الإرهاب والحروب الإعلامية الأولى
يحيى اليحياوي
1- كلما كانت حرب فثمة إعلام، وكلما كان إعلام فثمة قبليا معلومات ومعطيات وبيانات.
هذه، كما تلك، من البديهيات في القدم كما في الوقت الحاضر، في أزمنة الحرب المعلنة كما في فترات الأزمات المضمرة والتوترات الخفية لم تشد عليها الدول والحكومات (قديما كما في الزمن الراهن) إلا فيما ندر.
قد لا يبدو الأمر أعلاه عصيا على الفهم، فالمعلومات (بما هي مادة الإعلام وأداته) كانت ولا تزال عصب الحرب، وكانت وستبقى إحدى أقوى عناصر الترتيب لهذه الأخيرة وإحدى أهم العوامل للحسم في مسارها وتوجهاتها.
وبقدر ما كان (ولا يزال) للحرب خبراءها وصناعها، بقدر ما كان أيضا، وبالمثل، للإعلام صناعه وخبراءه يفعلون في الرأي العام (إخبارا أو تجنيدا) كما يفعل صناع الحرب وخبراءها على التأثير في ذات الرأي العام بجهة التجنيد تارات وبجهة التوظيف تارات أخرى.
ليس من الوارد هنا التأريخ لبدايات وتطور العلاقة بين الحرب والإعلام (وهي قديمة قدم الحرب والإعلام ذاتهما) ولا مقاربة درجات الارتباط والتنابذ التي ميزت لعصور طويلة العلاقة إياها، بقدر ما نبتغي تفكيك ذات العلاقة احتكاما إلى أحداث كبرى لربما كانت المحك الأقوى لطبيعة هذه العلاقة وصيرورتها.
2- هناك، فيما يتراءى لنا، ثلاث حقائق كبرى تجعل من العلاقة بين الحرب والإعلام علاقة ترادفية زمن الأزمات كما زمن السلم سواء بسواء:
+ الحقيقة الأولى ومفادها أن معظم التقنيات والأدوات المعلوماتية والإعلامية هي بالأساس من صنيعة المؤسسة العسكرية أو تم التفكير فيها وتصميمها من داخل مختبرات المؤسسة إياها أو تم (في تقنيات قليلة محددة) التقاطها من مؤسسات البحث المدنية واحتكارها.
لا يتعلق الأمر هنا بتقنيات التلغراف والتلكس والهاتف والراديو والتلفزة فحسب، بل أيضا بما أفرزته البحوث حول الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية والشبكات الإلكترونية وغيرها.
بالتالي، فمعظم تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال هي (بشكل من الأشكال) وليدة "المؤسسة الحربية" وجاءت (أعني التكنولوجيا) في صيغها الأولى وتصميماتها الأولية، كإفراز لحاجة المؤسسة إياها لا بحكم أغراض أخرى.
من هنا فمختبرات الحرب ومصانعها خدمت (عن دراية في حالات وعن تغافل في حالات أخرى) "المؤسسة الإعلامية" بما هي مجمع المعلومات وموزعها ومروجها.
ليس من الشذوذ في شيء إذن إذا كانت المؤسسة العسكرية تدعي لنفسها منذ القدم ما يشبه "الأبوية" على المؤسسة الإعلامية وأن تعترف هذه الأخيرة بمدى ما لها من دين إزاء الأولى.
+ الحقيقة الثانية ومؤداها أن التطورات التكنولوجية والمؤسساتية التي طالت " فنون الحرب"، وأساليب التخطيط لها والتنفيذ، لم تستثن من تيارها المؤسسات الإعلامية والاتصالية تقنيات وترتيب وتخزين وتزويج للمعلومات.
فبمثل ما تتوفر المؤسسة العسكرية على أقمار للاستطلاع وأخرى للاستشعار عن بعد وثالثة للتجسس، فإن للإعلام أيضا أقماره الصناعية وبنوكه للمعطيات والصور ومحطاته للبث على المستوى الكوني.
وبقدر ما يلجأ الإعلام للمؤسسة العسكرية (زمن الحرب بالأساس) لتأمين مادته الإخبارية والتحليلية، فإن المؤسسة إياها لا تجد بدا من اللجوء إلى وسائل الإعلام لإيصال خطابها وإشاعته على أكثر من مستوى.
بالتالي فالعلاقة بينهما على هذا المستوى هي إلى التكاملية أقرب منها إلى الترادف.
+ الحقيقة الثالثة ومضمونها كامن في العلاقة التلاحمية بين الحرب والإعلام لدرجة الانصهار والتي غالبا ما يترجمها بعمق مصطلح حرب المعلومات.
ليس المقصود بحرب المعلومات هنا ما يتم (زمن السلم) من عمليات تجسس اقتصادية وتكنولوجية وتجارية وغيرها، ولكن بالأساس "تطويع" المعلومات بغرض توظيفها لأغراض عسكرية ( وقتالية تحديدا).
يقول الجنرال كولن باول (رئيس الأركان المشتركة في حرب الخليج الثانية): إن " حرب المعلومات هي كل الإجراءات التي تؤدي إلى تحقيق السيطرة المعلوماتية عن طريق التأثير في معلومات الخصم، والعمليات المعتمدة على المعلومات ونظم المعلومات وشبكات الحواسيب مع حماية ما يخصنا من معلومات".
لم تصبح المعلومات، على هذا الأساس، وسيلة تأثير على الخصم أو"المزايدة" عليه فحسب، بل أضحت كذلك جزءا مما يسمى منذ مدة بعمليات "القيادة والسيطرة" والتي تشمل "أمن العمليات والعمليات النفسية والخداع والحرب الإلكترونية وتدمير النظم وغيرها".
هناك إذن، بالمحصلة النهائية لهذه الحقائق الثلاث، ترادف في التقنيات وتكامل في الأدوات وانصهار (لدرجة التماهي) في الوظائف.
هي الحقائق ذاتها التي تكرست على أرض الواقع أثناء حرب الخليج الثانية وتتكرس اليوم بامتياز في حملة "الحرب ضد الإرهاب" التي لا يعتبر ضرب أفغانستان والإجهاز على إمارة طالبان إلا مقدمتها وعنوانها الأبرز.
ليس من المبالغ فيه البتة إذن الاعتقاد بأن الحروب ضد العراق وضد أفغانستان (وقبلهما وفي خضمهما ضد السودان وليبيا والفلسطينيين) إنما هي بداية الحروب الإعلامية الأولى التي تندغم في صلبها فنون الحرب بحرب المعلومات.
يقول الجنرال باول في يوليوز 1992 : لقد "كانت معركة الخليج بمثابة فجر لعصر المعلومات بالنسبة للقوات المسلحة الأمريكية. الجندي الذي يحمل في يده بندقية وفي الأخرى حاسوبا صغيرا لم يعد بعد تلك الحرب يثير دهشة أحد، لقد أصبحت نظم المعلومات مكونا أساسيا لنجاح العملية القتالية في معركة اليوم".
ولما كانت نظم المعلومات كذلك، فإن مراكز الأبحاث العسكرية (بالولايات المتحدة الأمريكية أساسا) لا تتوانى في خلق أجواء "حرب افتراضية" (داخل المختبرات) وتطويع الاكتشافات بجهة اختراع الأسلحة المناسبة " لساحة" الحرب الحقيقية.
ستكون إذن حروبا تكنولوجية بامتياز تسخر فيها تقنيات المعلومات لبلوغ أهداف قتالية دونما حاجة تذكر لمقاتلين على أرض المعركة...كيف لا والمواقع المستهدفة محددة بدقة وسبل ضربها مبرمجة عن بعد وحظوظ تدميرها مضمونة بنسبة عالية؟
وستكون كذلك "حروبا نقية" لا ضحايا بشرية للمتفوق فيها تذكر و لا خسائر مادية واردة لديه.
وستكون حروبا عن بعد لا تنطلق أداة التدمير فيها من الطائرات والمدافع، بل وبالأساس من البوارج البعيدة والقواعد المحصنة.
وستكون حروبا لن يرى منها المشاهد إلا ما أرادته له القيادة العسكرية وارتضته، والمرجح أنه لن يرى إلا آثار التدمير المستشرية دون ما يترتب عن ذلك من تنكيل التكنولوجيا بالبشر والحجر.
وستكون، فضلا عن هذا وذاك، حربا مضمونة النتائج ومتحكم في عواقبها من الناحية العسكرية والنفسية والاقتصادية والجيوسياسية كما كان الشأن في حرب الخليج الثانية وكما سيكون عليه الشأن وأكثر في "الحملة ضد الإرهاب".
3- لن يكون بإمكان الإعلام أن يخرج صحيحا معافى من حروب تشن (وستشن أكثر باسمه مستقبلا) وعلى خلفية من تقنياته ومعلوماته ومستويات تغطيته.
ولن يكون بمستطاعه، بعد حرب الخليج الثانية والحرب على أفغانستان، استرجاع القوة والهيبة التي مكنته إياهما حرب الفيتنام أو مستنقع الصومال:
- "فحياده" وضع في الميزان بما لا يدع مجالا للشك ليس فقط لأنه استلب استقلاليته "كسلطة رابعة"، ولكن أيضا لأنه تماهى مع المخطط العسكري دونما رد فعل أو احتجاج يذكران.
- و "موضوعيته" أصبحت محط طعن وتشكيك وإلا فما السر في عمليات التحريض الذي سلكته معظم وسائل الإعلام (عقب ما حدث يوم 11 شتنبر) لربط الانفجارات بالعرب وبالإسلام واعتبارهما "مصدر إرهاب" وترهيب لأمم وشعوب العالم، متمشية في ذلك (وأكثر) مع ما اعتمدته الحكومات واعتبرته الحقيقة؟
- و "مصداقيته" أضحت في المحك لا على اعتبار ما أصبح الإعلام يمارسه عبر التعتيم على الأخبار وتقديم "مادة المؤسسة العسكرية" دونما إمكانية للتمحيص، ولكن أيضا على اعتبار إقصاء وتهميش كل ما من شأنه مناقشة المادة إياها أو الطعن في واضعيها.
بالتالي، فقد لا يكون من المجازفة في شيء القول بأن "الحملة على الإرهاب" (أكثر مما عايناه طيلة حرب الخليج الثانية) إنما هي الفيصل البارز بين إعلام الحرب (الذي يتغيأ تغطية الأحداث دونما إكراهات أو ضغوط كبرى كما في حالة فيتنام) وبين حرب الإعلام الذي أصبحت المعلومات بموجبها مكون "وحدة وطنية وراء الرئيس" وعنصر نصر على أرض المعركة (بالمعنى الافتراضي للكلمة).
هناك إذن، بالمحصلة النهائية، هيمنة شبه مطلقة (في "الحرب على الإرهاب" بالأساس) للمؤسسة العسكرية الأمريكية على وسائلها في الإعلام والاتصال وهيمنة لهذه الأخيرة على ما سواها من وسائل إعلام.
لقائل يقول: أو لم تفسد قناة الجزيرة مثلا (في هذه الحملة بالتحديد) جزءا من المخطط الأمريكي حينما استفرد مراسلوها بنقل عمليات قصف أفغانستان في أدق تفاصيلها وفتحوا لأسامة بن لادن وتنظيمه باب الشهرة والتعاطف؟
وهذا صحيح...إذ لم تنعم قناة س.ن.ن مثلا بالتغطية الحية لأحداث الضربة على أفغانستان كما تسنى لها ذلك أثناء حرب الخليج الثانية، والسبب في ذلك لا يرجع فقط إلى وعورة الجغرافيا الأفغانية وسيطرة طالبان عليها، ولكن أيضا بسبب خشية المؤسسة العسكرية من تجاوزات عمل إعلامي قد ينجر وراء مبدأ " نسبة المشاهدة" (عن غير قصد) دون سواه من المبادئ.
لكن قناة الجزيرة لم تسلم بالمقابل (وإن في جنوحها المستمر للحياد والموضوعية) من أذى المؤسسة العسكرية والسياسية الأمريكية، إذ سرعان ما تحولت الإكراهات والضغوطات الخفية إلى التهديد بضرب مكاتبها وتدمير مقرها المركزي ولربما أيضا متابعة طاقم مراسليها تحت مسوغة " تقديم الدعم لعناصر إرهابية".
من هنا (ربما) استنباط الآية من انتقالها إلى البث الرقمي مجبرة في ذلك على "مغادرة" عشرات الملايين من مشاهديها الذين لا قدرة لهم على تغيير لاقطاتهم التشابهية.
4- لمتسائل يستفهم: كيف لحروب المستقبل ذات الطبيعة الإعلامية المتزايدة والمستوظفة لأعتى تقنيات التجسس وأضخم ترسانات التنصت وأكثرها توظيفا للعامل النفسي، كيف لها أن تنتصر على "عدو" كالإرهاب لا مرجعية ترابية محددة له ولا إطارا جغرافيا قارا ولا مستقر ثابت... هو إلى الافتراضي (أو يكاد) أقرب منه إلى الحقيقي أو الواقعي؟
لربما يكون عنصر الجواب كامنا في الاستفهام ذاته، إذ الحرب الإعلامية (المرتكزة على بنى للمعلومات متقدمة ومعطيات مؤمنة) هي، فيما نتصور، أقوى حروب القرن المتوفرة حالا وفي المستقبل. بمعنى أنها مطالبة لأن تكون بدورها افتراضية حتى يتسنى لها محاربة الإرهاب بأدواته وفي عقر داره كما يقال...وهو ما تعمل مختبرات البحث العسكري على صياغته وتطويره.
5- قد لا يقتصر الأمر، فيما أسميناه بالحروب الإعلامية الأولى، على قضية "القضاء على جذور الإرهاب" التي أفرزتها تفجيرات 11 شتنبر بقدر ما سيتعداه إلى شرعنة إرهاب الدولة الذي تعمل الولايات المتحدة (بتنسيق ندر مثيله) مع إسرائيل وباقي حلفائها على تأسيسه:
+ فإسرائيل (بدعم من الولايات المتحدة) ضاعفت منذ 11 شتنبر من إرهابها الممارس على الفلسطينيين...على أرضهم وأشجارهم وهويتهم ومعالمهم الحضارية العربية الإسلامية والمسيحية...في الوقت الذي تكفلت فيه لوبياتها الإعلامية بأمريكا وبالغرب عموما بتكريس "الصورة الإرهابية" للفلسطيني الأعزل.
إنها حرب إعلامية منسية لأنها مكمن تعتيم وتضليل وتحريف. وحرب إعلامية "جانبية" لا تتوانى إسرائيل في توظيفها لتبرئ ذمة الذين يمارسون الإرهاب باسم الدولة ويمعنون في اللجوء إليه.
+ والولايات المتحدة الأمريكية لم تتوقف يوما (منذ بداية التسعينات) في إيذاء العراق وحصاره وتجويع شعبه وتدمير مكامن حضارته وعمرانه، في "غفلة" مقصودة من لدن وسائل إعلامها ووسائل إعلام حلفائها.
أ لسنا في الحالتين معا (كما في أفغانستان وليبيا والسودان وغيرها) بإزاء حروب إعلامية تستهدف في شكلها "استئصال جذور الإرهاب" بينما هي، في التصور كما في الجوهر، حروب حضارية بامتياز؟
لا يساورنا أدنى شك في ذلك...تماما كما لا يساورنا الشك في الالتباس المتزايد لمفهوم الحضارة ذاته لدى الغرب.
جريدة العلم، 9 يونيو 2002