ذ. يحيى اليحياوي لجريدة المنظمة: قانون 24-96 لم يصغ في جو ديموقراطي ووجب تعديله...وخوصصة قطاع الاتصالات المزمع تنفيذها محكومة قلبا وقالبا بنظرة مالوية ضيقة

  

 

راكم الأستاذ يحيى اليحياوي العديد من الدراسات والبحوث في قضايا الإعلام والاتصال والعولمة, وهي مساهمات تكشف عن مقاربة دقيقة للإشكالات والقضايا التي تدخل في صميم التحديات المطروحة علينا وعلى الوطن العربي ومستقبله في المجالات المذكورة...

ففي هذا الحوار الهام يتناول الباحث الشاب يحيى اليحياوي عددا من القضايا والإشكالات المرتبطة بقضايا الاتصالات والإعلام, من ضمنها قانون الاتصالات وخوصصة قطاع الاتصالات بالمغرب وما تطرحه من أسئلة بالنسبة للحاضر والمستقبل.

 

س: لو ننتقل بالتحديد إلى قطاع الاتصالات, مجال اهتمامك الأول والذي أصدرت بشأنه أكثر من بحث, هل لنا بنظرة عامة عما يجري من حولنا حتى يتمكن القارئ من فهم أبعاد القطاع ورهاناته قبل أن نمر إلى حالة المغرب؟

 

يحيى اليحياوي: في الحقيقة المجال قد يضيق بنا هنا للحديث فيما يجري بقطاع الاتصالات على المستوى العالمي ويضيق بنا أكثر لو نحن علمنا تشعب القطاع وتعدد الفاعلين فيه والرهانات الكبرى التي يجرها من ورائه.

 

أعتقد أن الحركية التي يعيشها قطاع الاتصالات, نهاية هذا القرن ومنذ أكثر من عقدين من الزمن, هي في عمقها كما في تمظهراتها, حركية تكنولوجية خالصة حتى وإن كانت روافدها الكبرى روافد مؤسساتية, سياسية وثقافية ومجتمعاتية.

وأقصد بالحركية التكنولوجية أساسا عملية الانتقال من النظم التشابهية في الاتصالات إلى النظم الرقمية وتطور الشبكات ذات السعة العالية والاتصالات الراديوفونية والتقنيات الفضائية في التحويل والإرسال والإلكترونيات الضوئية التي بفضلها ارتفعت قوة الذاكرة مع انخفاض أسعارها...الخ.

وأقصد بها أيضا تلك الحركية الكبيرة والسريعة التي سهلت و لازالت تسهل تزاوج الاتصالات والمعلوماتية والسمعي-البصري... مفجرة بذلك مستوى الخدمات لدرجة يبدو لي معها أن الانترنيت والمتعدد الأقطاب لا يعدوان كونهما الواجهة الأولى لما ستكون عليه الخدمات بداية القرن المقبل.

 

هذه القطاعات الثلاثة فيها من كان محكوما, منذ نشأته, باعتبارات جماعية حتمت إخضاعه لسلطة الدولة عبر التسيير العمومي (كالاتصالات مثلا وإلى حد ما السمعي-البصري), وفيها من كان خاضعا, منذ بداياته وبحكم طبيعته اللامركزية, لطقوس السوق ومنطق "الأداء والحسوب" كالمعلوماتية وأيضا وإلى حد كبير القطاع السمعي-البصري, لدرجة قد نختصر معها الكلام بالقول بأن معظم قطاعات الاتصالات الوطنية في العالم (باستثناء النموذج الأمريكي) غالبا ما كانت ممركزة بين يدي الدولة ومحتكرة من لدنها إما لاعتبارات أمنية واستراتيجية أو بحكم طبيعتها التنموية وأثرها في التوزيع الجغرافي للأفراد والجماعات وأيضا على اعتبار الوظيفة الاجتماعية التي كانت الاتصالات أحد مكرسيها.

 

هناك, إذن, حركية تكنولوجية كبرى شهدها القطاع في ظل الاحتكار العام أو في ظل ما اصطلح اقتصاديو الهياكل الصناعية على تسميته ب"الاحتكار الطبيعي" بارتباط مع قوة فلسفة "المرفق العام" وإرهاصات إعادة توزيع الفضاء الترابي للدول.

هذه الوضعية المستقرة نسبيا للشبكات والخدمات شهدت إعادات نظر عميقة بداية ثمانينات هذا القرن تمثلت (من بين ما تمثلت فيه) فيما يمكن تسميته ب"التوجه التحييدي" لمركزية الدولة في قطاع لا محددات حقيقية لوجودها به كما يدفع بذلك الليبراليون الجدد وأصحاب القرار اليمينيين (نموذج مارغريت تاتشر ورونالد ريغان وغيرهما), وتمثل أيضا في المطالبة بنقل صلاحيات التقنين للسوق ولقواعده دون غيرها, وتمثل أخيرا في المطالبة بخوصصة فاعلي القطاع التاريخيين وتكسير احتكارهم للسوق شكلا ومضمونا, وكما تعلم فقد خصصت لهذه الإشكالية كتابين مستقلين.

 

س: لكن السؤال يبقى أن هذه الدول قد بلغت نسبة من "التخمة الاتصالاتية" ومن مستويات التنمية الوطنية يجعل فاعليها التاريخيين في انحسار من نشاطهم جراء ضغوطات الاحتكار الداخلي...

 

يحيى اليحياوي: هذا صحيح, فنحن نعلم أن اقتصاديات الدول الكبرى تتداخل بشكل كبير وتتكامل بل وتتكتل فيما بينها, وبالتالي فمن غير المرغوب فيه مثلا ألا تتماشى سياسات الاتصالات في دول المجموعة الأوروبية مع مشاريع خلق الفضاء الأوروبي الموحد.

وليس من الممكن أن تبقى أسواق الاتصالات حكرا على الدول الوطنية في وقت يؤسس الساسة فيه لفضاءات محررة تنتقل فيها السلع والخدمات والرساميل...والشبكات دون قيود و لا حدود.

قد يكون من الصائب القول بأن سياسات الخوصصة والتحرير التي خضع لها القطاع هيكلا وسوقا, منذ ما يزيد عن عقد من الزمن, هي من سياسات الانفتاح الاقتصادي الموازي لعصر العولمة وتداخل الاقتصاديات وتشجيع المنافسة بين الفاعلين في القطاع. إلا أنني أعتقد أن هناك أمران أساسيان لا بد من سياقهما هنا:

 

+ الأمر الأول: أن الرهان, نهاية هذا القرن, يبدو أنه لم يعد مبنيا على أسواق تضيق بفاعلين كبار يبحثون عن فرص للاستثمار ووسائل لتسريع دورة رأس المال, بقدر ما أصبح محكوما بفضاءات جغرافية واسعة لا سبيل فيما يبدو إلى بلوغها إلا سبيل الخوصصة والتحرير... والاتصالات كما تعلم سوق واسع.

 

+ الأمر الثاني: أن ما يجري من عمليات خوصصة فاعلي الاتصالات بالدول الكبرى والتحرير (النسبي) لأسواقها إنما يجب وضعه في إطار سياسات التحالفات الاستراتيجية التي ينهجها هؤلاء الفاعلون بحثا من لدنهم عن حلفاء يقتسمون وإياهم تكاليف البحث العالية ويخففون من خلالها كلفة تطوير أنظمة الاتصال للقرن المقبل, وأيضا تقاسما للأدوار فيما بينهم.

فلا الخوصصة إذن ولا التحرير اللذان يطالان ملكية وهياكل سوق الاتصالات بغاية في حد ذاتها بالنسبة لهؤلاء بقدر ما هي وسيلة لتحقيق مكاسب جديدة, وهذا أمر مهم لا بد من الانتباه إليه.

 

س: لو انتقلنا إلى وضعية قطاع الاتصالات بالمغرب, نحن نعرف أن القطاع يخضع حاليا لقانون تحرير وخوصصة (القانون 24-96), هل لنا بقراءة موجزة في أبعاد النص وما هي مؤاخذاتكم عليه؟

 

يحيى اليحياوي: هناك حقيقة أولية لا بد من التذكير بها بادئ الأمر, وتكمن في القول بأن ما اعتمدته الدول المتقدمة (وحتى تلك التي لا فروق لبلدنا معها في التنمية كبيرة) من سياسات في قطاع الاتصالات (إما بجهة خوصصته أو بجهة تحرير وإعادة تقنين احتكاره) قد تطلب من غالبيتها سنينا طويلة من الدراسة والتفكير والتشاور والتفسير.

وهذه الدول, فضلا عن ذلك, لم تعمد إلى اختيارات محددة وقرارات معينة إلا على أساس دراسات متعددة ومدققة وتقارير ضافية عن جدوى العملية وأبعادها ورهاناتها وأثرها على الاقتصاد والمجتمع, على القطاع وعلى العاملين به, على مستقبل الفاعل التاريخي به ومستقبل البلاد على ضوء مركزية القطاع ودوره.

بالتالي, فحتى باعتماد خيار الخوصصة, فإن هذه الدول احتكمت إلى سيادة الملكية الوطنية الخاصة به وتقزيم حصة الأجانب في نصيبها من الرأس المال المطروح للبيع.

 

ماذا حدث بقطاع الاتصالات ببلادنا خلال السنين الأخيرة التي تسارعت خلالها وتيرة " تاريخ القطاع" خطابا وممارسة؟

سأكتفي, للإجابة على هذا السؤال, بمجموعة ملاحظات أعتبرها (في شكلها وفي مضمونها) أساسية ما دمت حاليا بصدد تقييم هذه التجربة في إطار بحث أشمل:

 

+ الملاحظة الأولى, أن القانون, قانون 24-96 الذي أشرت إليه, صيغ في صورته الأولى في صمت مطبق وقد أقول في سرية تامة لم يتسن معها للباحثين والخبراء وحتى المهتمين من إبداء رأيهم والمساهمة في إغناء النص وإثرائه, فجاء بالتالي عبارة عن ترسانة من المواد المتراصة (في جزء كبير منها تحديد مصطلحات وتعابير) مبهمة وغامضة (غموض المادة المتعلقة بتحويل ملكية القطاع مثلا أو الإبهام الذي طال تحديد الأدوار).

ولئن عقد على هامش النص اجتماع مع الحكومة في إطار ما سمي ب"الندوة الوطنية حول مستقبل قطاع الاتصالات بالمغرب" (والتي قاطعتها شخصيا) فلم يكن ذلك إلا حلقة في تبرير النص وإلى حد ما " شرعنته".

إجمالا أعتقد أن النص هو أقرب إلى الرقع لكل رقعة فيه مكان ولون منه إلى تناسقية ما اعتمده غيرنا من نصوص لها نفس الأهداف والغايات.

 

+ الملاحظة الثانية: أن النص, نص القانون, مصاغ في مظهره العام على شاكلة النص الفرنسي لتحرير الاتصالات ليونيو 1996 لا على مستوى نقله للمصطلحات أو المفردات فحسب, بل أيضا في استنساخه لمفاهيم لم يبلغ نمو القطاع بالمغرب مستوى إفرازها. والتلميح هنا لمفهوم "الخدمة الشمولية" مثلا عوض الخدمة العامة التي يبدو أن الاتصالات الفرنسية قد تجاوزتها, وأيضا إلى إشكالية "حقيقة الأسعار" التي فرضها واقع المنافسة الذي يعيشه قطاع الاتصالات في الدول الكبرى واستنسخه نص القانون دون تمثل أبعاده وآثاره.

 

على هذا الأساس يبقى النص, في تصوري, يتيما ولقيطا كما هي لقيطة مراسيم التطبيق التي مولها البنك الدولي وسهر على صياغتها خبراؤه.

 

+ الملاحظة الثلاثة: أن المشروع (والقانون فيما بعد) جاء ولكأنما خضع لعملية الإنزال في صياغته وإخراجه. فالقطاع, كما نعلم, كان مستثنى ضمن لائحة المؤسسات الغير مطروحة للتفويت وبرز بإلحاح من وزير الخوصصة السابق وتحت ضغط اللوبيات, ليعتمد كقانون في ظروف فائقة السرعة التزم نواب المعارضة (السابقون) جانب الحياد... وهو في حقيقته تزكية للنص على اعتبار أن من هؤلاء من له مصلحة كبرى في خوصصة القطاع.

ومعنى هذا أن السرعة التي صيغ بها مشروع القانون واعتماده بمجلس الحكومة والوزراء يعطي الإحساس (وقد أقول اليقين) بأن قوى الضغط المستترة كانت في عجلة من أمرها, وإلا فما السر في التسريع بتمرير المشروع ولم يلق من النقاش والتفسير شيئا يذكر اللهم كما قلت الندوة المذكورة.

 

+ الملاحظة الرابعة ومفادها أن مشروع القانون نفسه قد صاغته جهات خاطته على مقاسها دون اعتبار للقطاع-الشريك لها (أي قطاع البريد) وأعطت لنفسها, فضلا عن ذلك, مهمة الخصم والحكم (فيما يتعلق أساسا بصلاحيات ودور الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات مثلا).

بمعنى أن قطاع البريد (المفلس تقريبا) قد أزيح عنه الغطاء التضامني الذي كانت الاتصالات (بحكم غناها) تقدمه له, وأن الوكالة قد رأت دورها محددا من طرف أفراد (نفس الأفراد المقررين حاليا بقطاع الاتصالات) أفرغوها (نفخا في صلاحياتهم) من المحتوى الذي كان من الواجب إعطاءه لها لو كان لصلاحياتها أن تحدد من لدن أطراف محايدة ومستقلة وخبيرة بالرهانات.

 

هذه الملاحظات الأربع وغيرها تجعلني أميل للاعتقاد بأن القانون 24-96 لم يضع في إطار ديموقراطي ولم يعتمد في جو ديموقراطي, من هنا وجبت مراجعته وإرجاعه (كما في المحاكم) للمستويات الدنيا قصد تعديله واحترام المقاييس الشكلية المتعارف عليها.

 

س: لكن ماذا عن تحفظكم إزاء المضمون, مضمون القانون؟

 

يحيى اليحياوي:  ليس لدي, كما قلت, أدنى شك في كون النص قد صيغ واعتمد عن سوء نية وأقولها بصراحة شديدة. وأقول أيضا إنه صيغ من طرف جهات لربما لم يتسن لها الاضطلاع على الأدبيات التي تتمثل البعد التنموي للإشكالية الاتصالاتية.

هناك فيما أعتقد ثلاثة نماذج في النص تدل على ذلك وبقوة:

 

+ أولا, النص لا يميز قطعا بين ما هو خوصصة للملكية وتحرير للسوق.

فهو يتحدث عن التحرير بصيغة الخوصصة, ونحن نعلم, وفق معطيات الاقتصاد الصناعي المتوفرة, أن تحرير السوق بإمكانه أن يتم في ظروف الاحتكار المبررة: فكل الدول خوصصت دون أن تكسر الاحتكار, وحررت السوق دون أن يطال ذلك حصة "الفاعل التاريخي" حجما ونسبا من هذا السوق.

 

أنا مقتنع بأن نظرية "الاحتكار الطبيعي" المتجاوزة (ربما) بالدول المتقدمة ذات الحاجة الاتصالاتية المشبعة, ما زالت ذات قيمة كبرى ببلادنا, إذ ما معنى أكثر من فاعل في الشبكة-الأم أو في غيرها (الهاتف النقال مثلا) في محدودية الطلب وتواضع نسب التنمية الاقتصادية وارتكاز الاقتصاد المغربي المستمر على النموذج الفلاحي- التصديري أي البدائي؟

وما معنى تعدد الفاعلين بالقطاع إذا كانت المحصلة هي توزع الطلب المتاح عليهم لا تحقيقا وخدمة لفائض الطلب في سوق محدود ودخول محدودة ومستوى عيش محدود وقد أقول ذي آفاق محدودة؟

أو لنقل, قياسا على ذلك, ما الفائدة من الترخيص بفتح شبكة لسكك الحديد جديدة ومكلفة إن كان لمواجهة الطلب الجديد أن يتم بزيادة حافلة أو حافلتين في الشبكة-الأصل الموجودة؟

 

+ ثانيا, في حديثه عن الخدمة الشمولية, أعتقد أن الإشكالية المطروحة (من طرف القانون 24-96) إنما هي وضعية نشاز وغير مضبوطة.

والواقع أن ما يعتمد على كونه "خدمة شمولية" في الدول المتقدمة إنما هو مرحلة قصوى من مراحل تطور "المرفق العام" الذي لربما استنفذ (في هذه الدول) طاقته التنموية والاقتصادية والاجتماعية وفرضت التطورات ضرورة تطويره وإثرائه حتى يساير ركب شركات تعولمت ومؤسسات دولت نشاطها وفاعلين (تاريخيين بالمعنى الصحيح للكلمة) كيفوا استراتيجيتهم وواقع العصر.

 

أما وأن مبادئ "المرفق العام" البدائية (حتى) لم تستنفذ من لدن قطاع كقطاع الاتصالات بالمغرب, ورسالته التنموية لم تكتمل ومهماته في إعداد التراب الوطني لم تنته بعد (ولربما لم تبدأ) ومساهمته في بناء لبنة علمية وتكنولوجية (على غرار باقي القطاعات الشبيهة), فإن خطاب "الخدمة الشمولية" (المكرس لتكريس التضامن في الفوترة بين المناطق والشرائح الاجتماعية والمكسر لمبادئ استمرارية وعمومية وعدم ربحية المرفق العام) إنما هو, في نظري, خطاب "منطق السوق وقيمه" والذي ما فتئت قوى الضغط والمصالح تمرر له على حساب مركزية "المرفق العام" الذي من الواجب تقييمه والتشبث به والدفاع عن مصيره.

 

+ ثالثا, يلمح النص, في ديباجته وفي منطوقه أيضا, إلى أن عمليتي الخوصصة واللبرلة إنما هي نتيجة عمليات التحرير والعولمة التي تعيشها الاقتصاديات والقطاعات الاستراتيجية نهاية هذا القرن, وأن تيار الانفتاحات إنما يتطلب التأقلم والانضباط مع الفلسفة الليبرالية الجديدة وقواعد السوق المتصاعدة.

وهو أمر لا يخلو من صواب على اعتبار المد النيوليبيرالي الجارف وقوة السوق المتزايدة الانتشار والتطرف.

 

إلا أن ما نلاحظه في استقرائنا لمعظم تجارب الخوصصة والتحرير المتوفرة عالميا بقطاع الاتصالات أن هذا الأخير أصبح حامل لواء اقتحام الدول والشعوب لما يطلق عليه, منذ مدة, بمجتمع الإعلام والاتصال للقرن المقبل.

ورهنه لقوى خارجية هو بالتالي تفريط هذه الدول والشعوب في مستقبل تعليمها وتربيتها والقلب النابض لهذا المجتمع المتشكل وهو ما لا تفعله.

 

ما نلاحظه بالمغرب تحديدا أن خوصصة القطاع المزمع تنفيذها إنما هي عملية محكومة, قلبا وقالبا, بالنظرة المالوية الضيقة وباعتبارات البحث عن الموارد الإضافية لتمويل تكاليف التسيير و" نفقات السيادة".

ولما كانت مهووسة بهذا التصور فما يهمها من القطاع إنما هو ريعه القصير المدى لا فرق عندها في ذلك بين من يرى في القطاع مشروعا مجتمعاتيا (ومن المفروض أن تكون الدولة هي صاحبته) وبين من يرى فيه محطة لرؤوس أموال مضارباتية جوالة تبحث عن مصدر للربح السريع والفائدة الآنية (ولربما الرمزية أيضا بحكم رمزية امتلاك القطاع).

 

وعلى هذا الأساس, فأنا أعتقد بأن المطالبين بتسريع عملية الخوصصة (بحجج كثيرة غير مبنية ومتضاربة فيما بينها) لا يعدو كونهم تنميطيين في تمثلهم للأمور أو مدفوعين بمصالح ذاتية ضيقة وما أكثرهم (أفرادا وجماعات) في مجتمع أصبحت إحدى " قيمه الكبرى" الارتزاق والتطلع الاستهلاكي المبتور.

 

س: بقي أن نتساءل, دائما في إطار القانون 24-96, عن الأدوار أو ما تسمونه " قواعد اللعبة", هل حدد هذا القانون قواعد اللعبة بين ما يسميه البعض "الفاعل التاريخي" أي اتصالات المغرب, وبين الجهة المقننة أي الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات والوزارة الوصية ومستقبلا بين هؤلاء جميعا وبين الفاعلين الجدد؟

 

يحيى اليحياوي: لو سمحت لي أن أقف أولا, قبل أن أجيبك على تساؤلك, عند عبارة " الفاعل التاريخي" التي بدأ البعض (سيما المسيرون الحاليون للقطاع) يصفون بها الفاعل اتصالات المغرب.

عبارة "الفاعل التاريخي", المتزايدة الاستخدام هذه السنين الأخيرة بالمغرب عبارة مستنسخة, ولا يدري مروجوها ما المقصود بها تحديدا, لكنهم اعتمدوها فيما يبدو جراء استخدام "الخبراء" الأجانب (الفرنسيين خصوصا) لها كناية بالطابع التاريخي (الحقيقي) الذي يميز الفاعل المركزي بقطاع اتصالاتهم.

 

المقصود بالفاعل التاريخي (فرانس تلكوم مثلا في فرنسا أو أ.ت.ت بالولايات المتحدة أو إن.ت.ت في اليابان أو في غيرها) هو المؤسسة (العمومية في أغلب الأحيان) التي هندست, ولعقود طويلة, قطاع الاتصالات بحثا وتطويرا واستغلالا وتعميما للشبكات والخدمات. وهي التي بنت المرفق العام وساعدت على ترتيب التراب الوطني والدفع بمستويات التنمية إلى أقصى حدودها. وهي التي كونت الفنيين والخبراء والعلماء. وهي التي قربت الخدمة والفاتورة والتجديد من الفرد والمقاولة, من الاقتصاد ومن المجتمع. وهي التي بلغت مستويات من المصداقية والنجاعة يجعلها مفخرة وطنية يتحدث بها الساسة ويرضى عنها المواطن.

أين اتصالات المغرب من كل هذا حتى تعطي لنفسها صفة "التاريخي".

على أية حال أترك للقارئ قياسا على ما ورد أن يبحث بنفسه عن الطابع (كي لا أقول التركة) التاريخية للفاعل اتصالات المغرب ببلادنا...

 

لكن دعني أقول, جوابا على تساؤلك, إن التقييم الأولي لصيرورة النص 24-96 يجعله أبعد من أن يحدد قواعد اللعبة.

لو سمحت لي سأقف, بإيجاز شديد, عند التخبط في الصلاحيات الذي كان النص المذكور وراءها:

 

+ أولا, كل خيوط اللعبة موجودة حاليا بين يدي القائمين على اتصالات المغرب ميزانية واستثمارا وهم بذلك (ما داموا هم الذين صاغوا النص على مقاسهم) يتصرفون وفق بنوده دون رقابة كبيرة  تذكر, إذ الوزارة الوصية مقزمة إلى أقصى الحدود (ومنشغلة فيما يبدو بالتهيؤ للكارثة المعلوماتية لسنة 2000) ولا علاقة لها تقريبا بالقطاع اللهم شكلية الجلسات الشفوية إذا تكرم مسؤولو اتصالات المغرب على معالي الوزير بتزويده بمادة تساعده على الجواب.

 

+ ثانيا, الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات لا زالت تبحث لنفسها عن هوية ما دام عدد الفاعلين (في الشبكة- الأصل أو في الشبكات المحيطية) يحد من عدد " المحتكمين" إليها. فهي, بالتالي تحاول خلقهم على الأقل لتبرير وجودها الشكلي.

 

+ ثالثا, قطاع البريد يبقى في معزل عن ذلك يتخبط في البحث عن سبل العيش في ظل منافسة قاسية تمارس عليه دون تقنين و لا تشريع.

 

هذا إجمالا هو المناخ الجديد الذي جاء به القانون الجديد: تعدد في الوحدات المؤسساتية, تداخل وتناقض في الاختصاصات البينية ووضعية ترقب لدى المستخدمين وتشتت للكفاءات... وقس على ذلك.

ومعنى هذا, اختصارا للقول, إن القانون جاء والبيت غير مرتب, فزاد بذلك على فوضى الترتيب فوضى  التراتبية.

 

لكل هذه الأسباب, أعتقد أن فتح الملف من جديد يبدو لي في غاية الأهمية و لا سببا أرى شخصيا للتعجيل بتقويض الملك العام.

 حوار محمد العوني, جريدة المنظمة, يومية, 15-16 نونبر 1998