"عولمة العولمة"، للبروفيسور المهدي المنجرة

 

منشورات الزمن، الرباط، شتنبر 2000

تقديم : يحيى اليحياوي

 

من النادر أن يجد المرء للدكتور المهدي المنجرة كتابات أو محاضرات يستخدم فيها مصطلح العولمة أو يوظف مفهومها لمقاربة العلاقات الدولية، إذ غالبا ما يتحفظ من المبالغة السيميائية التي أصبح المصطلح عرضة لها من لدن المتبنين لها وحتى من قبل مناهضيها.

 

والواقع أن المهدي المنجرة في كتابه هذا، وفي سواه من أبحاثه، لا يرتاح إلى المصطلح إياه ولا يستسيغه، ليس لأن للرجل منظومته الفكرية المستقلة وفضاءه السيميائي الخاص، ولكن لأنه مقتنع بأن هذا المنظور المرتكز على قراءة تطور علاقات الشمال بالجنوب على خلفية من مصطلح العولمة لا ينصهر ( ولا يمكنه أن ينصهر) في التصور الذي قضى جزءا كبيرا من حياته متشبثا به، مدافعا عنه ومقدما له على غيره من التصورات.

 

فظاهرة العولمة، من وجهة نظر المهدي المنجرة، إنما هي، بصرف النظر عن كل المقاربات والتأويلات، مرحلة من مراحل الاستعمار الجديد الذي تعمل القوى الكبرى (وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية كقوة كبرى) على التأسيس والترويج لها ليس فقط على مستوى الممارسة والتطبيق ولكن أيضا على مستوى الثقافة والفكر.

 

إن العولمة القائمة، في نظر المنجرة، هي فرض لنمط معين من القيم من لدن دول الشمال على دول الجنوب، بتزكية ومباركة من أنظمة وحكومات هذه الأخيرة، وكذا بواسطة أقلام مرتزقة رهنت فكرها وتحليلها لفائدة حكام متواطئين، في مرحلة ما بعد الاستعمار، مع مستعمريهم القدامى.

 

والتحليل أعلاه لا يطال حكام العالم الثالث ونخبه المثقفة فحسب، بل ويتعداهم إلى حكام العالم العربي والإسلامي ومثقفيه، لكونهم لم يتكفلوا بخلق وضمان سبل المناعة ضد الاستهداف الثقافي والحضاري الذي كانت أممهم وشعوبهم وما تزال هدفه ومادته لزمن طويل.

 

لا ينتفض المهدي المنجرة، وهو السابر لأغوار العلاقات الدولية والعارف بمعظم تفاصيلها، لا ينتفض ضد العولمة كظاهرة استعمارية جديدة فحسب، بل وأيضا كتوظيف لغوي يحرم الدول والشعوب من حقها في اختيار مصطلحاتها ومفاهيمها ومفرداتها للتعبير عن واقعها وآمالها في التحرر والاستقلال والكرامة.

 

إن رفض المؤلف لظاهرة العولمة السائدة إنما هو، وبامتياز، رفض لحمولتها الاستعمارية الجديدة، لبعدها الاقتصادوي الإقصائي، لمحتواها الفكري المتمركز حول المنظومة الغربية ذات المرجعية المسيحية-اليهودية، لتطلعها إلى صهر كل ثقافات العالم في المهيمنة منها، لتكريسها لقوة النار والحديد (كما في العراق وغيره)، ولرفضها لمبدأي التعدد والتنوع اللذين لا مستقبل للبشرية بدونهما.

 

هو إذن "الفكر الواحد" الذي لم يتوان الكاتب يوما عن كشفه، عن التنديد به، عن تعرية خلفيته وعن فضح قواه وقوى النخب التي تتبناه وتلقى مصلحة في إشاعته وترويجه.

 

من هنا، ولأكثر من مبرر، يجد طرح "عولمة العولمة" عمقه الحقيقي وجوهره الأسمى.

فعولمة العولمة المقصودة في هذا المقام لا تعني فقط إعادة الاعتبار للحمولة السيميائية التي من الواجب أن يعبر عنها المصطلح، ولكن أيضا ضرورة بناء مضامينه من جديد قصد تضمينها القيم الثقافية والحضارية التي من المفروض أن تحكم أنساق القيم ومنظومة القانون الدولي، عوض انبنائها على " لبرلة سياسة القوة" و"خوصصة" العلاقات بين الدول والشعوب والثقافات.

 

فالوجود التاريخي والحضاري، كما يقول الكاتب، "لا يقوم إلا على مبدأ التعدد: فالشمال لا يمكنه أن يستمر في الحياة بتحقيق تواصل بالآلات والبضائع والكلام السياسي الفارغ، وإنما يجب أن ينخرط في مشروع تواصل ثقافي وحضاري مبني على احترام القيم الإنسانية وعلى مبدأ التعدد الحضاري والثقافي".

 

يحيى اليحياوي

الرباط، غشت 2000