"حوار التواصل :  من أجل مجتمع معرفي عادل"

 للبروفيسور المهدي المنجرة

 

دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، 2000

تقديم : يحيى اليحياوي

 

 

أن يقدم الأستاذ المهدي المنجرة على مبادرة إعادة إخراج "مجمله في التواصل"، في طبعة سادسة مزيدة ومكملة، قد لا يعني شيئا آخر، من وجهة نظر ما، غير أن الكتاب قد لقي رواجا جماهيريا كبيرا وإقبالا من لدن القراء ندر مثيله في المغرب.

وقد لا يعني هذا النجاح، من وجهة نظر أخرى، سوى أن لصاحب الكتاب مكانته وهيبته الفكرية والعلمية شفعت ل"مجمله" هذا كما شفعت من ذي قبل ل "الحرب الحضارية الأولى" ولسواهما.

 

هما الأمران معا وإلى حد بعيد في اعتقادي:

فبقدر " النجاح الجماهيري" الكبير الذي صادف "حوار التواصل" بقدر هيبة صاحبه العلمية وجلده الفكري وتعدد مصادر الإلهام لديه.

وهما الأمران معا وأكثر كوننا لم نعد، في حالة المهدي المنجرة، بازاء شخص ذاتي أو عادي، بقدر ما أصبحنا إزاء "مؤسسة علمية" لأتباعها تواجد عالمي كبير ولجائزتها (جائزة التواصل الحضاري شمال/جنوب) صدى عالميا واسعا.

 

"حوار التواصل" في طبعته السادسة هاته إنما هو الدليل الإضافي، بصرف النظر عن كل التأويلات، على أن أزمة القراءة بالمغرب ليست من أزمة القراء بالأساس (وإن كانت من أميتهم وجهلهم) بقدر ما هي من ضعف المادة المعروضة للقراءة وهشاشتها، من ترفع أصحابها عن القارئ، من استغفالهم له ومن تشكيكه في طويتهم ونواياهم.

 

طبعة "حوار التواصل" السادسة هي إذن، وبكل المقاييس، تحد بنيوي صارخ لكل طرق الكتابة التي لا ترتكن إلى التواصل كقيمة وإلى الحوار كفلسفة: تحد لتلك الكتابة التي تتعامل مع القارئ لا كمواطن يستشف الجدية والصدق، بل كمستهلك تقاس مقتنياته من المواد الثقافية بالاحتكام إلى قدرته الشرائية ويبرر انصرافه عن القراءة بانغماسه في هموم المعيش اليومي.

 

لست أدري بالضبط متى تعرفت على الأستاذ المهدي المنجرة ولا متى صادفت كتاباته للمرة الأولى، فأنا مذ وعيت وأنا أسمع عنه وأقرأ له لدرجة يخال لي معها أنه لو لم يكن بين ظهرانينا لكان لنا أن نبتدعه وننسج على منواله.

ثم أنني لم أكن أدري بحق أن للرجل وزنه العلمي العالمي القوي وحضوره الأكاديمي عبر الوطني المتميز إلا حينما استشهد به الأستاذ "برنار ليير" (في إحدى محاضراته عن اقتصاد الاتصال بالمدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات بباريس حيث كنت أتابع دراستي أواخر الثمانينات) وحينما خاطبني في الاستراحة زميل لي أجنبي: " درس اليوم كان منكم وإليكم". أحسست حينها كم بخسنا الرجل قدره و " كم هو جميل أن نعترف بما يحق للآخرين".

 

وعلى هذا الأساس، فأنا لست متأكدا تماما بأن سر بريق الرجل آت من كونه جال كثيرا بدهاليز المنظمات الدولية وخبر خباياها بدقة وبلغ بداخلها أسمى المناصب، بقدر ما أنا متيقن بأن السر الحقيقي إنما يكمن في مشروعه العلمي والفكري الواسع الذي كان وراء انسحابه من المنظمات إياها والتنديد بمواقفها في قضايا الحاضر والمستقبل.

 

لم يكن مبرر انسحاب الرجل نابعا فقط من انحياز هذه المنظمات للدول الكبرى وتعاطفها الصارخ معها، ولكن أيضا وبالأساس كونها انصهرت في نموذج " الفكرالواحد" الذي لا يعير حق الاختلاف وتميز القيم كبير اعتبار، ولا يعترف للشعوب الأخرى بحقها في التنمية، بحقها في التقدم، بحقها في العيش وبحقها في الحلم.

 

ليس من الهين في شيء أن يكرس أحد حياته للدفاع عن الحق في الاختلاف كقيمة، والحق في التنوع كبديهة بيولوجية لو لم يكن من طينة رجل كالمهدي المنجرة اندغمت بداخله صلابة المبدأ والفكر وانصهرت في صلبه خاصية الصدق في الموقف والجرأة في التعبير.

 

لهذا السبب (ولغيره ربما) كان الرجل ولا يزال (وسيبقى دون أدنى شك) مثار جدل ومحط سوء فهم وتأويل.

هناك، فيما أتصور، ثلاث قضايا كبرى كان للرجل بازائها جرأة الموقف، وكان لغيره بشأنها سوء الفهم وتضارب التأويل:

 

- القضية الأولى تمثلت في قوله (قبل سنوات قليلة) بأن الأغلبية الساحقة من الصحفيين بالمغرب يعملون بوزارة الداخلية.

لم يكن المنجرة يقصد بأن لهؤلاء مكاتب بالوزارة إياها ولا هم عين من عيونها، بقدر ما كان يهدف إلى تبيان أنه ما دامت معظم المرافق الصحفية بالمغرب هي تابع من أتباع الداخلية و"مهيات" الصحفيين تتأتى من هذه الوزارة، فإن المنطق يربطهم وظيفيا بهذه المؤسسة سواء ارتضوا ذلك أم لم يرتضوه.

لم يكن حجم" التنديد" بهذا الموقف مبررا بقدر مبرر غيرة الرجل على مهنة الصحافة والصحفيين، وهو الذي كان ولا يزال ضحية وسائل الإعلام المسموع منها والمرئي سواء بسواء.

 

- القضية الثانية تكمن فيما اعتبره الرجل إهانة لكرامته جراء منعه بجامعة فاس وهجرته القسرية إلى اليابان، واعتبره البعض تفريطا من لدن الأستاذ في رسالة للمغاربة الحق فيها قبل اليابانيين.

 

لم أعتقد يوما أن في هذا الموقف تفريطا أو "تطرفا" أو حبا في إثارة الزوبعة: فبين المغرب وقلب هذا الرجل أكثر من الهيام وبين الجامعة وقلبه أكثر من الحب.

 

لكن، كيف له (ولغيره من الصادقين القلائل في زماننا) أن يتجرع مرارة المنع بمؤسسة (مؤسسة الجامعة) كان الرجل من أوائل ومن أصغر من التحق بها تدريسا وتأطيرا وبحثا؟

وكيف له أن يقبل بمنع إداري للحديث في فضاء أفنى عمره دفاعا عن استقلاليته وكرامته؟

 

"ثورة" المنجرة على واقع الجامعة هي إذن (عكس ما روج له) دفاع عن كرامتها لا تفريط من لدنه في رسالتها أو انصراف من طرفه عن همومها حتى وإن كان لا يزال يرفض ولوج مدرجاتها.

 

- القضية الثالثة هي المتمثلة في قوله (بصدد هجرة الأدمغة): "أبقوا حيثما تستطيعون العطاء".

بشأن هذه (كما بشأن غيرها) أستطيع الجزم أن الرجل لم يكن يوما من مشجعي الهجرة، هجرة الأدمغة، ولا مطالبا فقط بضرورة تكوين دياسبورا علمية بدول الشمال تكون حاملة لمنظومات قيمها الثقافية وتدافع (بعين المكان) عن مرجعيتها الخاصة وهويتها المتميزة، ولكأني به يبعث برسالة واضحة إلى النخب الحاكمة بدول العالم الثالث ليبين عجزها في استغلال هذه الأدمغة، عبر تهميشها لقيم البحث العلمي والتطور التكنولوجي جراء جهلها بتصاعد وتيرة مجتمع العلم والمعرفة.

 

لو جاز لي أن أختزل المشروع الفكري للأستاذ المهدي المنجرة من خلال هذا الكتاب الشيق (الذي أرجو أن توضع نصوصه في سياق فترة كتابتها) لاختزلته دونما قليل مجازفة في بعد واحد، هو البعد الاستشرافي الذي يطبع كتابات الرجل، يضمن لها سبل الانفتاح ويؤسس لها القاعدة والمرجعية:

 

- فهو لا ينادي فقط بضرورة تفتح الثقافات على بعضها البعض، بل يرهن هذا التفتح بمدى قابلية هذه الثقافات على التواصل دونما استكبار ومدى القبول ببعضها البعض دونما تجبر.

 

- وهو عندما يطالب بأولوية البحث العلمي والتطور التكنولوجي (سيما في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال) فلأنه واع بأن نقل التكنولوجيا والمعارف التقنية غير ممكن حتى وإن كان عقلانيا.

 

- وهو عندما وضع فكره ورؤيته للأمور بشبكة الانترنيت فلأنه مقتنع بأن الشبكة إياها هي إحدى سبل التواصل والتحاور وتنقل الأفكار والمعرفة.

أو لم يكن الرجل من واضعي تصريح تارودانت للمعلوماتية بداية الثمانينات (نونبر 1982 بالتحديد) وصاحب مقولة: إن الانترنيت لن يعطي لبلد ما إلا بالقدر الذي يمكن لهذا البلد أن يعطيه للانترنيت؟

 

ثم هو، فضلا عن كل هذا وذاك، من مناهضي العولمة الكبار، ليس فقط كونها تجسد لأشكال جديدة من الاستعمار (استعمار "السلطة الناعمة" التي تستهدف العقول والضمائر) ولا لكونها تدفع بمنطق "الفكر الواحد والوحيد"، فكر الشركات الكبرى والدول المتقدمة، ولكن أيضا لأنه يرى فيها أكبر سبل الممانعة والإقصاء والتهميش للدول والشعوب والثقافات الأخرى: لأنها تقتل الحق في الحلم، تقتل الحق في التميز... تقتل القيمة الجوهرية ل"حوار التواصل".

  

يحيى اليحياوي

الرباط، 12 يونيو 2000