"الإذاعات العربية الموجهة باللغات الأجنبية ومخاطبة الرأي العام الدولي"

 

محمد مرعي, اتحاد إذاعات الدول العربية, تونس, 2005, 168 ص.

 

 

+ ببداية الدراسة, يعرف الكاتب مفهوم الإذاعات الموجهة, في كونها تلك الإذاعات التي تعمل على "انتقال الإشارات الصوتية (والمرئية كذلك) عبر الحدود الجغرافية لدولة ما, على أن يتم ذلك بشكل متعمد, وليس بشكل عفوي... هي بث للرسالة الإعلامية من دولة إلى أخرى, بلغة يمكن للمستمعين المستهدفين فهمها".

 

بالتالي, فالإذاعة الموجهة إنما "هي التي تنقل رسالة إعلامية عبر الحدود الجغرافية لدولة ما, إلى جمهور معين مستهدف خارج هذه الحدود, بصورة متعمدة وبلغة يمكن للمستمعين المستهدفين فهمها بسهولة, وعلى أن تعكس هذه الرسالة الإعلامية الأهداف التي تسعى دولة ما, إلى تحقيقها من وراء إطلاق هذه الإذاعة".

 

تلك كانت سياسات هتلر وموسوليني وستالين وصوت أمريكا, يقول الكاتب, وكانوا كلهم يستهدفون عبرها ومن خلالها, مواطني الدولة المقيمين في الخارج, الجمهور العام في الدولة التي يصل إليها البث, وجمهورا خاصا في دول مختلفة.

 

+ بمحور "تجارب الإذاعات العربية الموجهة باللغات الأجنبية بالعالم العربي", يقف الكاتب عند مجموعة نماذج, تبدو له معبرة عن تاريخ وفلسفة هذه الإذاعات بالعالم العربي:

 

°- أولا, التجربة السورية. وتبث بثمان لغات كبرى, من بينها اللغة الإسبانية, التي تستهدف الجمهور المنحدر من أصل عربي, ويتحدث الإسبانية بأمريكا اللاتينية وأوروبا وشمال إفريقيا والفلبين, و"تهدف إلى تعريف هذا الجمهور بالقطر السوري سياسيا واقتصاديا وسياحيا, مع إلقاء الضوء على الثقافة السورية العربية, والتركيز على القضايا العربية...بغرض الحد من تأثير الدعاية الصهيونية, المضللة في ذلك الجزء من العالم, من خلال نشرات الأخبار, والتعليقات السياسية, وأقوال الصحف, والعديد من البرامج الأخرى". وتتوزع المواد الإذاعية بهذه اللغة, بنسبة 33 بالمائة بالتساوي لكل من الأخبار والثقافة والترفيه.

 

أما البث باللغة الفرنسية, فهو موجه تحديدا لدول أوروبا, ويعتمد نفس المنطق كما البث باللغة الإسبانية, لكنه يخصص مواده الإذاعية بنسبة 60 بالمائة للأخبار و 30 بالمائة للثقافة و 10 بالمائة للترفيه. نفس الشيء بالنسبة للبث باللغة الإنجليزية الموجهة للدول الأوروبية, ولبريطانيا على وجه التحديد, وتخصص 35 بالمائة للأخبار ثم 20 بالمائة للثقافة و 45 بالمائة للترفيه.

 

أما البث باللغة العبرية (وقد بدأ بالعام 1948, تماما كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية) فيستهدف "تبيان مغالطة الحكومة الإسرائيلية, وزيف ما تعلنه من توجهات نحو السلام, مع شرح القضايا المتعلقة بالصراع العربي/الإسرائيلي والسلام, وإلقاء الضوء على ما يعانيه المجتمع الإسرائيلي من مشكلات, مع عرض الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية في سوريا". وترتكز في برامجها على ما ترصده بالصحافة الإسرائيلية, أو على الإنترنيت, أو بتحليل البرامج الإسرائيلية بصورة منتظمة. ويخصص هذا البث نسبة 35 بالمائة للأخبار, 15 بالمائة للثقافة, و 50 بالمائة للترفيه. وهناك, إذاعات أخرى بلغات أخرى, كاللغة الروسية والتركية والألمانية وما سواها.

 

°- أما الإذاعة السعودية, فتبث بإثنتي عشرة لغة, "وقد بدأ اهتمام الإذاعة السعودية بمخاطبة الآخر في الخارج, في فترة مبكرة تعود إلى منتصف القرن الماضي, وكانت أولى المناطق المستهدفة, التي أملت مصالح المملكة العربية السعودية ضرورة البدء بمخاطبة جمهورها, هي باكستان وبنغلاديش ووسط وشمال الهند, وجزر إندونيسيا وماليزيا وبروناي". ثم تزايد الاهتمام بمخاطبة مناطق أخرى من العالم, حتى بداية القرن الحالي حين بدأ بث أحدث الإذاعات السعودية الموجهة عام 2001.

 

كل هذه الإذاعات إما تستهدف "نشر الإسلام", أو "محاربة التطرف", أو "الدفاع عن حقوق المسلمين, ودحض الافتراءات ضد المملكة والإسلام والمسلمين", برأي واضعيها وبرأي الكاتب أيضا.

 

°- أما الإذاعات الموجهة من تونس باللغات الأجنبية, فتبث بخمس لغات: الفرنسية والألمانية والإيطالية والإنجليزية والإسبانية, وهي تستهدف التونسيين بتونس, وأيضا السياح الأجانب, وكذلك الجاليات الأجنبية المقيمة بتونس.

 

°- نفس الفلسفة والتوجه نلحظه بالتجربة القطرية, وإن بتوفرها فقط على البث باللغات الفرنسية والإنجليزية والأوردية الموجهة للمتحدثين بهذه اللغات داخل قطر, وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي. وكذلك الشأن مع التجربة اليمنية, حيث إذاعة موجهة باللغة الإنجليزية من صنعاء, ثم بالإنجليزية والفرنسية من عدن.

 

°- أما بمصر, فيعود تاريخ الإذاعات الموجهة بها إلى العام 1953, 15 شهرا فقط على قيام الثورة المصرية ب 23 يوليوز 1952, إما بغاية الانفتاح على العالم الخارجي, أو بغرض مؤازرة حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 

كانت اللغة الإندونيسية هي الأولى, ثم تلتها الإنجليزية والتركية, ثم الأوردية. وكان الهدف من ذلك كله توضيح أهداف الثورة, وإنجازات مصر وتاريخها وحضارتها, وتقديم نماذج من الفن والموسيقى المصريين.

 

أما بالنسبة للإذاعة المصرية الموجهة لإسرائيل, فتنضوي تحت إدارة عامة بمسمى "الإدارة العامة للبرنامج العبري", وتضم أربع إذاعات, تبث كل واحدة منها بلغة (العبرية والإنجليزية والفرنسية والروسية).

 

والإذاعة الباثة بالعبرية, إنما من أبرز أهدافها "تفعيل الحوار مع قوى السلام المعتدلة في إسرائيل, والتأكيد على أن السلام هو خيار مصر الاستراتيجي, والتركيز على أن مصر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية, وأن دعوتها للسلام تعني ضمان الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة, بما في ذلك الشعب الإسرائيلي".

 

بالتالي, فهي تتغيأ منذ إنشائها بأعقاب الثورة, "إبراز الموقف المصري تجاه مشاكل منطقة الشرق الأوسط, ودعم القضايا العربية, والعمل على إيجاد حل لها بالطرق السلمية, والدعوة إلى احترام قواعد الشرعية الدولية, ومبادئ القانون الدولي, وقرارات الأمم المتحدة, والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني...". وهي 46 بالمائة من برامجها إخبارية و18 بالمائة ثقافية و 36 بالمائة ترفيهية.

 

نفس الوظيفة أنيطت بالإذاعة الموجهة لإسرائيل باللغة الإنجليزية (مع 41 بالمائة إخبارية, و 16 بالمائة ثقافية, و 43 بالمائة ترفيهية), وكذلك بالفرنسية مع 53 بالمائة للأخبار, و 22 بالمائة للثقافة, و 25 بالمائة للثقافة. وكذلك بالنسبة للغة الروسية, مع نسبة 55 بالمائة للأخبار و 19 بالمائة للثقافة و 26 للترفيه, وهكذا.

 

هذا كله ناهيك عن وجود سبع عشرة إذاعة, تبث بسبع عشرة لغة, كلها موجهة لإفريقيا (ضمنها السواحلية والأمهرية والصومالية ولغة الزولو ولغة الهاوسا وغيرها), وضمنها أيضا اللغات الكبرى من إنجليزية وفرنسية وروسية وما سواها.

 

وهناك إلى جانب ذلك, الإدارة العامة للأمريكتين, وتضم ست إذاعات موجهة, إثنتان باللغة الإنجليزية, وواحدة بالإسبانية, وواحدة بالبرتغالية, وإثنتان باللغة العربية, ومعظمها موجه للتعريف "بالحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في مصر, وتوثيق عرى التعاون بين الدول الواقعة في تلك المناطق وبين مصر, وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين".

 

ثم هناك الإدارة العامة لمنطقة أوروبا, وتضم ست إذاعات, تبث برامجها بست لغات, هي الفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والألبانية والروسية. وتتغيأ مجتمعة "شرح وجهة نظر مصر تجاه القضايا الإقليمية والعالمية, وإبراز جهود مصر من أجل تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط, والتعريف بحضارة مصر وثقافتها وفنونها, وإلقاء الضوء على فرص الاستثمار فيها, والترويج لزيارة معالمها الأثرية والسياسية, وشرح سماحة الإسلام ووسطيته ونبذه للعنف والتطرف, كما أن من أهدافها أيضا تعليم العربية بالراديو".

 

+ بمحور "التوافق والتباين بين الإذاعات العربية الموجهة باللغات الأجنبية", يتحدث المؤلف عن طبيعة هذه الإذاعات, ويوضح كيف أنها "تشترك في هدف تسويق الدولة للجمهور الخارجي, المستهدف سياسيا واقتصاديا وثقافيا وسياحيا", وكذا تسويق بعض القضايا العامة التي تهم البلد (الإسلام ومحاربة التطرف, بالنسبة للإذاعات السعودية الموجهة), أو الداخلية كما الحال بالإذاعات المصرية الموجهة.

 

ويلاحظ أيضا أن معظم هذه الإذاعات تبث على موجات قصيرة, مما يجعل درجة وضوح الاستقبال في المناطق المستهدفة, متوسطة. ثم إن بعضا منها يوظف السواتل, وهو ما يفترض أدوات استقبال, لا يتوفر عليها الجمهور المستهدف دائما. ثم إن نسب المواد الإذاعية متباينة للغاية بين إذاعة موجهة بهذه اللغة أو تلك, وبين من يراهن على الأخبار أو الثقافة أو الترفيه.

 

ويلاحظ المؤلف أيضا أن العديد من هذه الإذاعات لا تجري دراسات وبحوث, لقياس رجع الصدى للجماهير بالمناطق المستهدفة, مما يفقدها الدقة والموضوعية عند التخطيط.

 

ويخلص إلى القول, بأنه إذا كانت هذه الإذاعات ذات جدوى أواسط القرن الماضي, حيث كان المسموع هو الطاغي, وكانت التلفزة في بداياتها الأولى, فإن الواقع اليوم, سيما مع ثورة الفضائيات والصور والأقمار الصناعية والإنترنيت, يدفع للتساؤل: ما الفائدة من بقائها واستمرارها؟ هل لا يزال لها جمهور في ظل المنافسة القوية لوسائط الإعلام الجديدة, والإذاعة عبر الإنترنيت إحداها دون شك؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 22 ماي 2008