"المتسلط الناعم"

 

1- طيلة القرون الخمسة الماضية, تعاقبت في الهيمنة على العالم والسيطرة عليه, مجموعة دول وأمبراطوريات, منها من تراجع مده ونفوذه, لدرجة التقوقع الجغرافي, كالأمبراطورية الإسبانية والهولندية والإيطالية والعثمانية وغيرها, ومنها من كابر وتمنع, لكنه رضي بالنهاية بوضع ثانوي أمام "القوى الجديدة", كما حال بريطانيا العظمى وفرنسا, ومنها من هيمن ولا يزال يهيمن منذ أربعة أو خمسة عقود, كما الحال مع الأمبراطورية الأمريكية حاليا, ومنها من يتطلع للهيمنة, لتكون له الكلمة/الفصل بالقرن الحالي, كما حال الهند والصين, وبعض دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.

لقد كان للولايات المتحدة, منذ بداية تسعينات القرن الماضي, القول/الفصل في تحديد معالم العلاقات الدولية "الجديدة",  وبدا من هنا, كما لو أن نظاما عالميا جديدا بقيد التشكل تدريجيا, يكون للولايات المتحدة الأمريكية بموجبه مركز القيادة والهيمنة، حتى وإن بدا أن ثمة من الدول والمجموعات من يتطلع لمنافستها أو مزاحمتها، سيما من لدن اتحاد أوروبي ينشد الاستقلالية عن القرار الأمريكي, أو من لدن الصين، أو اليابان أو وروسيا أو غيرها.

إن الميزات الأساس التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية, تتبوأ المرتبة الأولى بالعلاقات الدولية, منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل, لا تكمن فقط في شساعة أراضيها وضخامة ثرواتها, وتنوع أعراقها, وقابلية كل هذه العناصر على الاندماج والتعايش والعمل المشترك, ولا تكمن أيضا فقط في طبيعة النظام الاقتصادي الذي اعتمدته, أو المرجعية الليبيرالية في التنظيم والتدبير التي تبنتها, ولكن تكمن أيضا وبالتحديد في التحالف القوي بين السياسيين ورجال الأعمال من ناحية, وبين رجال الفكر ورجال الدين من ناحية ثانية, لرسم خلفية فكرية حاسمة للمصلحة القومية العليا للولايات المتحدة، التي ألقت بظلالها, بالشكل كما بالمضمون, كما بالآليات, على سياستها الخارجية ودورها في العلاقات الدولية المعاصرة.

 

يقول أحد قادة البحرية الأمريكية ببداية هذا القرن, وكان ذات التحالف في مراحله الأولى: "على الولايات المتحدة أن تنشر نفوذها التجاري في أنحاء الأرض كلها, والتصدي للأهداف الأمبريالية الأوروبية. إن مبدأ مونرو يوجب على الولايات المتحدة رفض أي نفوذ آخر. الأمر محكوم بالمصلحة القومية وحدها، ولا يبدو أن له حدودا. فعلى الولايات المتحدة الارتقاء إلى مصاف القوى العظمى. وتكمن المصلحة القومية، من حيث جوهرها المعلن, في طلبها بهيمنة أمريكية ممتدة إلى ما بعد البحار".

 

إن العديد من النصوص الواردة سواء على لسان رجال الدين, أو بخطب رجال السياسة والمال, إنما تعكس بقوة هذه الرغبة الجامحة للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدينية على العالم, من لدن الولايات المتحدة. أي أن المشروع الأمريكي كان يتغيأ منذ البدء, أي منذ بسط الدولة الأمريكية لنفوذها على كل تراب "الهنود الحمر", كان يتغيأ, برأي المنظرين الأمريكان, "جذب كل أنام الكوكب إلى مجتمع مثالي، تشكل على الأرض الأمريكية، وتحقيقه أولا بالتسامح، ثم بالقوة عند الاقتضاء، وأخيرا, وهو الأفضل, بالتجارة. إن مهمة أمريكا هي أن تدل بقية العالم على طريق التوبة, والتطهير الكبير والإصلاح الاجتماعي، وتراكم الثروة بشتى الطرق".

 

النظرة كانت إذن, ومنذ البدايات الأولى, نظرة للذات, مركزية, "رسالية", ومن ثمة "استعلائية" تجاه العالم, الذي لا يزال وفق هذا التصور, يعيش في الظلمة. هي بالمحصلة رسالة مصلحتها القومية، وبتحقيق هذه المصلحة, تتحقق الرسالة الأمريكية, بالقيم, بالدين، بالقوة، وبالتجارة، كما لو أننا بإزاء استعادة طبق الأصل للثلاثية الأوروبية, التي ارتكزت في حقب هيمنتها وسيطرتها على العالم: ثلاثية العسكري والتاجر والمبشر. إن الإمبراطوريات, يقول هنري كسينجر, لا تهتم بأن تدير شؤونها في إطار نظام دولي,  إنها تطمح إلى أن تكون هي ذاتها النظام الدولي, بالجملة والتفاصيل.

 

بصلب كل ذلك, أي بصلب سياق القوة الذي اعتمل في الفكر والممارسة الأمريكية منذ أواسط القرن الماضي, خرجت مقولة جديدة, مكملة لذات السياق, بانية له ومؤطرة, مفادها أن القوة الخالصة لوحدها غير كافية لبناء الأمبراطورية, أو ضمان هيمنتها وسيطرتها على العالم. إنها بحاجة إلى "قوة ناعمة" تبررها, تمهد لها, وتفسح لها في المجال, إذا لم يكن لتطويع العالم ودفعه للقبول ب"القيم الأمريكية",  فعلى الأقل لضمان عدم مناهضته لذات القيم, أو السير على النقيض من الدافعين بها.

 

2- من ثمة جاء الكتاب المرجعي, عن "القوة الناعمة: معاني النجاح في السياسات الدولية", الذي حدد فيه الأدميرال جوزيف ناي, مفهوم هذه القوة في كونها: "القدرة على الاستقطاب والإقناع...إذ بما أن القوة الخشنة تكمن في القدرة على الإجبار والإكراه, المتأتية من القوة العسكرية للدولة, أو من تفوق قدراتها الاقتصادية, فإن القوة الناعمة تتأتى من جاذبيتها الثقافية أو السياسية", أو ما سواها.

 

 يقول جوزيف ناي: "إنه, وإن أمكن الوصول للأهداف من خلال القوى الخشنة, من استعمال القوة من قبل القوى الكبرى, إلا أنه قد يشكل خطرا على أهدافها وتطلعاتها الاقتصادية والسياسية, وحتى الثقافية". لذا, فإن الولايات المتحدة "إذا أرادت أن تبقى قوية, فعلى الأمريكيين أن ينتبهوا إلى قوتهم الناعمة". بالتالي, فليس من الضرورة في شيء إجبار الآخرين على التغير, من خلال سبل التهديد والوعيد, أو اللجوء للقوة العسكرية أو الاقتصادية لتركيعهم, ولكن بالإمكان إجبارهم بطرق أخرى, تجعلهم "يريدون ما تريده أنت" بطريقة أخرى, ودونما استفزازهم, أو استعمال الأساليب الخشنة ضدهم, بل باستعمال أساليب رخوة قوامها نشر الأفكار والمعلومات, ودعم قنوات البث الإذاعي والإرسال التلفزي, وترويج سلع وخدمات وبرامج معلوماتية, يكون المبتغى منها زعزعة ثقة الناس في طبيعة النظام القائم, أو تشويه صورة القائمين عليه, أو إغراءهم جميعا ب "مزايا النموذج الملهم", وهكذا.

 

يقول جوزيف ناي: " لقد أضحى من الصعب, في العالم المعاصر, استخدام العصا...إذ القوة العسكرية, على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه, فهي أصبحت صعبة جدا...وأصبحت الحرب أمرا جد مكلف من الناحية المادية...", ناهيك عن المناهضة المتزايدة للحروب واستخدام القوة, من لدن الرأي العام المحلي والعالمي.

لقد ظهرت, بظل العولمة والثورة التكنولوجية, تهديدات وتحديات جديدة كبرى (من قبيل التلوث, والمافيات, والمخدرات والإرهاب, والقرصنة, والصراعات العرقية والإثنية وغيرها), لم تعد حلولها تتساوق مع سياسات إعمال الحلول العسكرية. وبات من المؤكد أن العدد الكبير للسكان, قد يكون موردا كبيرا للدولة, يعطيها زخما سياسيا واقتصاديا وعسكريا, لكنه لم يعد كافيا, إذا لم يكن متضمنا لمصادر الكفاءات والمهارات والكوادر العلمية والإدارية. وإذا لم يكن كذلك, فإنه لا يغدو مصدر قوة, بل مصدر تراجع وتقهقر.

إن المعرفة اليوم أصبحت معيارا مهما, لا بل وأكبر معيار في القوة والتأثير في العلاقات بين الدول والشعوب. والقوة العسكرية والاقتصادية ذاتها, بدأت ترتبط تدريجيا بالتكنولوجيا بمختلف أشكالها وأنواعها وتلاوينها، وأصبحت الصناعات المعرفية، مثل الحواسيب والشبكات والبرامج والتصاميم المعلوماتية والهندسة الوراثية والاتصالات والإعلام وغيرها, هي الأكثر استقطابا لرؤوس الأموال والقوى العاملة.

وبناء على ذلك, فإن جوزيف ناي, يرى أنه لم يحدث منذ روما, أن امتلكت أمة من الأمم مثل هذه القدرة من القوة الاقتصادية، والثقافية، والعسكرية, كالتي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. لكن هذه القوة لا تتيح للولايات المتحدة أن تحل مشاكل عالمية كالإرهاب، والتدهور البيئي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، دون إشراك أمم أخرى.  بالتالي, يقول ناي,  فالقوة الناعمة أفضل بكثير في هذه الحالة, سيما وقد أثبتت التجربة نجاعتها ومدى تأثيرها: ف"الجماهير السوفياتية كانت تشاهد الأفلام, وتتمثل خلفياتها السياسية, وعبرها استطاعت ذات الجماهير, معرفة أن الناس بالغرب لا تقف في طوابير لاقتناء الطعام, ويقيمون في مساكن مستقلة, ولديهم سياراتهم الخاصة" وهكذا.

لا يقلل ناي على الرغم من ذلك, من مركزية وأهمية القوة الخشنة, فهو يعتبرها مازالت "ضرورية وحتمية", سيما بإزاء "الدول القومية التي تسعى للحفاظ على استقلاليتها, وكذا المنظمات والجماعات الإرهابية", التي تتبنى سياسات "استخدام العنف", إلا أنه لا يستحبها في المطلق, بل لا يفضل اللجوء إليها, إلا في حالات خاصة وبنهاية المطاف...أي عندما لا تستطيع أدوات وشعارات القوة الناعمة, إتيان أكلها في الزمن المحدد.

 

3- إن تزايد إخفاقات إدارة بوش الإبن في العديد من الملفات الخارجية (وضمنها العراق وأفغانستان), باعتمادها على القوة الخشنة أو الصلبة, والتي تقوم على القوة العسكرية المباشرة، إنما دفع بالكثيرين للتأكيد على أهمية القوة الناعمة,  كأحد أدوات تحقيق المصلحة القومية الأمريكية, بجانب القوة العسكرية عند الحاجة إليها.

وقد أكد معهد بروكينغز, منذ صيف العام 2008, على "أن تغيرا ما, يجب أن يلحق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة على الصعيد العالمي, في مرحلة ما بعد الرئيس بوش, ينطوي على إنهاء عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية, بتحويل الولايات المتحدة إلى شريك دولي, يمكن الاعتماد عليه, عبر عدة آليات, تندرج جميعها في فئة القوة الناعمة, وأهمها التركيز على جهود حفظ السلام عالميا".

إنه لمن الأهمية بمكان, يقول محررو الدراسة, أن يمنح الرئيس الجديد (باراك أوباما) السلطات الكافية, لإعمال البعد الرمزي, بغرض إعادة الاعتبار لصورة أمريكا بالعالم, وأيضا لتخفيف تكاليف القوة العسكرية التي أنهكتها الحروب والتدخلات هنا وهناك. وعددوا ثلاثة أهداف لذلك: اجتذاب قاطني الدول النامية إلي النموذج الأمريكي, ضمن استراتيجية كسب العقول والقلوب, من خلال مساعدة تلك الدول لتصبح قادرة على الارتقاء بأوضاعها الداخلية اقتصاديا واجتماعيا، ثم دفع تلك الدول لتبني مواقف مؤيدة للولايات المتحدة في المنظمات الدولية, انطلاقا من النتائج الإيجابية للتواصل بين الطرفين, ثم تعزيز التوجهات العالمية للمواطنين الأمريكيين, عبر دفعهم للانخراط في العمليات ذات البعد الإنساني, أو المقدم للأبعاد السلمية في العلاقات الدولية.

إنه مع تولي إدارة جديدة للحكم في الولايات المتحدة منذ يناير العام 2009,  أضحت الأطروحة النظرية للأدميرال ناي, حول ظهور أنماط غير عسكرية للقوة في العلاقات الدولية، أضحت موضع اهتمام عدد كبير من المحللين في الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة بزاوية مدى إمكانية الإفادة منها, في تدعيم مكانة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي. لقد بات الرأي سائدا بأن القوة الخشنة المعتمدة بحالة أفغانستان كما بحالة العراق, إنما كان من شأنها الإضرار بصورة أمريكا, وأن القوة الناعمة التي كانت تبرر لها الاختيار وتشرعن لها السلوك, بل تتواطأ في الإحجام على تمرير ما قد يكون من شأنه إفشال خطط القوة الخشنة مستقبلا, أو إثارة الرأي العام على تجاوزاتها, أو تجاوزات القائمين عليها تصميما وتنفيذا على الأرض, هذه القوة تماهت مع القوة الخشنة لدرجة الاندغام, فأفرزت واقعا عالميا مناهضا لسلوك الأمبراطورية واختياراتها.

بالتالي فالاعتقاد القائم, منذ وصول أوباما للسلطة, إنما العمل على مزج القوتين معا, بزمن السلم كما بزمن الحرب, في إطار ما سماه جوزيف ناي ب"القوة الذكية", التي بنيت على حقيقة أن الخلل كان كامنا في "سوء استخدام" السلطة الناعمة, وعدم القدرة على مزاوجتها بالسلطة الناعمة.

 

إن باراك أوباما يراهن على هذا المزج الذكي بين القوتين الخشنة والناعمة وفق السياق والمستجدات, لكنه لا يستطيع إلا أن يوظفهما لخدمة مفاصل منظومة الأمبراطورية الثابتة: مفاصل السيادة الأمريكية على العالم في كل المجالات, مفاصل تحقيق المصلحة القومية الأمريكية بكل الوسائل, مفاصل تعميم النموذج الأمريكي باعتباره القدوة, مفاصل النظرة الأحادية والاستعلائة للعالم وللتاريخ, والمرتكزة على القومية والدين في صورتهما البدائية, ومفاصل تقسيم العالم إلى مجالات حيوية, ومفاصل تطبيق مبدأ الخيار صفر في العلاقات الدولية، حيث لا شيء قابل للمساومة.

 

إن القوة الخشنة تقتل حقا, لكن القوة الناعمة تقتل أيضا، بل إنها قد تكون, في بعض الأحيان, أخطر وأفتك من القوة الصلبة، على صعيد القتل والنتائج السياسية والاقتصادية، وعلى صعيد عدم القدرة على مواجهتها، حيث مفاعيلها أشد وطأة وتأثيرا.

قد تحتاج أميركا إلى "القوة الناعمة" كأمة، إلا أن السياسيين والعسكريين يحتاجون إلى مادة أكثر قوة, للدفاع عن المصالح القومية الكبرى, أو ما تم اعتماده على أساس كونه كذلك. وعلى هذا الأساس, فإن الجمهور غالبا ما يفضل "القوي المخطئ" على "المسالم المحق", أو, بأخف الأحوال, المتسلط الناعم.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 31 غشت 2009