إشكالية "الإعلام الجديد"

 

 

1- لست من الذين يستحبون كثيرا التسميات, من قبيل "الاقتصاد الجديد", أو "التنمية المستدامة", أو "الرأسمالية الشعبية", أو "الإعلام الجديد", أو ما سواها. ولست ممن تستهويهم أطروحة النهايات, من طينة "نهاية التاريخ", أو "نهاية الجغرافيا", أو "نهاية الصحافة" أو ما سواها. هي تعبيرات انطباعية واختزالية, ومن باب الموضة أيضا, لا تقرأ الظواهر في سياقها العام, المحيل حتما على المعاني الصرفة, المفيدة للتحليل, بقدر ما تقرأها مع منسوب هالة مبالغ فيها.

 

عبارة "الإعلام الجديد", التي شاعت من مدة غير بعيدة, هي من تلك التسميات التي ترى أن الإعلام, الإعلام التقليدي, بروافده المختلفة المكتوبة والمسموعة والمرئية, قد انتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل تطوره, بحكم الطفرة التكنولوجية التي طاولت ميادين الإعلام والمعلومات والاتصال, وانفجار الشبكات الرقمية, وفي مقدمتها شبكة الإنترنيت, وأيضا انفجار القنوات الفضائية الباثة عبر الأقمار الصناعية, أو تكنولوجيا كوابل الألياف البصرية, والملتقطة بالحواسيب, كما بالهواتف النقالة, كما بما سواها. هذه هي خلفية التسمية, خلفية تستحضر البعد التكنولوجي, وجانب الإنترنيت تحديدا, للقول ببروز أشكال جديدة في الإعلام.

 

صحيح أن العديد من المنابر الإعلامية "التقليدية", سيما الورقية منها, قد انتقلت من الطبعة المعتادة, إلى صيغ جديدة, من خلال التواجد على الإنترنيت, لا بل منها من ألغى الصيغة الورقية جملة وتفصيلا, كما الحال مع كريستيان ساينس مونيطور مثلا. وصحيح أن الشبكات الألكترونية قد مكنت المنابر الإعلامية من توسيع مجال انتشارها ورواجها. وصحيح أن ذلك قد مكنها من تخفيض التكاليف المرتبطة بطابعها التاريخي المعروف. وصحيح أيضا أن الشبكات الرقمية تجاوزت على الصيغ "التقليدية" بفضل مرونة الأولى, وآنيتها, ويسر امتطاء ناصيتها, وسهولة تحيينها, وتفاعليتها مع المتلقي, وهكذا.

 

هذه أمور صحيحة إلى حد ما, إذ التواجد على شبكة الإنترنيت مثلا, لا يتطلب من أي مشروع إعلامي, استثمارات ضخمة, ولا تجديدا في الآليات, ولا طاقما موسعا في الصحفيين, ولا رتابة في تحيين المعلومات, ولا إمكانات لوجيستية وإدارية وبشرية وما سواها. وهي صحيحة أيضا وإلى حد ما, على الأقل بالقياس إلى انحسار مد المنابر التقليدية, في ضمان "ثقافة القرب والتفاعلية", مع متلقي تطورت حاجاته وتنوعت, وبات محكوما بهوس السرعة والمعلومة الآنية, والموقع المتيح لسبل الرد والتعليق. هذه لربما كلها مزايا ضمنت ل"الإعلام الجديد", أقصد المقتني للشبكات الرقمية, ضمنت له نسبة متقدمة من التفوق على المنابر التقليدية.

 

بالمقابل, فلو قسنا المسألة من زاوية الرسالة الإعلامية, فإن التمييز بين القديم والجديد غير ذي معنى كبير. أعني هنا, أنه لو فصلنا الرسالة عن حاملها, لما كان ثمة حاجة لذات التمييز بالمرة. الاختلاف هو اختلاف الحامل, مع احتفاظ الرسالة بوظيفتها ودورها ومكانتها. بالتالي, فسواء كان الحامل صحيفة أو محطة إذاعية أو قناة تلفزية أو موقعا على الشبكة, فإن الرسالة تبقى هي هي, لا تتغير, اللهم إلا في سرعة الوصول للمتلقي, وبعض من التفاعلية, التي تضمنها التقنيات الجديدة في الإعلام والمعلومات والاتصال, ولا تمكنها المنابر الأخرى إلا بصيغ نسبية, متأخرة في التوقيت عموما.

 

بالتالي, فأنا لا أستحب كثيرا هذا الطرح المبني على التقاطب بين القديم والجديد, على الأقل من زاوية أن تاريخ التقنيات هو تاريخ تراكمي وتكاملي, ولا يلغي السابق فيه اللاحق, بقدر ما قد يثريه ويغنيه, ولربما يفتح له في السبل جديدة.

 

2- إن إعلام نهاية القرن العشرين وبداية هذا القرن, كان ولا يزال إعلام مجموعات, وشبكات إعلامية, ووكالات أنباء عالمية, وبنوك معطيات معلوماتية, غالبا ما تتحكم فيها الشركات المتعددة الجنسيات الغربية. وهذه ملاحظة يسهل التأكد منها على مستوى الصحافة المكتوبة, وأيضا على مستوى الشبكات التلفزيونية العالمية, التي غالبا ما تكون خلف إنتاج المعلومات, والأخبار المتداولة عبر العالم, وحول مجمل قضايا العالم, بمراسليها ووكالاتها, وقدرتها على تغطية كل بقاع الكون بمقياس الآنية والسرعة والتواجد بالقرب من مكان الحدث.

 

قد نسلم بأن حدة الاستقطاب قد خفت نسبيا بظل الشبكات الألكترونية, والتجاوز النسبي على احتكار وكالات الأنباء العالمية للمعلومة والخبر, وتراجع مد الشبكات التلفزيونية العالمية, بحكم بروز شبكات تلفزيونية موازية, وإن بإمكانات محدودة, كما الحال مع شبكة الجزيرة مثلا أو ما سواها.

 

إلا أن الملاحظ أن ذات الاحتكار قد انتقل إلى الشبكات, فباتت محركات البحث, كغوغل مثلا أو ياهو أو ألطافيسطا أو غيرها, متحكمة فيما يروج من معلومات وأخبار وصور, الحي منها كما القار, وبات بإمكانها تزويد وكالات الأنباء بالأخبار, لا بل إن العديد من الصحفيين اتخذوا من مواد ذات المحركات, مصادرهم في الإخبار والتثقيف والترفيه.

 

بالتالي, فقد تحولت هذه المحركات إلى حوامل "جديدة" حقيقية, لتمرير إعلان الشركات الكبرى والترويج لإشهارها, بعدما تأكد لذات الشركات أن "الإعلام التقليدي" لا يفي بالغرض, و أو لا يفي به إلا جزئيا, أو لا يعطي لهذه الشركات فكرة سريعة عمن يطلع على موادها أو خدماتها أو سلعها. الشبكات الرقمية بهذه الزاوية, تبدو أكثر فاعلية ونجاعة من صحافة مكتوبة, قد لا يبلغ الإعلان من خلالها إلا نسبا محدودة من المتلقين, أو من صحافة مسموعة يتراجع جمهورها يوما عن يوم, أو من تلفزيون تتزايد به تكاليف وأسعار الإعلان... وهكذا.

 

3- من جهة أخرى, أتصور أن انتقال العديد من المنابر الإعلامية للصيغة الألكترونية, بالجملة أو جزئيا, إنما يطرح إشكالات كبرى بظل كل ذلك, تتعلق بالملكية الفكرية وحقوق المؤلف, وأخلاقيات المهنة وما سوى ذلك. وهي أمور لم تحسم على الرغم من مؤتمري القمة العالمية لمجتمع الإعلام بجنيف ثم بتونس بداية هذا القرن. هي قضايا لا تزال مطروحة بحدة بواقع الحال, فما بالك عندما يتعلق الأمر بالفضاء الافتراضي, حيث سبل التجاوز على القانون, فما بالك بالأخلاق أو القيم, واردة ومسوغ لها في بعض الأحيان.

 

الشبكات الرقمية, بظل الإنترنيت الحالي, وبظل جيل الويب الثاني تحديدا, هي شبكات مفتوحة, بإمكان المرء التموقع من بين ظهرانيها حيثما شاء, ودونما سبل كبيرة إلى مراقبة ما يمرر, أو ممارسة الرقابة على ما يسعى إلى تداوله. هي شبكات افتراضية, قد لا يعرف صاحب الرسالة صورة أو هوية المتلقي, لكنه قد يبقى باتصال معه لزمن طويل.

 

ثمة طروحات, مروجة هنا وهناك, تعتبر أن الشبكة استنبتت بسياق حرية وتحرر, والمفروض أن تبقى كذلك دونما قيود أو حواجز, وأن ما يقوم من بين أضلعها مما قد يكون تجاوزات, لن يلبث أن يتمثل قيم الشبكة, ومبدأ الحرية القائمة عليه. وثمة, على النقيض من ذلك, أطروحات ترى أن المطلوب هو تقنين الشبكة, وإخضاعها للحد الأدنى من الرقابة والمراقبة, على الأقل من زاوية أنها تمرر لمعطيات تطاول القيم والأخلاق المعتمدة, ومن شأنها زعزعة السائد من تمثلات وتصورات. هذه إشكالية ضخمة وحقيقة, إشكالية الحسم في مسألة: هل المفروض تقنين الشبكة وتنظيم قواعد اللعبة من داخلها, أم الاكتفاء بضمان الحد الأدنى لحكامتها.

 

4- إن أدوات "الإعلام الجديد", من قبيل اليوتوب والدايلي موشيون والفايسبوك وغيرها, قد باتت حقا وحقيقة الميزة الأساس للشبكات الألكترونية بداية هذا القرن. إذ أضحى بإمكان كل من لديه مادة أو صورة أو معطى, أن يتحصل على حساب مجاني, يمكنه من ذات العمليات, دونما مراقبة من سلطة, أو رقابة رقيب. هي مواقع ومستجدات غدا المستخدم بموجبها منتج المادة ومستهلكها بالآن ذاته, مسهما بذلك في تقويض أطروحة التمييز بين المستويين, مستوى الإنتاج ومستوى الاستهلاك.

 

إلى جانب ذلك, يبدو أن ذات المواقع بات لها بعض من النفوذ كقوة ضغط. فتمرير صور حية على هذا التجاوز أو ذاك, عن هذه الفضيحة أو تلك, عبر هذه المواقع, غالبا ما يؤثر على أصحاب القرار, ويدفعهم للتجاوب مع المواد المروجة.

 

بالتالي, فإن غياب ثقافة الرقابة التي تحد من الحرية بأرض الواقع, لم تعد قادرة على ضبط ما يروج بهذه المواقع, لدرجة اعتبار البعض لها بكونها الفضاء العام "الجديد". ثم إن غياب التراتبية وغياب الوسيط, الذي يعمل بالصحافة "التقليدية" مثلا, على تقييم وتقدير ما ينشر وما لا ينشر, هذا الغياب جعل كل من لديه مادة أو رغبة في التواصل, من إدراك ذلك بسهولة ويسر.

 

5- إن الثورة في ميدان تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال قد مكنت من التجاوز على مرحلة الندرة, التي كانت تطبع فترات الستينات أو السبعينات من القرن الماضي. وقد بات للوطن العربي, شأنه في ذلك شأن معظم دول العالم, المئات من القنوات الفضائية, والمحطات الإذاعية, والآلاف من المواقع على الشبكة, وقس على ذلك. بهذه الزاوية, زاوية الحامل أو البنية التحتية أو الرافعة المادية, يمكننا القول بأن ثمة طفرة حقيقية في الارتباط بالشبكات الجديدة من لدن معظم أقطار الوطن العربي.

 

 لكن بزاوية الإنتاج, نلاحظ أن العالم العربي لا يتوفر على بنوك معطيات بالإمكان الاعتداد بها, ولم يطور محركات بحث ناجعة بشبكة الإنترنيت, ولم يستوظف بقوة الكفاءات البشرية المتوفرة بهذا الجانب, ولم يمتط ناصية اللغة العربية كثيرا لترويج المادة الإعلامية بالشبكات الكبرى. أنا أتساءل هنا, كم نصيب العرب من الخمسمائة مليار صفحة من الصفحات الموجودة بالإنترنيت؟

 

المفارقة أنه بظل انفتاح السماوات وانتشار مدى الشبكات, نلاحظ أنه لا تزال ثمة تضييقات على مستوى بلوغ المعلومات, والنفاذ إلى المعطيات المحلية أو الوطنية, لا بل وتراجعت الحريات الإعلامية بقوة. ولنا أن نرى وضعية هذه الحريات في التقارير الدولية الأخيرة, سيما تقرير منظمة فريدوم هاوس. معنى هذا أن إنتاج المعلومة ورواجها واستهلاكها, لا تزال خاضعة لتصورات سياسية, واعتبارات أمنية, يحد من نجاعتها ومن مجال انتشارها.

 

ثم يبدو أن المعلومة والمعرفة لا تزالان أداة من أدوات الحكم في العديد من الدول العربية, وأن الأمية من تلك الأدوات, وإلا فما السر في نسب الأمية المرتفعة بالوطن العربي, في زمن مشاعية المعرفة, وتجاوز الدول على مفاهيم الأمية الأبجدية والكتابية؟

 

إن ثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال وفرت الإناء والأداة, فبات كل من لديه بعض من المال أو الجاه أو السلطة, ناهيك عمن لديه مشروع استثماري أو تجاري, بات بمقدوره إنشاء قناة تلفزيونية أو إقامة محطة إذاعية أو ما سوى ذلك. العيب هنا ليس في الأداة, العيب في التوظيف والاستعمال.

 

بهذا السياق ظهرت هذه قنوات شاذة مثلا, كقنوات الشعوذة والسحر والتبشير بالغيب, وغيرها. وهي قنوات تراهن على طبيعة المجتمع العربي, الذي لا يزال في جزء كبير منه يؤمن بالخرافة وحسن الطالع, والحظ والانتهازية وغيرها. إنها قنوات تخاطب مخيالا جمعيا متأزما, مستلبا, مقموعا إلى حد بعيد, يتطلع للخروج من واقع حاله المتردي, عبر الارتباط بقشة ما, حتى وإن كان يعلم أنها غير حقيقية في معظمها. وإلا فمن ذا الذي يصدق قدرة شخص على شفاء سرطان الكبد, في مراحله الأخيرة بمجرد لمس المريض, أو إعطائه بعض الأعشاب الطبيعية؟ ومن ذا الذي بمقدوره أن ينتقل بشخص من وضعية فقر مزرية إلى وضعية غنى, اللهم إلا إذا كان ذلك بالتحايل وتحريف وجهة المال العام؟

 

الغريب في الأمر أن وزارات الإعلام العربية لا تتحدث عن كذا قنوات في اجتماعاتها, بقدر تركيزها على القنوات التي تتعرض للحكومات أو للقائمين عليها. وهذا يبين إلى حد ما, السر في شيوعها, وسهولة حصولها على تراخيص البث عبر هذا القمر الصناعي "العربي" أو ذاك...إنه "الإعلام العربي الجديد".

 

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 20 يوليوز 2009