" محنة التلفزة بالمغرب " ليحيى اليحياوي

 

          منشورات عكاظ – الرباط -  دجنبر  1999

                    تقديم :  محمد الساسي

 

 

 

 

 

في عصر ثورة وسائط الاتصال ونظم المعلوميات وسيادة الصورة, نحس في المغرب كما لو أننا نعيش عهد ما قبل التلفزة.

فالأمر عندنا يتعلق بتلفزة سلطة تفكر نيابة عنا جميعا وتركب لغة تبشيرية ودفاعية ضد أعداء مفترضين.

 إنها تلفزة الخوف, حيث تصبح الديموقراطية وحرية الرأي خطرا, وحيث تنتصب الخطوط الحمراء, وحيث الولاء يمثل بديلا عن الإبداع.

وهي تلفزة التعليمات طبقا لمنطق يرى أن الحقوق لايتم تشغيلها إلا بإذن, وأن السلطة مصدر لكل المبادرات.

وهي تلفزة التطمين لأن الأخبار السيئة دليل شؤم سياسي.

وهي تلفزة تحتقر المهنية بتحويل كل أنشطة السلطة الاعتيادية إلى "أخبار" مرتبة في الصدارة.

وهي أداة سياسية بامتياز وامتداد لأجهزة الإكراه.

وهي مرجع مثالي في تحرير نصوص إنشاء ركيك, باهت الملامح, عديم الدقة, حافل بالحشو والأكليشيهات المعادة, يمكن أن يكتب قبل حدوث موضوعه.

والتلفزة المغربية فضاء إداري سلطوي, مركزي ومغلق يسحق الهامش الضروري للحوار والحرية المطلوب في كل عمل تلفزي, فكيف يتلقى كاتب السيناريو أو مبدع الأغنية أو واضع الموسيقى أوامر إدارية تطال مضمون ما يصدر عنه؟

 

والتلفزة المغربية لا تحفز على العطاء, ولا تستثمر في مجالات فنية أساسية, ولا تحمل هم الدراسة والبحث في الموسيقى والتراث والفنون الوطنية, وتعتبر ربما أن المغنية الجيدة هي الأجمل وجها فقط.  وما تسميه إنتاجا وطنيا هو ركام من الاستجوابات والبرامج الخفيفة بدون أي مجهود خاص للدراسة والاستطلاع وبدون مشاريع تعاون مع مؤسسات ثقافية وعلمية.

 

والتلفزة المغربية لا تحتفي بالصورة ولا تفجر منابع الجمالية المتوفرة. فالفرجة الدرامية أشبه أحيانا ببروفات للمبتدئين. والكاميرا تتحرك كما لو أن ليس وراءها مخرج. والديكور نمطي, ووقائع النص لا علاقة لها بالمعيش في الكثير من الأحيان.

 

وإن صدور كتاب لمقاربة حال التلفزة المغربية لا يستمد أهميته فقط من راهنية الأزمة واستمرارها في ظل تحولات سياسية, تم تقديمها على أنها واعدة بالجديد, بل يستمدها أيضا من انتشار ظاهرة إعراض الناس عن تلفزة بلدهم, ومن الحاجة إلى كتابات وافية تتجاوز التعليقات اليومية إلى النظرة الشمولية, ومن ضرورة إبراز مفارقات خطاب رسمي يرفع لواء الليبرالية والتحديث.

 

وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا:

 

- يقارب الأخ يحيى اليحياوي "أزمة التلفزة المغربية" بوصفها تشخيصا لمحنة مركبة, هي محنة الحرية ومحنة الحق في الإعلام أمام إرادة التحكم والوصاية, وباعتبارها قضية سياسية تترجم غياب الديموقراطية وتعكس نزعة التفرد بالقرار واستبعاد قيم المواطنة والتزاماتها.

 

كما أن الأزمة لها وجه ثقافي يمثله واقع الجمود والسكون عوض الحركة والحيوية, وواقع الإقصاء عوض الاختلاف والغنى والتنوع, وواقع الاجترار عوض الإبداع, وواقع النقل عوض العقل.

 إنها أزمة لا تملك حكومة "التناوب", ووزيرها في الاتصال, القدرة الذاتية على " فك عقدتها".  وهي أزمة تؤكدها احتجاجات العاملين بالتلفزة المتزايدة وهجراتهم إلى وجهات مختلفة.

 

وأزمة التلفزة تعود بجذورها إلى أسئلة التأسيس وهاجس استعمال الجهاز التلفزي في وظيفة تمكين الدولة من السيادة والهيمنة أساسا وإحكام سيطرتها.  حيث جرى تقسيم المجال الإعلامي إلى رقعتين, رقعة الجرائد وتمارس الأحزاب حق ارتقاق عليها في ظل سلطة الرقابة والحد, ورقعة التلفزة كمجال للسلطة تمارس فيه نفوذا غير مطروح للمنازعة أو المشاركة أو التقدير, وتعتبر أن السماح بغير ذلك هو مس بهيبة الدولة, وتتولى التعاطي مع الشأن التلفزي بنفس الصيغ القارة منذ الاستقلال, وهي الصيغ التي تعارض الانفتاح والتطور وتكتفي باستعمال التلفزة كأداة لتسويغ الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة والتعتيم على اختلالاتها.

 

ورغم الزعم بإدراك أهمية تيارات العولمة وثورة الاتصالات والتسويق الواسع للمعرفة والخبر, فإن السلطة لم تحد عن منطق الاستخدام المباشر والبدائي للتلفزة كأداة سياسية بامتياز, هاجسها تركيز دورها الاحتكاري كمالك مؤسسة لا تعنيه مجريات السوق, ولا يحركه رهان التجويد والمنافسة,  ولكنه لا يتصرف أيضا بوحي من نزعة "المرفق العام" الذي يستجيب لحاجات عمومية بدون اكتراث بحساب الربح والخسارة التجاريين, إذ أن تلفزتنا ليست تلفزة عمومية لكل قضايا المجتمع الحقيقية, وحتى عندما يسجل الناس بعض ما يعتبرونه إيجابيات لحساب القناة الثانية, فإنهم يفعلون ذلك متأثرين بما تقدمه المقارنة مع المستوى الواطئ للقناة الثانية.

 

ولم يؤثر مسار التساكن السياسي في الجهاز الحكومي وتنصيب عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول في تغيير وظائف التلفزة ومنطلقاتها وطقوسها, فظل لها نفس أولئك الذين تعتبرهم مناوئين وتقصيهم, وظلت ترفض لعب أي دور حيادي, وتتشبث بموقعها في الصراع السياسي, ونالت الحكومة نفسها حظها من الاستعداء والحذر والتحفظ, ولم يظهر أن رياح "التغيير" تمس القطاع التلفزي, بل ظل الواقع مشدودا إلى تقاليده الراسخة, ولم يجد أنصار الترتيبات السياسية الجديدة بدا من الاعتراف بالحاجة إلى قرار أعلى لحسم القضية التلفزية, وبأن آلية التناوب ليس بوسعها أن تنتج واقعا جديدا.

 

- ويتناول يحيى اليحياوي فضلا عن ذلك, حقل التلفزة في علاقته مع جملة من المفاهيم والقضايا الكبرى, فيستعرض أربعا من القضايا التي يعتبر أن "المؤسسة التلفزية بالمغرب لم تتمكن من حسمها ولن يكون لها أن تنهض وتتقدم دون حسم إشكالها, أو على الأقل توضيح الرؤية بشأنها".

 

ويركز في شأن "القضية التكنولوجية" على أنها لا تعني فقط الأعتدة والتجهيزات بل أساسا مضامين ما ينتج ويقدم.  كما يركز بصدد "القضية الإعلامية" على الطبيعة المبهمة لقواعد اللعبة, ويتساءل عما إذا كان المجلس الأعلى للإعلام المرتقب أداة تقنين أم أداة تنظيم, بينما يولي للإشكاليتين "الديموقراطية" و"الثقافية" حيزا أوفر من التحليل والدراسة.

 

يعتبر الأخ يحيى اليحياوي أن التلفزة قد استعملت كوسيلة إعاقة الديموقراطية, في مرحلة أرادت الدولة فيها أن تضمن استقرارها وتفوقها على الفاعلين الآخرين, وبعد أن تأتى لها ذلك, لم تنتقل إلى مرحلة "جديدة", وظل السؤال الديموقراطي معلقا ومؤجلا مع كل ما يحمله من قيم التعددية وحرية التعبير والحق في الإعلام والاتصال, واستمرت التلفزة مشدودة إلى ألفة عميقة مع طقوس الماضي الذي يجعل منها فضاء خاصا مغلقا ومقيدا بالأصفاد والأغلال.

 

لقد تم تقييد الحرية التي هي روح العمل التلفزي والتي تجعل منه سلطة رابعة, واستبعدت الوظيفة النقدية, ووقع تهميش الكفاءات ذات الرأي المخالف وقبول الرداءة اعتمادا على الولاء, وتم التستر على الفضائح والاختلالات العامة وأعراض الأزمة, وسيطرة أجهزة الإكراه وساد منطقها الأمني.

 ورغم تعدد مشاريع "الإصلاح" فلم تنبثق قواعد عمل جديدة.

وبسبب تعدد وتواتر حالات المنع فلم تعد للنصوص الكافلة للحرية أية قيمة, وغدت محتجزة في دهاليز نظرية المؤامرة السيئة الذكر, واستسلمت كثير من الأطر النزيهة لقدرها في انتظار الفرج.

 

وبصدد العلاقة مع مفهوم المواطنة, فإن الكتاب يذكرنا أننا لا نتوفر على تلفزة تحترم مواطنتها وانتماءها الوطني, فهي تلفزة الرأي الواحد وتلفزة الإقصاء والعنف الرمزي, وتلفزة بلا ملامح وطنية, ولا أدل على ذلك من سيطرة لغة أجنبية عليها.

 

وبخصوص العلاقة مع الثقافة, يؤكد الكاتب أن هذه الأخيرة هي "آخر المفكر فيه", وأن الحقل التلفزي المغربي لا يمثل نقطة جذب للوجوه الثقافية, وأنه يعيش على خلاف دائم مع الهم الثقافي, فلا ينشغل برفع المستوى الثقافي للمشاهدين.

 

أما فيما يتصل بعلاقة التلفزة المغربية مع مفهوم الرأي العام, فما دام تدبير الشأن السياسي ليس انعكاسا وترجمة لإرادة عامة موثقة ومعبر عنها انتخابيا, فإن التلفزة لا تتصرف بمنطق أن للرأي العام عليها حقوقا والتزامات وتبعات, بل تتصرف بتعال وبروح وصائية.

 

- ويتناول الأخ يحيى اليحياوي جوانب أساسية من الإنتاج التلفزي, فيؤاخذ على هذا الأخير  مثلا تهميش اللغات واللهجات المحلية وتسييد اللغة الفرنسية وقبول توزيع لغوي للأدوار, يجعل اللغة الفرنسية كرمز لكل ما هو علمي وحداثي واللغة العربية تظهر كرمز لغير ذلك, واللهجات تظهر في إطار صورة يحركها اعتبار سياسي وآخر "سياحي".

 

وبالنظر إلى كون التلفزة صانعة للحاجة, وأداة تقديم السلع وخلق التحفيز الاستهلاكي (المعطى الإشهاري) يلاحظ الكاتب أن تلفزتنا تقدم صورة مخالفة للواقع, إذ تتوجه إلى جيوب فارغة فتشرعن الوهم.

 

وعن حركة المتابعة النقدية للإنتاج التلفزي عندنا, يسجل الكتاب ظاهرة تماثل النصوص, ربما لأنها تطال واقعا ساكنا لم يعرف التطور, ويسجل أيضا افتقادها للعمق, والقصور في دراسة العوامل الاستراتيجية المنتجة للتخلف التلفزي ذات الصلة باختيارات الدولة ورهاناتها, كما يرى أن النقد التلفزي يسقط أحيانا صريع الضعف المنهجي والرؤية المغرقة في الذاتية ومحدودية التأثير.

وحيث أن الصحون اللاقطة قد تشكل مرجعا لمساءلة الإنتاج التلفزي عندنا, وحيث أنها تتيح ل"العامة" فرصة تتبع المستجدات, وتسقط رهانات من يريدون حجب جزء من صورة كونية عالمية, فإنها تمثل مصدر خوف لدى جزء من النخبة, ومع ذلك فإن القنوات العربية قد تمنح التخلف التلفزي المغربي بعض المشروعية.

 

- ويستشرف الأخ يحيى اليحياوي "المستقبل" ممهدا لذلك بطرح سؤال جوهري: عن طبيعة التلفزة التي نريد؟ هل يتحدد فيها "الممكن" على ضوء قيود الواقع وسمة التخلف العام الساكن فينا والمتعدد الأبعاد, أم يتحدد وفقا لإيقاع الوظائف الموضوعية وسعة فضاء العصر؟ أو بعبارة أخرى, هل نساير وتيرة الواقع أم وتيرة المأمول؟

 

إننا نريد سلطة التلفزة وليس تلفزة السلطة, تلفزة تستند إلى منطق القانون وتخدم التواصل العمودي وتحتكم إلى المشاهدين وليس إلى مراكز القرار.

إننا نريد تلفزة تمنحنا دربة التمرين الديموقراطي وتساهم في تنوير وخلخلة بنيات التخلف وتواكب تحولات العالم وتحوز سلطة الاعتراف بها كفضاء مستقل.

 

وعلى العموم, فنحن أمام كتاب يصل ما بين قضايا نظرية وأخرى تقنية وعملية, وما بين معطيات عالمية ومعطيات محلية برباط تحليل مركز وواضح المعالم والمفاصل, يمتاز بتعدد القضايا المثارة وبعمق النفس النقدي ويساهم في التأسيس لكتابة جديدة في هذا المجال.

 

 

محمد الساسي

أستاذ بجامعة محمد الخامس

الرباط, نونبر 1999

 

 

 

مواد الكتاب

 

 

 

تقديم

 

في المسألة الإعلامية بالمغرب: حالة التلفزة

 

في إشكالية التلفزة بالمغرب

 

هل التلفزة بالمغرب مرفق عمومي؟

 

هل لنا التلفزة التي نستحق؟

 

التلفزة المغربية في محك طفرة البث الفضائي

 

التلفزة بالمغرب: أهي نخبوية أم جماهيرية؟

 

في التلفزة والسياسة بالمغرب

 

التناوب والتلفزة بالمغرب

 

عن تلفزة السلطة وسلطة التلفزة بالمغرب

 

في التلفزة والمواطنة بالمغرب

 

التلفزة والرأي العام في المغرب

 

التلفزة والحرية بالمغرب

 

عن إشكالية المنع بالتلفزة في المغرب

 

"إعاقة الديموقراطية" أو في ظاهرة التلفزة بالمغرب

 

في المسألة الثقافية بالتلفزة في المغرب

 

في إشكالية اللغة بالتلفزة في المغرب

 

إيديولوجيا الاستهلاك بالتلفزة في المغرب

 

عن النقد التلفزي بالمغرب

 

محنة التلفزة بالمغرب

 

هل من مشروع تلفزي لمغرب القرن الحادي والعشرين؟

 

مواد الكتاب