"العولمة
وما بعد
الفوردية"
إن
الفوردية
كنمط في
التطور
الرأسمالي
ثابت, وكنموذج
له مؤسس,
قد نجحت,
طيلة فترة الثلاثين
الخوالد, فترة
ما بين 1945 و 1975, في
الهيمنة على
نمط في تقسيم
للعمل محدد,
على نظام في
التراكم
مضبوط, وعلى
تمثل في
التنظيم شديد,
احتكمت في صهر
كل ذلك, إلى
إطار وطني
محصور
بالجغرافيا,
متماسك بالعناصر
والمكونات,
ومؤطر بتصور
في الإنتاج والاستهلاك
متشدد.
هذا
النموذج, على
قوته وتماسك
عناصره دخل,
منذ بداية
ثمانينات
القرن الماضي,
بوضعية أزمة خانقة,
حدت من مداه
وقلصت من
جنوحه, وأبانت
بقوة عن تراجع
نجاعته, بسبب
انبعاث نمط في
التراكم جديد,
ارتكز عليه
فاعلو
العولمة
الكبار, لبناء
إطار في الفعل
جديد ومستجد.
هذه
المرحلة لم
تتميز فقط
بتزايد كبير
في حجم التبادلات
الدولية, في
ازدهار
الشركات المتعددة
الجنسيات, في
التدويل
المتزايد
للمسلسلات
الإنتاجية, في
انفجار
الأسواق
المالية, بل وأيضا
بموجة عميقة
من التحولات
الاقتصادية
والاجتماعية,
بدأت تطاول
بقوة وبجدية
مجموعة من التراتبيات
القائمة, سواء
على مستوى
التنظيم الصناعي,
أم على مستوى
استراتيجيات
تموقع
الشركات
الكبرى, أم
على مستوى
الدول
والجهات والأسواق.
بالمنطق
التراكمي
الخالص,
يمكننا
التمييز هنا
بين ثلاثة
أشكال كبرى
للرأسمالية:
الرأسمالية
التجارية,
المرتكزة على
هيمنة
ميكانيزمات
التراكم
التجارية
والمالية
لبداية القرن
السادس عشر
ونهاية القرن
السابع عشر,
والمحتمية بتشريعات
ولوائح
وقوانين
الدولة
الوطنية. ثم الرأسمالية
الصناعية,
المرتكزة على
تراكم رأس
المال المادي,
وعلى الدور
المحرك
للمقاولة
الكبيرة في
الإنتاج
الكثيف للسلع
النمطية. ثم
الرأسمالية
الإدراكية,
المرتكزة على تراكم
الرأسمال
اللامادي, على
توزيع المعارف,
وعلى الدور
الحيوي
لاقتصاد
المعرفة.
إن
التحول
الكبير (تبعا
لتعبير كارل
بولانيي) الذي
طاول
الاقتصاد الرأسمالي,
وحول مضمون
وطبيعة إنتاج
وإعادة إنتاج
القيمة, إنما
بات, بزمن
العولمة
وثورة تكنولوجيا
الإعلام
والاتصال
شاملا
وشموليا, ولم
يعد قطاعيا,
أو ذا تأثير
جزئي أو
جانبي. إنه
يترجم لخروج
الرأسمالية
الصناعية,
المنبثقة عن
المقاولة
الكبيرة
المتمحورة
أساسا حول
العمل المادي
الصرف, لولوج
مرحلة متقدمة,
يكون
الرأسمال
اللامادي من
بين ظهرانيها
هو المحرك
والمحدد
للاستراتيجيات
والسياسات, القصيرة
المدى منها
كما المتوسطة
والبعيدة.
والمقصود
بالرأسمالية
الإدراكية,
بهذا المضمار,
إنما ذاك
النظام
الإنتاجي
الذي يكون
مكمن التراكم
فيه مرتكزا
على المعرفة,
لدرجة تصبح
فيه هذه
الأخيرة
المصدر
الرئيسي
للقيمة,
والفضاء الأساس
لعمليات
التقييم,
تقييم
الموارد المادية,
كما
اللامادية
على حد سواء.
هو
نظام يتميز
عمليا, من
زاوية العرض,
بالمكانة
المتقدمة
للبحث العلمي,
للتطوير,
للتقدم
التقني, للتربية,
لتنقل
المعلومات,
لنظم
الاتصالات,
للإبداع,
للتعلم
التنظيمي,
وللتسيير
الاستراتيجي للمؤسسات.
ويتميز,
بزاوية الطلب,
"بالاستهلاك
الموجه
للتقنية,
خصوصا
التقنيات
الذهنية, تلك
التي تحيل على
القدرات
الإدراكية, من
خلال التفاعل
بين هذه
الأدوات
التقنية:
سمعي/بصري,
حواسيب,
إنترنيت,
أدوات
ترفيه…الخ,
واندماج بعضها
البعض, بفضل
البرمجيات
الرقمية.
هو
نظام لا يتم
التحكم فيه,
كما بالمرحلة
الصناعية, "من
خلال زيادة
التحكم في
أماكن الإنتاج,
أو تنمية
تنظيم
الإنتاج, أو
التحكم في قدرات
إنتاج
متزايدة, من
أجل الإفادة
من اقتصادات
السلم أو
تأثيرات
التجربة. إن
الأمر يتعلق أساسا
بتسيير
المعارف
التقنية,
بضمان تنمية مسلسلات
التعلم,
بابتداع
معارف جديدة,
بالعمل على
بلوغ المعارف
المتوفرة
بالخارج",
وبما سوى ذلك.
هو نظام
يتمركز بصلب
محيط الإنتاج,
ويدمج بداخل
المحيط
الاقتصادي
(التجاري وغير
التجاري), كل
الموارد
المادية
واللامادية التي
كانت خارجة على
نطاقه, أو
المنفلتة من
عقاله.
بالمقابل,
فإن النظام
إياه, لا
يمكنه أن يحقق
غاياته أو
يجذر
لتوجهاته, إذا
لم يتوفر على
مجموعة آليات,
تمكنه من
تصحيح المسار
بانتظام بأفق
ترتيب
الأنشطة, وضبط
العلاقات
والتحكم
بحقوق الملكية,
حيث بات
الإطار
المؤسساتي
غير كاف لضمان
ترتيب هذه
الأخيرة, إما
بسبب وجود
عناصر خارجية
سلبية
المفروض
العمل على
إزاحتها, أو بسبب
توفر عناصر
داخلية
إيجابية
الواجب التقاطها,
وتثمينها
بعملية إنتاج
القيمة: الشركة
هنا لم تعد
مجرد فضاء
لإنتاج السلع
المادية
واللامادية,
بل أضحت مركزا
متقدما
لتقييم حقوق
الملكية بكل
أشكالها, ولا
سيما حقوق
الملكية
الفكرية
المتوفرة.
من
زاوية أخرى,
فعندما حاولت
نظرية
التنظيم ضبط
التحولات
الجارية بصلب
الرأسمالية,
فإنها ميزت
بوضوح وجلاء,
بين أنماط
تنظيم
التراكم
(المؤسس
لانتقال الرأسمالية
من الوضعية
التنافسية
إلى الوضعية الاحتكارية)
وبين الآليات
المؤسساتية
التي تضبط
الأنماط
المصاحبة لها
أو الموازية
لصيرورتها,
سيما نمط
الأجور,
والعلاقة مع
محيط العمل.
فاقترحت
بالتالي, تبعا
لأعمال ميشيل
أغلييتا,
عبارة مابعد
الفوردية,
للتعبير عن
التحول
الجذري الذي
طرأ على ذات
الأنماط,
ابتداء من
ثمانينات
وتسعينات القرن
الماضي, وإلى
حين بداية
الألفية
الجديدة.
إن
تطور أنماط
الاستهلاك,
واشتداد
المنافسة, وتطور
استراتيجيات
الإبداع,
وتزايد
الجنوح بجهة
الإصلاحات
المالية
الجذرية إنما
تشكل مجتمعة,
بالنسبة
لنظرية
التنظيم,
تقويضا
جوهريا
وحقيقيا
للفوردية, سيما
بظل التراجع
التدريجي
لمنسوب
الإنتاجية,
واضطراب
الأسواق,
وتقلص العمر
الافتراضي للمنتوجات,
وتزايد شكوك
ومخاوف
الشركات, واهتزاز
الثقة في
تحالفاتها
القائمة,
لدرجة تبرمها
عنها لفائدة
تحالفات
جديدة, أقوى
وأنجع.
من
الطبيعي, تقول
مدرسة
التنظيم, أن
نغدو بمحصلة
كل ذلك, بإزاء
شركات شاملة
وشمولية,
عبارة عن
شبكات مترابطة
ومتفاعلة,
تعمل بقوة على
تنويع استراتيجياتها
بالشكل كما
بالمضمون.
إنها شركات
باتت تترك
استراتيجيات
الاندماج العمودية,
لفائدة شبكات
إنتاجية
عابرة للتراب,
أفقية البنى,
أكثر تناسقية,
وذات طبيعة
شبه احتكارية
عالمية, فضلا
عن ذلك.
من
ثمة, فإن هناك
منطقان
متمايزان,
وإلى حد ما
متنافران,
سيترتبان على
ذلك, وسيحكمان
لا محالة
تحولات الرأسمالية
بالمدى
المنظور:
°-
المنطق
المرتكز على
توظيف ما تبقى
من مرونة الفوردية,
في أفق
استنبات نمط
في الفوردية
جديد, حيث
المطلوب "رفع
بعض إكراهات
النمط الأجري,
بالارتكاز
على إعادات
تنظيم بنيوية,
والدفع بمبدأ
المرونة, وفق
منطق قريب من
الفوردية,
لكنه يطمح إلى
تقليص تكاليف
الإنتاج". وهذا
المنطق هو
منطق الشركات
الضخمة, التي
تعمد
باستمرار إلى
حسم المفاضلة
بين
استراتيجية
التصدير
والاستثمار
الأجنبي
المباشر, بالاحتكام
إليه.
°-
المنطق
الثاني, منطق
ما بعد
الفوردية,
ويحيل صوبا
على منطق
التوزيع
الإدراكي
للعمل. المقاولات
بموجب ذلك, لا
تحاول محورة
منافستها
بالاحتكام
إلى التطورات
التقنية
والطبيعة
التراكمية
التي تميزها,
بغرض تخفيض
تكاليف
الإنتاج, بل
وتعمل أيضا
على وضع مسلسل
للتكوين
الفردي
والتنظيمي, يضمن
لها المرونة
في الحركة
والفعل. هذا
النموذج هو
نموذج
"الشركات
الإدراكية"
الكبرى, التي
تبني أرباحها
بالاحتكام
إلى ما تراهن
عليه من
استثمار في
"حجم"
الرأسمال الإدراكي,
بالارتكاز
على قدرتها
الإبداعية, وبالبناء
على
الاحتكارات
المؤقتة التي
توفرها لها
ذات الوضعية.
إن
التخصصات
الجغرافية
الناشئة,
المرتكزة أساسا
على الأنشطة
العلمية والتكنولوجية
والاقتصادية,
وعلى مزاوجة
المنطق الما
بعد الفوردي
بالمنطق
الفوردي الجديد,
إنما تعمل
بقوة بجهة
إعادة هيكلة
فضاء الشركات,
على أسس غير
معهودة من ذي
قبل. ولعل
النموذج
الأبرز في ذلك
هو نموذج
إنتاج
الطائرة أ. 380 التي
نقلت عملية
الإنتاج
بداخل الدول
المنخفضة
الأجور
والتكاليف
بأوروبا
الشرقية والوسطى,
بينما أبقت
على المقر
الأصل بمدينة تولوز
الفرنسية, حيث
القطب
الإدراكي لا
يزال أكثر
استقطابا
لنشاطات
الشركات الأجنبية
الكبرى, سيما
الشركات
الأمريكية
والبريطانية.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
25 يناير 2010