"تكنولوجيا
الصدارة"
ثمة
ثلاث ملاحظات
تمهيدية كبرى,
تبدو لنا أساسية
إذا لم يكن
مباشرة في
تناول هذا
الموضوع،
فبالتأكيد
مساعدة في فهم
السياق العام
المفضي
للمعنى:
+
الأولى
ومفادها أن
العالم يعيش
منذ مدة ليست
بالبعيدة, تحت
وطأة وعلى
إيقاع ظاهرة
جديدة/متجددة,
اصطلح البعض
على تسميتها
بالعولمة,
وأطلق عليها
البعض الآخر
الكوكبية,
فيما أسماها
فريق ثالث
بالكونية.
والواقع
أنه بصرف
النظر عن
تباين
التعابير الموظفة
لوصف الظاهرة,
أو تحديد
مداها وطبيعتها
ومجال
اشتغالها،
فإن هناك
توافقا ضمنيا
فيما بينها
مجتمعة, على
اعتبار أن
الظاهرة إنما
تشكلت في
أعقاب تقويض
المنظومة
الاشتراكية
بالشرق, وتقدم
إرهاصات "الفكر
الليبيرالي
الجديد",
وانتصار
"ديموقراطية
السوق" على ما
سواها من
أشكال
التعبير الاقتصادية
والاجتماعية
والسياسية
والثقافية
وغيرها.
لا
يبدو إذن أن
الاختلاف
يطاول حقيقة
وجود الظاهرة,
وتكرسها
التدريجي
بأرض الواقع،
بقدر ما يطاول
(بالخطاب
أساسا)
طبيعتها
وجوهرها
وخلفياتها,
وبالممارسة
آثارها
وانعكاساتها
وتداعياتها
على الأفراد
والجماعات،
على الدول
والشعوب، على
الاقتصادات
والمجتمعات.
+
الملاحظة
الثانية
وتكمن في
الطفرة
التكنولوجية الكبرى,
التي لم ولا
يقتصر مداها
على التكنولوجيا
الحيوية, أو
الهندسة
الوراثية, أو
البيوتكنولوجيا,
أو تكنولوجيا
صناعة الدواء,
أو تكنولوجيا
الفضاء, أو
تكنولوجيا
اللايزر أو
غيرها، بل امتد
المدى إياه
إلى
تكنولوجيا
الألكترونيات
الدقيقة,
وتكنولوجيا
الإعلام
والمعلومات
والاتصال,
التي ترتبت عن
"الثورة
الرقمية",
والتي وحدت
لغة التخاطب
والتواصل بين
روافد
وقطاعات كانت
إلى حين عهد
قريب
"مستقلة"،
مهنها
متنافرة,
وفاعلوها
متنافسون
بالسوق, على
أساس من هذه
الخلفية أو
تلك.
ولئن
تمظهرت "
تكنولوجيا
الصدارة"
هاته (في حياتنا
العملية
تحديدا) من
خلال امتلاء
الفضاء
الخارجي بالأقمار
الصناعية
والسواتل,
واستبطان
الأرض لآلاف
كوابل
الألياف
البصرية
الباثة للصوت
والمعطى
والصورة,
وتوفر ملايين
بنوك وقواعد
المعلومات
والآلاف من
الفضائيات،
فإنها (أي
الطفرة
التكنولوجية)
تضمر في بنيتها
ووتيرة التطور
الذي تخضع له,
تحولين
بنيويين غير
مسبوقين:
°-
الأول أنها
تشي بانتقال
الاقتصادات
والمجتمعات
من وضعية
تاريخية, كانت
الموارد
الأولية
والعضلات البشرية
والتنظيم
العمودي, هي
السائدة والقائمة
و"المحددة"
لجهة التنمية
والتطور، إلى
وضعية أضحت
المعلومات
والمعارف والكفاءات
والتنظيمات
الأفقية
المرنة, هي القاعدة,
فيما باقي
الروافد
الإنتاجية
الأخرى هي
الاستثناء:
بمعنى أنها
أضحت هي
المتبوعة, والوضعية
الأولى هي
التابعة.
°-
والثاني أنها
أفرزت
تنظيمات
اجتماعية
واقتصادية
وثقافية
جديدة, على
غرار تنظيمات
متقادمة لم
تعد تواكب
"عصر
المعلومات
الجديد" (ولا
تتفاعل معه),
عبر عنها
مانويل
كاسطيلس
ب"المجتمع
الشبكي",
فيما عبر عنها
أخرون
ب"مجتمعات
المعرفة", أو ب"
مجتمعات
الذكاء
العالي",
أو بما سواها
من تعبيرات
واصطلاحات.
نحن
هنا إذن, إنما
بإزاء "حالة
انتقالية",
ستتحدد حتما
بموجبها وبمحصلتها,
طبيعة
مجتمعات
جديدة تقادمت
بصلبها تدريجيا
وتاريخيا
أنماط ونظم
إنتاج كانت
مبنية على
الفلاحة، على
الصناعة، على
النموذج
الاستهلاكي
الأوسع, وعلى
ما سواها من
تنظيمات.
+
أما الملاحظة
الثالثة
فتكمن في
التراجع المستمر
للحمولة
المعرفية
والتفسيرية
التي لازمت
العديد من
المفاهيم
التأسيسية
الكبرى, والتي
بنت لنظريات
وأطروحات
كانت إلى حدود
ثمانينات
القرن الماضي,
مؤثثة وناظمة
للفكر الاقتصادي
والاجتماعي
والسياسي وما
سواه:
°-
فمفهوم رأس
المال لم يعد
له نفس القدرة
التفسيرية
التي ميزته
لعقود طويلة
خلت،
إذ لم يعد
التراكم
محكوما
بضخامة
المصانع, أو
بسعة المناجم,
أو بما تكتنزه
الأرض من
مصادر خيرات،
بل غدا
الرأسمال
الثاوي خلفه
(خلف التراكم
أعني) " فاعلا
متجولا",
يتنقل
بملايير
الدولارات من
هذه الجهة من
العالم إلى
تلك, بحثا عن
سبل في
الاستثمار
جديدة, أو
لهثا وراء
الربح
المضمون, أو
احترازا من
مخاطر تقلبات
الأسواق
المالية
والبورصات.
°-
ومفهوم العمل
بدوره, لم يعد
محكوما
بالتواجد
واقعيا
بالمكان، بل
وفرت له
تكنولوجيا
وشبكات
المعلومات
والاتصالات,
سبل العمل عن
بعد
(وبالمنازل
أيضا) دونما
حاجة من لدنه
للتنقل, أو
الخضوع
لمنظومة
تنظيم هرمية,
يحكمها منطق
الرئيس والمرؤوس, أو
إكراهات هذه
السياسة
الاقتصادية
أو تلك.
°-
ومفهوم
الدولة
الوطنية، كما
مفهوم
السيادة
السياسية,
والحدود
القومية,
والعملة
الوطنية, كما
مفهوم
الجمارك كما غيرها،
لم تعد لها
القيمة
الرمزية التي
كانت ملازمة لها
منذ البدء،
بل غدت مجتمعة
جزءا من مجال
جغرافي واسع,
أو فضاء
اقتصادي
وسياسي موسع,
تتنقل السلع
والخدمات
والرساميل
والبشر
بداخله, دونما
عوائق أو
حواجز أو
إكراهات
تنظيمية...
وهكذا.
هناك
إذن بالمحصلة,
تحول جوهري في
مضامين وطبيعة
وفضاء اشتغال
العديد من
المفاهيم
والبراديغمات
الكبرى التي
كانت، إلى حين
عهد قريب، في
مأمن عن كل
تشكيك, أو
مزايدة, أو
طعن يذكر.
وإذا
بات من الثابت
اليوم, أن جل
الاقتصاديات (أو
على الأقل
المتقدم منها)
إنما تتجه
باطراد بجهة
بناء وتكريس
"مجتمعات
معرفية", تكون
ناصيتها
وركيزتها
البحث العلمي
والإبداع
التكنولوجي،
فهي من هنا
إنما تتجه
بجهة تكريس
توزيع عالمي
جديد للمعرفة,
ستتأسس
أضلاعه
الكبرى بين
منظومات
اقتصادية, تجر
المعلومات
والمعرفة والعمل
الشبكي
والتكنولوجيا
بشتى أنواعها
وأطيافها,
وتيرة نموها
وتطورها, وبين
منظومات أرادت
(أو أريد لها
في ظل نمط
التوزيع
الجديد) أن
تبقى مراهنة
على استخراج
وتصدير
المواد
الأولية,
وكثافة اليد
العاملة,
والتنظيم
الهرمي في
العمل
والإنتاج.
ولما
كانت
"التنمية
الجديدة"
(المنبنية على
المعلومات
والمعارف،
على
التكنولوجيا
والشبكات،
على البحث
والتطوير) لما
كانت متكاملة
الأبعاد،
منظومية
الطبيعة،
متشابكة
العناصر،
فإنها لا
تطاول
الاقتصاد أو
المجتمع أو
الفكر أو
السياسة أو ما
سواها (كل على
حدة)،
بل وأيضا
منظومات
القيم,
والهويات,
والتمثلات,
والسلوكات
وقبل كل هذا
وذاك, منظومة
اللغة, باعتبارها
الناظم
الرمزي لكل
هذه المستويات
مجتمعة أو
بمفردها،
المعبر عنها,
والفاسح لها
في سبل الفعل
والتفاعل.
لن
يفلت الوطن
العربي (دولا
وشعوبا، أفرادا
وجماعات، نظما
وحكومات) من
تداعيات
"التنمية
الجديدة" تلك,
ولا من تجليات
منظوماتها
المتشكلة،
إذ هو اليوم
(ولربما أكثر
فيما سيقتبل
من أيام) على
محك حقيقي من
التوزيع
العالمي
الجديد للعمل،
من إعادة
هيكلية
تراتبية
الدول في
أعقابه, وأيضا
من التداعيات
المترتبة عن
ذلك على هويته
وثقافته
ولغته.
وعلى
هذا الأساس،
فإن تحديات "
تكنولوجيا
المعرفة"
(الضامة لمختلف
تكنولوجيا
الإعلام
والمعلومات
والاتصال) لا
تسائل
الثقافة العربية
(واللغة رافد
هذه الأخيرة
الأساس) لا تسائلها
فقط من زاوية
البعد
التنموي
الحمالة له
ماديا، الثاوية
خلف عناصره
الكبرى
(اقتصادا
وسياسة وفكرا)،
بل وكذلك على
مستوى
اتصالها
وتواصلها مع
"الشبكات
المعرفية"
الكبرى, التي
تعتبر شبكة
الإنترنيت
رمزها والحامل
للوائها
بامتياز.
يحيى
اليحياوي
الرباط, 2
غشت 2010