاره وما المرجعية الكبرى التي يحتكمان إليها في الخطاب كما في الممارسة؟
من الثابت تاريخيا أن العقدين الأخيرين من القرن العشرين تزامنا تزامنا شديدا مع انتشار ظاهرة العولمة بانتشار الفكر الليبيرالي والسياسات المتبنية له في الخطاب كما في الممارسة.
ومن الثابت أيضا أن الفترة إياها إنما تؤرخ وبما لا يدع مجالا للشك لبداية هيمنة قوة واحدة تجمعت بين يديها كل عناصر الأمبراطورية وتمركزت لديها كل أدوات التحكم في موارد الكون المادي منها واللامادي أيضا، القريب من "حدودها" كما البعيد عن ذات الحدود سواء بسواء.
وعلى هذا الأساس فلو أردنا فهم علاقة الإرهاب بالعولمة كظاهرتين "كونيتين" أحدهما عابر وظرفي (الإرهاب) والآخر كصيرورة اقتصادية وثقافية (العولمة) لكان من الواجب مساءلة السلوك الذي امتزجت فيه الظاهرتين في أقوى صورهما أي يوم تهاوت إحدى قلاع القوة العسكرية والمالية بالولايات المتحدة في عمليات انتحارية لربما لم يسبق لوسائل الإعلام المختلفة أن صورت مثيلا لها في التاريخ.
واضح أن تفجيرات نيويورك وواشنطن لم تستهدف فقط رمز القوة الاقتصادية والمالية التي تستنبت من بين جدرانيها "قيم" العولمة وقوانين السوق وتقدس بداخلها مبادئ الليبرالية والمبادرة الخاصة والحرية الفردية، ولكنها استهدفت أيضا أركان الترسانة العسكرية التي يستظل فاعلو العولمة بظلها كلما طرأ طارئ من شأنه أن يهدد مصالحهم أو يحد من حركتهم أو يحول دون بلوغهم أي نقطة من نقط الكون تتراءى لهم فيها المنفعة أو الزيادة في الثروة.
لم يكن في تصورنا من مقابل لتطرف العمليات الانتحارية إلا تطرف العولمة ذاتها حتى في تعذر تبرير كلا التطرفين (سيما الأول): فالإرهاب كما العولمة تطرف...هو تطرف مصدره المؤكد رد الفعل لا الفعل في حد ذاته...وسياسات أمريكا (الاقتصادية بالأساس وداخل المنظمات المالية الدولية ناهيك عن منظمة الأمم المتحدة بمختلف هيئاتها) بررت تطرف رد الفعل (في أعين منفذيه على الأقل) بعدما تعذر عليهم بلوغ مرادهم أو إسماع صوتهم بالحسنى كما يقال.
لم يكن من مواز منطقي لعنف الانفجارات بالولايات المتحدة إلا عنف سياسات هذه الأخيرة وسطوتها على ثروات الآخرين (كما في الخليج منذ بداية التسعينات على الأقل) وإذلالها لدول تتطلع للاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي (كالعراق مثلا) وإلحاق الغبن والضيم بشعوب (كما في أمريكا اللاتينية وفي فلسطين وفي غيرها) تدافع عن حقها في الوجود والاعتراف بذات الوجود.
لو سلمنا بهذا الاعتقاد، فإنه من الهين التسليم بأن "إرهاب 11 شتنبر" لم يكن و ليس بالضرورة حكرا على جهة دون أخرى أو تنظيم دون آخر...إذ الحركات الاحتجاجية على السلوك والسياسات الأمريكية قد اتسعت لكل من طالهم عنف السلوك وضيم السياسات إياها سواء أكانوا من المواطنين الأمريكيين أو على شكل تنظيمات أساءها لحد الضرر العميق جبروت "القوة الواحدة".
وبقدر ما يلتقي الإرهاب والعولمة في تطرف التمثل، فهما يلتقيان أيضا في تطرف استخدام الوسيلة وأداة الجريمة: فالعولمة تدفع بالحرب الاقتصادية إلى أقصاها مستثنية من حركيتها دولا وشعوبا ومدنا وجهات وأفرادا وجماعات، مجردة إياهم من سلاح المال والسلطة ومقصية لهم من دورة رأس المال. والتطرف بدوره يدفع ب "شرعية العنف" في تعذر إسماع صوته بالمنظمات الدولية (بالنسبة للدول) أو عبر التنظيمات القائمة (النقابات بالأساس) أو من خلال الاحتجاجات الجماهيرية كما كان الشأن عند كل اجتماع دوري للدول الصناعية الكبرى والمؤسسات المالية التي تدور في فلكها.
هناك فيما يبدو قناعة متزايدة مفادها أنه لو كان بمقدور فاعلي العولمة أن يتعايشوا دونما مصادمة كبرى مع أضدادهم (ممثلين في الفقراء والمهمشين والعاطلين وغيرهم) ولو كان لهم أن يتجاهلوا الحركات الاحتجاجية (وإن في موسميتها) وأن يستبيحوا ثروات الدول وحقوق الشعوب (مباشرة أو عن طريق النخب الحاكمة الممثلة لهم بعين المكان) فإنه لن يكون بمستطاعهم التحكم في حجم ردود الأفعال التي تترتب (ولا يمكن إلا أن تترتب) عن هذه الممارسات بصرف النظر عن لون هذه الردود أو هويتها أو مرجعيتها أو عقيدتها.
وعلى هذا الأساس فمن الوارد اعتبار العولمة شريكا للإرهاب، تنمي عناصره وتقوي (عن غير قصد) أدواته وتدفع به إلى أتون العنف ليرتد عليها نهاية المطاف تماما كما ارتدت على الولايات المتحدة دول ومنظمات وجماعات كانت من صنعها في العلن والخفاء قبل أن تتمرد عليها وتعلن العصيان في وجهها.
قد يكون من المبالغة القول بأن الإرهاب وليد العولمة (على اعتبار أنه قد يكون وليد ظروف أخرى وهو كذلك إلى حد ما) وقد يكون من المجازفة اعتباره ابنها الشرعي، لكن من المؤكد أنها كانت العامل المركزي الذي سرع من قدومه (بالشكل الذي رأينا في 11 شتنبر) وأدى إلى "التضامن الضمني" الواسع معه ليس فقط من لدن منظمات مناهضة للعولمة أعادت رفع شعارات كانت قد رفعتها قبل 11 شتنبر، ولكن أيضا من لدن مفكرين غربيين تتميز مواقفهم بالحياد الكبير وبالموضوعية غير الملتبسة.
من هنا فمن غير المستبعد أن يكون منفذو عمليات واشنطن ونيويورك هم نتاج تطرف العولمة بما هو دفع بالليبيرالية إلى أقصى حدودها وبديموقراطية السوق إلى أبعد مستوياتها وبالفكر الواحد والوحيد إلى أسمى مناصبه بصرف النظر عن التحاججات حول استحالة ذلك من الناحية اللوجيستيكية أو تعذره على منظمات من أطياف متعددة نادرا ما تتشكل في تنظيمات منضبطة ومهيكلة.
المفارقة الحاصلة في خضم كل هذا أن تطرف العولمة (لدرجة التعصب ضد عدو محدد) لم يحل فقط دون السير العادل لمسلسل التحقيق في الحادث بل آثر ألا يسمع الموقف الآخر المتبرئ من الحادث إياه، المندد بمنفذيه رافعا شعار القصاص من "الإرهابي" ومخيرا حكام العالم بين: من لم يساندنا فهو ضدنا.
وبقدر ما خلقت العولمة للإرهاب بنيته المادية (خطابا وممارسة)، فالإرهاب بدوره فتح للعولمة سبل الانتشار والتوسع.
ليس التلميح هنا إلى إمكانية ازدهار أسواق التسلح وما يترتب عنها من صفقات للشركات المتعددة الجنسيات (الأمريكية في المقام الأول) ولكن أيضا إلى ما يستتبع ذلك من "تنسيق" للسياسات الأمنية بين جل دول العالم في إطار ما يمكن تسميته مجازا وحقيقة ب "العولمة الأمنية".
يبدو إذن أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بنظام تجسسها الكوني (نظام إيشيلون) ولا فيما توفره لها أجهزتها للاستخبارات، ولا فيما تزودها به أقمارها الصناعية المتعددة الوظائف، بل أضحت في حاجة إلى "عرافين جدد" مباشرين يستخبرون حل "المجموعات الإرهابية" وترحالها.
ويبدو أيضا أن صفة الإرهاب ستطال كل ما من شأنه أن يخفي المعلومات (ناهيك عن الأفراد والمنظمات) أو يتستر على المعطيات أو يتأخر في تسليمها إلى الأجهزة التي تعلم وحدها ودون سواها كيف تستخدمها ولأي غرض تؤولها.
لهذا الاعتبار ولغيره سيصبح الإعلام (زمن الحرب كما زمن السلم) رهين سلطة القرار السياسي والعسكري وإلا لصنفت بدورها داعما للإرهاب أو بوقا للإرهابيين.
أو لم تتهم قناة الجزيرة القطرية "بتعاطفها" مع بن لادن حينما مررت خطبا له قيل إن بها جملا مشفرة موجهة لأنصاره؟
أو لم "تجبر" القناة على الانتقال إلى البث الرقمي المحدود بعدما ضمنت لنفسها ملايين المشاهدين عبر الفارزات التشابهية الواسعة الانتشار؟ أو لم تفرض على معظم قنوات العالم التلفزية حربا سيميائية أضحت بموجبها (أي بقوة التكرار) مصطلحات الإرهاب مسلمات تؤثث الخطابات وتبني للتحليلات؟
هناك إذن، بالمحصلة النهائية، تراكم تدريجي لعناصر العنف في الممارسة ولمكامن الغلو في الخطاب... ينتعش في ظلها تطرف العولمة ويتشدد في خضمها تطرف الإرهاب.
وهناك، بالمحصلة النهائية أيضا، توحد في التوجه على خلفية من "البقاء للأقوى" وترابط في الغايات تحت مسوغة أن العنف إنما يولد عنفا مضادا بنفس الدرجة أو أكثر.
بالمقابل فتوحد الإرهاب والعولمة لدرجة الانصهار (كما في حالة 11 شتنبر مثلا) أو تكاملهما كما في العديد من حالات الاحتجاج ضد العولمة (تحطيم رموز العولمة في حالة بوفي بفرنسا أو شركات تطوير المزروعات بيولوجيا كما في سويسرا وغيرها) لا ينفي، شكليا بالأساس، وجود عناصر التضاد والتنابذ بين الظاهرتين:
- فالعولمة، في خطابها على الأقل، تتغيأ حرية الحركة والتنقل للسلع والخدمات، للرساميل والأفراد، في حين أن الإرهاب هو حد موضوعي لهذه الحرية ليس فقط للدول والجهات المتهمة بإيوائها لعناصر الإرهاب، ولكن أيضا لكل جهات العالم حيث يتقلص الأمن إلى مستواه الأدنى وتحد سياسات المراقبة والتفتيش من حركية السلع والأفراد وتستباح مراقبة تنقلات الأفراد والجماعات والنبش في سجلاتهم والتنصت على مكالماتهم واستباحة رسائلهم البريدية والألكترونية وغير ذلك.
الإرهاب أصبح من هنا عامل تهديد لحقوق ومكتسبات لم تفتأ العولمة (خطابا وإلى حد ما في الممارسة) تدافع عنها وتقدسها: حقوق التنقل، حقوق المتاجرة، حقوق الكسب، حقوق التعبير وحقوق الخصوصية الذاتية والجماعية.
الإرهاب هو تحطيم للحقوق إياها، لكنه أيضا وقبلها جميعا، تحطيم للحق في الحياة وللحق في العيش الآمن إن لم يكن بنفس الظروف فعلى الأقل بنفس الشروط.
وعلى هذا الأساس، فمهما تكن مشروعية القضية التي يتم إلصاق صبغة "الإرهاب" بها، فهذا لا يبرر إطلاقا استباحة أرواح بريئة أو الزج بها في حسابات قد لا يكون ضحاياها على بينة من رهاناتها ولا من تبعاتها.
- والعولمة، وإن كانت تبيح المنافسة وتستبيح الحرب الاقتصادية المضمر منها والمعلن، فهي لا تعلن العداء على الديموقراطية (ديموقراطية السوق بالأساس) بقدر ما تتبناها وتدفع دول وشعوب العالم إلى اعتمادها وتوطينها...في حين أن الإرهاب لا يستسيغها بل يعتبرها اختزالا لحق الدول والشعوب في اختيار حكامها وممثليها مباشرة دونما وسطاء أو موسطة تذكر.
الإرهاب عدو لهذه الديموقراطية لأنها لا تدخل في إطار تمثله "للديموقراطية" ولا تنصهر في منظومته للفرد وللجماعة وللمجتمع، و لا تقيم كبير اعتبار، في تصوره، للأقلية المطلقة التي تستبيحها مكونات الأغلبية النسبية.
لهذا السبب ولغيره يحارب الإرهاب نموذج ديموقراطية العولمة التي يرى فيها نصبا واحتيالا على الإرادة الجماعية من منطلق "احترامها" للإرادة الفردية أو للاختيارات الذاتية.
بالتالي فبقدر طوباوية التصور إياه بقدر تحايل الديموقراطية إياها، إذ بقدر اختلاف المرجعية بقدر اختلاف التأويلات وبقدر تضارب المسوغات تختلف التبريرات.
قد يسلم المرء بوجود ديموقراطية سوق تساير العولمة وتبرر سياسيا وحقوقيا لوجودها، لكنه من العسير إيجاد تبرير لديموقراطية من صلب الإرهاب، إذ الإرهاب في حد ذاته هو نفي مطلق لكل أشكال التعبير الحر والتفكير "المستقل".
بالتالي فمحك الديموقراطية (ديموقراطية السوق أو غيرها) هو الصخرة التي على قمتها يصطدم منطق العولمة المتقدم بمنطق الإرهاب الجارف، وهما معا نتاجا لسياسات واحدة، ولمرجعية في التفكير واحدة ولمسوغة في الحركة واحدة.
- والعولمة هي، فضلا عن ذلك، نقيض للإرهاب حتى وإن كانت تضمر ذات التصور والممارسة...إذ العولمة هي تشييع مضمر للإرهاب تشرعن له المرجعية وتقنن له السبل وتضمن له (بقوة السلطة والجاه) مسلكية السريان والتموطن.
فالعولمة بسلوكياتها وممارساتها (وبفلسفاتها أيضا) هي تدويل للإرهاب وتعدد لجنسيته، يتساوى في ذلك صاحب القضية المشروعة (قضية الأرض) بصاحب المشكل المشروع (مشكل البطالة أو مشكل التفجيرات النووية أو مشكل الارتفاع الحراري أو مشكل التشكيل البيولوجي للأغذية أو غيرها).
العولمة هي التي أوصلت الإرهاب إلى أمثل صوره، تماما كما أوصلت الرأسمالية الأمبريالية إلى أقصى مراحل تطورها.
والعولمة هي التي خلقت اليأس في وجه المستضعفين ودفعت بتطرفها لحد تطرفهم واستثمرت فعلها في عدم استحضار رد فعلهم واستباحت أرضهم وثرواتهم في تغييبهم ونفيهم (حتى باستحضار حكامهم الطغاة) وضغطت عليهم لدرجة الانفجار...
لكل هذا ولغيره فبالإمكان تفهم دوافع ودواعي عمليات نيويورك وواشنطن حتى وإن كان الاختلاف عميق حول المبررات والتنديد كبير بخصوص الوسائل والأدوات.
الرباط، 23 أكتوبر 2001