من مسلمة أن التلفزة بالمغرب (القناة الأولى أعني) لا تحتكم إلى أولوية في التصور ولا إلى الاستراتيجية في البرمجة، تتأتى المساءلة: إذا لم تكن لا الأولوية إياها و لا الاستراتيجية تلك هي المحك بداية المطاف ونهايته، فما تراه المحك الحقيقي الذي ترتكن إليه لقياس أدائها وتقييم "عطائها"؟
ليس من العسير تجميع عناصر الجواب لو استحضرنا معطى موضوعيا ثابتا لا مجال لاستمرار التحايل عليه أو تجنبه أو تجاهله: معطى أن التلفزة بالمغرب كانت و لا تزال جزءا من جهاز لا جهازا قائما بذاته. أعني جزءا من بنية لها تصور عام (يدخل في إطاره "الجهاز" التلفزي) لا بنية قائمة تشتغل وفق تصورها الخاص أو على الأقل على خلفية من تطلعها للاستقلالية عن البنية العامة إياها.
هذه البنية الفوقية الضاغطة والمهيمنة على "المجال" التلفزي (وعلى سواه من مجالات) هي التي جعلت من التلفزة جزءا من سيادة لا تتجزأ...بالتالي لا سيادة لها تذكر ضمن المنظومة القائمة.
ما ذا يعني أن تشتغل التلفزة وفق مبدأ الأولوية في الأخبار مثلا وهي التي تهمنا في المقام الأول هنا؟
معناه أمران اثنان على الأقل:
+ الأول ويتعلق بتقديم الخبر المركزي على سواه من أخبار ليس فقط من الناحية الإخبارية الخالصة (مصحوبا بقراءة تعليق) ولكن بالأساس من ناحية تأطير ذات الخبر تغطية بعين المكان وتعميقا لملابسات وظروف "الواقعة" وتخصيص مجال للمتخصصين يشرحون للمتلقي صيرورة الحدث وسياقه العام.
+ الثاني ويرتبط (من الناحية العملية بالخصوص) ببديهية تقديم الجماعة على الفرد والحدث ذي البعد العمومي على الذي من شأنه أن يطال الندوات الخاصة حتى وإن كان لهذه الذوات حضور عمومي مميز.
الحاصل بالتلفزة في المغرب، أننا بازاء تراتبية (تاريخية) هي إلى الميكانيكية والرتابة أقرب منها إلى ترتيب المادة الإخبارية على أساس من أهميتها أو من تأثيرها الآني والمستقبلي.
ليس التلميح هنا فقط إلى حدث الهزة الأرضية التي ضربت إحدى أطراف البلاد مؤخرا وأرجأ أمر الحديث فيها (في أخبار الثامنة مساء ليوم الخميس 28 يونيو الأخير تحديدا) إلى نهاية النشرة لحين استنفاذ " الجرعة اليومية" من الأخبار الرسمية التي قد تبدأ ولا تنتهي.
ولا يطال التلميح فقط ضعف ضيف النشرة (تجنبا للقول بجهله بمجريات الحدث)، ولكن أيضا للضعف العام الذي رافق تغطية الحدث بجهة تنوير المتلقين أو على الأقل طمأنتهم والتخفيف من هلعهم.
لم يكن الخبر (خبر الزلزال) بمهما في حد ذاته بقدر ما كان الإخبار هو الأهم باعتبار هذا الأخير تفكيكا للخبر ووضعه في سياقه العام بجهة تشريح الحدث تشريحا علميا (جيولوجيا أعني) لا التعرض له بأدوات صحفية غالبا ما تكون سطحية.
لا أولوية إذن للخبر إذا لم يكن مصحوبا ومؤطرا بمنطق إخباري يتكفل بتعميقه علماء ومتخصصون وذوو خبرة في الميدان.
بالمقابل ما وجه الأولوية في تغطية استقبال رسمي أو انعقاد مجلس حكومي أو نشاط وزاري أو تجمع سياسي (لحزب أو شبه حزب) أو مهرجان خطابي لنقابة أو شبه نقابة...وقس على ذلك؟
وما وجه الأولوية في تمطيط نشرات الأخبار كلما حل بالبلاد رئيس أو وزير وتقليصها لدرجة الغبن في حالة مقابلة كرة القدم أو غيرها؟
هذين التساؤلين إنما يشيان بأن "أولويات" التلفزة (فيما يخص نشرات الأخبار بالأساس) لا تحدد أو تصاغ داخل بناية التلفزة أو بين جدران الوزارة الأولى (فبالأحرى الوزارة "الوصية") بقدر ما توضع خطوطها العريضة (ولربما تفاصيلها الدقيقة أيضا) من لدن مكمن السلطة الحقيقية بالبلاد...
لسائل أن يتساءل: وما صلاحيات مدير التلفزة على هذا الأساس إذا لم يخول إمكانية تحديد أولوياته وفق ما نعهده في مسؤولية كهاته؟
لا أعتقد، من صيغة التساؤل إياه، أن مهمة مدير التلفزة المغربية عصية على الفهم، إذ هي أقرب إلى الوظيفة منها إلى الصلاحيات.
هو مكلف بمهمة محددة دفتر تحملها عرفي بالأساس، وليس له تخويل بالاجتهاد من خارجه أو من داخله...وليس مطلوبا منه ذلك على أية حال.
من فهم مهمة المدير تلك، يتأتى فهم طبيعة وخلفية العمل التلفزي بوجه عام كائنا من كان هذا المدير في تكوينه أو في معتقداته أو في انتماءاته أو في تمثلاته لهذا العمل.
بالتالي فهو مطالب (شأنه في ذلك شأن باقي المسؤولين السامين) بفهم قواعد اللعبة والاندغام (اندغامه) في تمثلها للشأن العام وتنفيذ تصورها لذات الشأن.
هل من سبيل لمدير التلفزة، على الأقل وفق ما سبق، أن يخرج عن السياق العام ويقترح تغيير سلم الأولويات المحدد؟
لا أعتقد له من سبيل في ظل المعطيات السياسية والنفسية العامة السائدة حاليا.
هل له أن " ينتفض" إذا ما تقوت الضغوطات عليه بما لا يطيق كأن يستقيل مثلا أو يطلب الإعفاء؟
لا أعتقد بجرأة مسئولينا الكبار على الاستقالة...فهم في أحسن الأحوال يقالون.
جريدة " العمل الديموقراطي"، 14- 20 يونيو 2001.