من وحي
المواجهة بين
إسرائيل وحزب
الله
من
المبالغة حقا
الزعم بأن ما
يجري منذ
الثاني عشر من
يوليوز الماضي
بين إسرائيل
وحزب الله هو
حرب بالمقاييس
العسكرية
المعروفة حتى
وإن جر لبنان
(وإسرائيل
أيضا) ليغدوا
ساحة حرب
ودمار
بامتياز وإن
بدرجات
متباينة:
+
فحزب الله ليس
جيشا نظاميا
تمنحه الصفة
إياها إمكانات
اقتناء
الدبابات
والمدافع
والطائرات
ليواجه بها
دولة
كإسرائيل تغرف
من سوق السلاح
ما تشاء وتطور
بمختبراتها
العسكرية ما
تشاء وتصدر
منه الشيء
الكثير لحلفائها
وزبنائها
بهذه الجهة من
العالم أو
تلك.
+
وحزب الله لا
تسري عليه، منطقيا على
الأقل،
"الأخلاقيات
العسكرية"
المعتمدة في
الحروب
التقليدية، ولا تعتبر
مغانمه من
الأسرى مغانم
حرب ولا أسراه
أسرى حرب ولا
يخضع من هنا، ومن هنا على
الأقل،
للمواثيق
والأعراف
الدولية
الملاحظة زمن
الحروب.
هو
تنظيم سياسي
بفصيل عسكري، راهن منذ نشأته
بثمانينات
القرن الماضي
ولا يزال، على
حرب عصابات
تعتمد الكر
والفر وحرب
الاستنزاف
ويراهن
بالمدى
المتوسط
والطويل،
على جني ثمار
ما أدركه
عمليا بأرض
الواقع أوعلى
مستوى ساحة
القتال.
+
وهو، فضلا عن كل
هذا وذاك،
صاحب مشروع
تحريري اثبته
بجدارة
منقطعة النظير
في ماي من
العام 2000 وشد
عليه
بالنواجد
لاستكماله
باسترجاع
مزارع شبعا
واسترداد
مقاومين له أسروا
في خضم ذلك، أو مواطنين
متعاطفين معه اختطفوا
من قبل ذلك من
بين جدراني
منازلهم أو من
بين ظهراني
المساجد
والحسينيات
وما سواها.
وهو، في صلب ذلك، وطني السيرة، براغماتي
التوجه، مرن
السلوك، شارك
في
الانتخابات
وقبل
بالاستوزار
ورضي بمبدأ
الحوار
الوطني الذي
من شأنه
(نظريا على الأقل)
تحديد حاضر
سلاحه
ومستقبله.
وإذا
كان من الوارد، ومن الطبيعي
أيضا يقول
البعض،
المزايدة على
الحزب
واعتباره
دولة داخل الدولة، يأتمر
بأوامر الأجنبي
(الإيراني
والسوري في
الغالب الأعم)
ويرتهن
لفائدته على حساب
الدولة
والحكومة
الشرعية قرارا
السلم والحرب، فإنه من
الضيم حقا غض
الطرف عن بعض
المعطيات
التي توحي بها
مكانة الحزب
أو يتحفظ من
طروحاتها أو يتجاوز
عليها سيما
بجهة خمس
قضايا لا
نعتبرها مادة
مزايدة كبرى:
°-
فالحزب تنظيم
سياسي وعسكري
لم ينازع
السلطة
المركزية
صلاحياتها
ولا تجاوز على
اختصاصاتها
ولا رفع
السلاح يوما
بوجهها، بل
ارتضاها
كسلطة
وارتضته
كحركة مقاومة
وتشاركا معا
في الحكم...لا
بل ترك أمر المفاوضات
على تبادل
الأسرى (في
أعقاب أسر الجنديين
الإسرائيليين)
للحكومة
المركزية
وفوض رأس
الجهاز
التشريعي أمر
النطق باسمه
بهذا الأمر
وبغيره، وقبل
بمبدأ نشر
الجيش
اللبناني
بالجنوب وبسط
سلطانه على
مجمل تراب
الوطن بعد ما
يناهز شهرا من
المقاومة
الملحمية لم
يغنم في ظلها
الإسرائيليون
إلا ببعض
التلال
أوالهضاب
أومرتفعات
الجبال.
كيف
إذن القول
بأنه دولة
داخل الدولة
وأجندته "خارجية"
والأوامر
تأتيه من
الغير؟ كيف
القول بذلك وهو
ملتزم بميثاق
حكومي وله
نواب كثر من
التجاوز حقا
الطعن في
صدقيتهم أو
مصداقيتهم؟
كيف الإشارة
إليه بصفة
المغامرة وقد
صرح بأكثر من
مرة بأنه لن
يعدم السبل في
استرجاع
الأسرى
وتحرير مزارع
شبعا؟
°-
والحزب لم يدع
يوما أنه
يحارب عوضا عن
الأمة أو
بالنيابة
عنها، بل
بنى مشروعه
وأدبياته
(وبالإعلام
أيضا) على
تقاطع أهدافه
بأهداف الأمة
واعتبر
انتصاراته
نصرا لها
وانكساراته
انكسارا لها
وانطفاء
شمعته من
انطفاء شمعة
من شمعات
الممانعة
النادرة أصلا
من بين ظهراني
الأمة.
وعلى
هذا الأساس، فهو لم يكن
ينتظر منها، أو من بعض
مكوناتها
تحديدا، دعمه
أوإسناده في
مواجهته
لإسرائيل، بل كان
يراهن (وهو
العارف بضعف
الأمة
وهوانها
وتواطؤ
العديد من
نظمها) على
صمتها وعلى
استبعاد سلوك عدم
المزايدة على
ما يقوم به
مادام في غنى
عنها جملة
وبالتفصيل.
ما
السر إذن في
تسابق العديد
من ركائز
النظام العربي
الرسمي للطعن
فيه من الخلف
والتساوق مع
ما تقوم به
إسرائيل وما
تتوجه أمريكا
بجهة إقراره؟
ما الآية من سكوت
النظام إياه
على تدمير بلد
بأكمله كما لو
كان ذلك أضعف
قربان يقدم
لإسرائيل
مقابل تقويض
الحزب...على أن
يتكفل المال
العربي فيما
بعد بترميم ما
تم تدميره
مقابل ذات التغييب؟
°-
والحزب أكد، بالدليل
والحجة، أن ما
يحاك
بالتحديد لا
يقصد منه
الحزب أو لبنان، بل المنطقة
برمتها بجهة
ليس فقط تدمير
كل سبل المقاومة
والممانعة من
بين ظهرانيها، بل إخضاعها
لمنطوق
أمريكي تكون
إسرائيل ساعده
الضارب
وحاميه
الأوحد... وما
سواها أجرام
صغرى تدور في
الفلك
تلقائيا ودونما
تمنع أو
مكابرة.
ما
السر إذن في
تغاضي النظام
العربي عن هذه
الحقيقة والإمعان
في المماهاة
مع مشاريع
أثبتت الأيام
(بفلسطين كما
بالعراق)
سرابها
وخديعتها
وسوء النية من
أمامها ومن
خلفها سواء
بسواء؟
ما
الآية من غضه
الطرف عن
حقيقة أن "إسرائيل
القوية" لا
تردع إلا
بتوافر عناصر
القوة إذا لم
يكن لهزمها فعلى
الأقل للحد من
تطلعاتها
والحيلولة
دون جبروتها
وتجبرها؟
°-
والحزب لم
يتنكر يوما
لتحالفه مع
إيران وسوريا، بل جاهر به
واعتد به وأعلنه
لدرجة
التفاخر،
كونهما
يدعمانه
ويساندانه ويقدمان
له العتاد
والسلاح. وهو
أمر لم يخفيه
الحزب يوما
ولا عمد إلى
التنكر له، بل اعتبره تحالفا
إلى التقاطع
أقرب منه إلى
منطق "الآمر
والمأمور".
ما
العيب في ذلك، والتشنيع به
لدرجة
الخطيئة،
وكل دول
وأحزاب
ومنظمات
العالم
تتحالف مع بعضها
البعض لهذه
الغاية أو
تلك؟ أوليست
أمريكا حليفة
إسرائيل
والعرب حلفاء
أمريكا
بالعلن والسر
تحميهم وتصد
عنهم الأذى
كما بحروب
الخليج
الثلاث؟
وما
وجه الخطإ في
أن يكون حزب
الله حليف
إيران وسوريا
عوض أن يكون
متواطئا مع
إسرائيل على
بني جلدته
خفاء أو في
العلن؟
°-
والحزب لا ولم
يراهن على
ثنائية الربح
والخسارة ليس
فقط لأنه يعلم
علم اليقين أن
موازين القوى
مختلة والقوة
المادية
قائمة بين يدي
غريمه، بل
وأيضا لأنه
مقتنع بأن
حسابات السياسة
تأتي كمحصلة
لذات
الموازين
وليس كأداة
تمهيدية لها.
من
غير الوارد
لديه إذن
(سيما وهو
يعرف كنه إسرائيل
جيدا) أن
يراهن على
استرجاع
أسراه مثلا بأدوات
السلم أو بسبل
التفاوض
والحوار أو بمجرد
"بسط الدولة
اللبنانية
لسلطتها على
كل التراب
اللبناني"... بل
بقوة النار
والحديد وقد
بات يحتكم إلى
بعض منها أعادت
للبندقية
العربية بعضا
من كرامتها.
وإذا
كان النظام
العربي
الرسمي قد
أفصح جهارة
بمعاداته
لحزب الله في
أعقاب الثاني
عشر من يوليوز
أو عمد إلى
ركوب موجة
الصمت في وجه
الآلة التدميرية
الإسرائيلية، فإن ذات
النظام لم يخش
من مناصرته
للحزب إثارة
غضب إسرائيل أوأمريكا، بل خشي
أكثر عدوى
ثقافة
المقاومة
التي استنبتها
الحزب في أقل
من شهر من
المواجهة مع
إسرائيل
أدهشت
هذه الأخيرة
وأفسدت على
النظام إياه
كل حساباته
وترتيباته...
وبناء
عليه، يبدو
لنا أن تحرك
النظام
العربي
الرسمي عبر
مجلس وزراء
خارجيته لا
يشي فقط بصحوة
ضمير متأخرة
إزاء ما يتعرض
له لبنان،
بل وأساسا
للحيلولة دون
أن تتحول
ثقافة المقاومة
إلى عصيان
جماهيري لن
تنفع معه قوى
الأمن الداخلية
ولا مظلة
الحماية
الخارجية...
يحيى
اليحياوي
الرباط، 7 غشت 2006