منير الحمش، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2008، 215 ص.
1- الفساد... الإصلاح... التنمية. ما الذي يجمع بين هذه المصطلحات الثلاثة؟ يتساءل الكاتب بالبداية.
الفساد أعاق التنمية بالأمس، وها هو يعيق الإصلاح اليوم، تماما كما يعيق استعادة دور الدولة التنموي، يجزم الكاتب. "فالفاسدون والمفسدون لا يريدون الإصلاح، لأنه يكشفهم ويحرمهم من قدراتهم على استنزاف ما بقي من موارد في الدولة، ويمنعهم من الاستمتاع بما خبوه عن طريق النهب والسرقة واللصوصية. من هنا، تبدو أهمية الإصلاح، في تحقيق وإشاعة أجواء الشفافية، وإطلاق الحريات السياسية، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وتدعيم الوحدة الوطنية. إن مثل هذه الأجواء تساعد على كشف الفساد ورموزه، فهو لا يعمل إلا في الأجواء المظلمة، وفي غياب الحياة السياسية والحريات الإعلامية".
إن هؤلاء، يتابع المؤلف، بفضل ما استطاعوا تحقيقه من ثروات مادية، وبعلاقاتهم الداخلية والخارجية، أصبح لديهم مراكز نفوذ قادرة، بما لديها من إمكانات، على إعاقة عملية الإصلاح، وكذلك عملية التنمية. واستطاع هؤلاء، "الاستفادة من أجواء عالمية وإقليمية وداخلية، فعملوا على حرف مسيرة التنمية، وأعاقوا تصميم هذه المسيرة، ساعدهم في ذلك، هذا الفخ الإعلامي/الثقافي الذي يروج لثقافة السوق الحرة، وينادي بوحدانية السوق، وبالخيار الوحيد المطروح، ألا وهو الالتحاق بقطار العولمة (قبل فوات الأوان) والاندماج بالاقتصاد العالمي".
ويلاحظ الكاتب أن الليبرالية الاقتصادية الجديدة، قد أدت في الدول التي اضطرت إلى انتهاج سياساتها، إلى المزيد من الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية، وأن العولمة قد أدت إلى تفاقم المشكلات والأزمات، إذ "بالرغم من أن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، يعتبران من المؤسسات المروجة والداعية للعولمة، والعاملة بهدي الإيديولوجية الليبرالية الاقتصادية الجديدة، فإنها لم تستطع أن تتنكر للنتائج الفاقعة لسياساتها، وخاصة الفقر".
2- بالفصل الأول ("الاقتصاد السياسي للفساد")، يقر المؤلف بأن الفساد يتواجد في جميع المستويات، وفي جميع أنواع الأنظمة الاقتصادية، من الاقتصادات الرأسمالية (المفتوحة) كالولايات المتحدة الأمريكية، إلى دول الاقتصادات المخططة مركزيا، كالاتحاد السوفياتي السابق والصين.
الجديد في الآونة الأخيرة، وبالتحديد منذ التسعينات من القرن الماضي، يقول الباحث، أنه مع تنامي الدعوة إلى التحرير الاقتصادي، والانفتاح والإصلاح الديموقراطي، انتشر الفساد بدرجات غير مسبوقة، وتزايد الوعي بضرورة مكافحته، والتركيز على إظهار تكاليفه الباهظة، ودوره في إعاقة النمو الاقتصادي، وتخريب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مما عزز الاتجاهات المناهضة للفساد في جميع أنحاء العالم.
"ومع تزايد الحديث عن العولمة، بعد انتهاء الحرب الباردة، تعاظم نشاط الشركات متعدية الجنسية، وتصاعد نشاط المافيات، خاصة في مجال تجارة المخدرات، والمتاجرة بالرقيق الأبيض، وغسيل الأموال، والأنشطة غير القانونية الأخرى، وبرز أيضا، على نحو أكثر إلحاحا، الفساد كقضية عالمية"، فأحدثت العديد من المنظمات على المستوى العالمي والإقليمي، وعلى المستوى الوطني، للكشف عن الفساد وقياسه والإعلان عنه، وفضح الفاسدين والمفسدين، والعمل على محاسبتهم.
فإذا تغلغل الفساد، يقول الكاتب، فإنه بإمكانه أن يعرقل الاستثمار، ويعيق التنمية، ويقوض الشرعية السياسية، وقد تصل الأمور في بعض الدول، إلى أن ينفلت الفساد الواسع الانتشار عن نطاق السيطرة، مما يحول دون تحقيق الإصلاحات، وبالتالي تفقد برامج الإصلاحات التأييد، والتفاف الجمهور حولها.
تعرف منظمة الشفافية العالمية، الفساد بأنه "استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة". ويعرفه البنك الدولي بأنه "إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص. فالفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب أو ابتزاز رشوة، لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات، أو أعمال خاصة تقديم رشى، للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة، للتغلب على منافسين، وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية، كما يمكن للفساد أن يحصل عن طريق استغلال الوظيفة العامة، دون اللجوء إلى الرشوة، وذلك بتعيين الأقارب، أو سرقة أموال الدولة مباشرة".
ثمة إذن آليتين رئيسيتين للفساد: آلية دفع "الرشوة" و"العمولة" إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، والقطاعين العام والخاص، لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات الأجنبية، ثم الرشوة المقنعة، في شكل وضع اليد على المال العام، والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي، وفي قطاع الأعمال (العام والخاص). وهذا المستوى الثاني، هو أخطر آليات الفساد السائدة في المنطقة العربية، برأي المؤلف.
هذا النوع من الفساد ينعث بـ "الفساد الصغير"، مقابل ما يمكن دعوته بـ "الفساد الكبير"، المرتبط بالصفقات الكبرى في المقاولات، وتجارة السلاح، والحصول على التوكيلات التجارية للشركات الدولية الكبرى. ويحدث الفساد الكبير في المستويين السياسي والبيروقراطي. والفساد السياسي يرتبط عادة بتفصيل قوانين انتخابات، أو تمويل حملات انتخابية، أو تداخل وتشابك المصالح المالية ما بين السياسيين والبيروقراطيين.
وتركز تعاريف أخرى للفساد على الجانب الأخلاقي، فتعتبر الفساد انحرافا أخلاقيا، مادام يرتكز على الرشوة والاختلاس والغش والتهرب الضريبي، وغير ذلك. هو تعريف أساسي ومهم، يقول المؤلف، لكنه يحصر الفساد في بعد نسبي، يختلف من مجتمع إلى آخر، ومن زمان إلى آخر.
ومع توجه العديد من دول العالم بجهة خوصصة مؤسسات القطاع العام، فقد اعتبر ذلك بمثابة فساد حيث "بيع أملاك الدولة، بواسطة المسؤولين الحكوميين لتحقيق المصالح الشخصية". وتعتبر روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، نموذجا فريدا لحالات تتداخل فيها قضايا النهب واللصوصية والفساد والعمليات الإجرامية، التي تديرها المافيات ومؤسسات الجريمة المنظمة.
الفساد إذن يبرز في حالات ثلاث: من أجل الحصول على منفعة حكومية، والسيطرة على النظام، من أجل تجنب دفع تكاليف، أو تخفيض أسعار، أو تكاليف بضاعة أو خدمة حكومية، ومن أجل الحصول على مناصب رسمية.
ويوجد في البلدان التي أصيبت بمرض الفساد، "سوق نشطة لمناصب الحكومة، التي تدر إيرادا جانبيا على شكل رشاوى ومكافآت. وهكذا عندما يعم الفساد، يصبح لكل موقع ثمن يناسب المكانة الوظيفية، وحسب المكان الجغرافي الميداني، وكلما كانت الوظيفة ذات حساسية خاصة أو كبيرة، ارتفع حجم الريع الفاسد. كما يرتفع هذا الحجم عندما تكون البلاد تمر بحالات قلقة، مما يجعل المسؤول، يعمل على رفع سعر خدمته، شعورا منه بأن الزمن يسابقه، وقد تكون فترة نهاية خدمته قد أزفت".
من جهة أخرى، يلاحظ المؤلف أن للفساد نتائج سياسية واقتصادية في غاية الخطورة. فهو إذ يؤدي إلى انخفاض مستوى الأداء الحكومي، "فإنه يخلق أجواء تسودها عدم العدالة ويشيع فيها الظلم، وهو يؤدي بذات الوقت إلى تقويض الشرعية السياسية للدولة. وهو يعبر بذلك عن وجود مشكلات عميقة في معاملات الأفراد مع الدولة، وغالبا ما يترافق الفساد مع تشوهات، يخلقها المسؤولون من أجل توليد ريوع الفساد".
إن خطورة الفساد، من زاوية النتائج السياسية، أنه نتاج حكومة ضعيفة، لكنه بذات الوقت، يؤدي إلى إضعاف الحكومة. العلاقة هنا تبادلية جدلية. وخطورة الفساد السياسية، أنه قد يؤدي ليس إلى إضعاف الحكومة تجاه الداخل، وإنما إلى إضعافها تجاه الخارج أيضا.
ومن قائل بأن أموال الفساد يمكن أن تستخدم في الاستهلاك أو حتى في الاستثمار، وبذلك يمكن أن تسهم في التنمية، "ونقول هنا، إنه قلما استخدمت هذه الأموال في الاستثمار الإنتاجي، فغالبا ما يطلب المسؤول المرتشي من الشركات، وضع عمولاته في حسابات خاصة في الخارج، وما ينفق داخل البلاد غالبا ما ينصرف على الاستهلاك التفاخري والتبذيري، وفي إفساد الآخرين". ودليل الكاتب على ذلك حالة إفريقيا، التي تعد من أغنى قارات العالم بثرواتها الطبيعية، لكن مع وجود الفساد وانتشاره (إلى جانب عوامل أخرى) أصبح سكانها يعيشون في حالة من الفقر المدقع والبؤس.
إن الفساد ظاهرة ديناميكية ومركبة في آن واحد، يقول الكاتب، والقضاء عليه يجب أن يذهب ليطاول العديد من الجبهات والمواقع. ثم إن الحرب ضد الفساد لا يمكن حسمها خلال شهور، أو حتى سنوات قليلة، وهي مسؤولية المجتمع بجميع أطيافه، وتحتاج إلى قرار سياسي، من شأنه إشاعة مناخ ثقافي إعلامي تربوي مناهض للفساد.
من ناحية أخرى، يعترف المؤلف بأن أية معالجة لموضوع الفساد ومكافحته، لابد أن تعمل على توسيع دائرة الشفافية والرقابة والمساءلة، مما يعني توسيع دائرة المشاركة الشعبية السياسية، والمضي على طريق إشاعة الأساليب الديموقراطية، وضرب مواقع ورموز الفساد الأساسية. ثم إحداث إصلاح اقتصادي وإداري ومالي وقضائي عام وشامل. وهذا المحور لا يتعلق بمكافحة الفساد فقط، وإنما هو ضروري لعملية التنمية، والخروج من دائرة الجمود والتخلف، بنظر الكاتب.
3- بالفصل الثاني ("الإصلاح الديمقراطي في البلدان العربية")، يتحدث المؤلف عن المشروع الذي طرحته الولايات المتحدة، تحت عنوان "الشرق الأوسط الكبير"، كمحاولة لفرض الإصلاح من الخارج. ويقر بأنه لا يمكن فهم وتحليل هذا المشروع، إلا عبر معرفة وفهم وتحليل استراتيجية أمريكا الكبرى، التي تريد من خلالها رسم صورة جديدة للعالم، بما يتفق مع مصالحها، والتي تبلورت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، المرتكزة على منع وقوع حادثة مماثلة لما حدث في نيويورك وواشنطن على الأرض الأمريكية، وضرب الإرهاب أينما كان، سيما المتأتي من المنطقة العربية/الإسلامية، ومنعه من حيازة أسلحة الدمار الشامل، ومنع قيام أي منافس لها على صعيد الدول الكبرى، ومنع قيام أي تكتل قد يهدد هيمنتها مستقبلا.
وقد اعتمدت الولايات المتحدة في إطلاق مشروعها، على تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002، مما يعني أنها تدين العرب بأقلام عربية وفكر عربي. و"على الرغم من أن ما أورده تقرير التنمية الإنسانية حول الحالة المزرية، التي تعيش فيها المنطقة، ليس جديدا، وقد تضمنته تقارير عديدة سابقة، كما أن تدهور الحالة الثقافية والتعليمية والمعيشية، طرحت كثيرا من قبل الباحثين والمثقفين العرب، نقول رغم ذلك، فقد ركز المشروع الأمريكي على ما جاء في التقرير، ليعطي برنامجه الإصلاحي نوعا من المصداقية، باعتباره أن تقرير التنمية الإنسانية صادر عن منظمة عالمية بأقلام عربية، ويبعد بذات الوقت، أي عامل خارجي، عن أسباب ما آلت إليه حال المجتمعات العربية، فلا ذكر في المشروع للصراع العربي الصهيونية، ولا لتداعيات وجود إسرائيل وسياساتها العدوانية الخرقاء، إضافة لعدم تحميل الغرب أية مسؤولية نتيجة استعمارها لدول المنطقة".
من هنا تركيز المشروع على النواقص التي عرضها تقرير التنمية العربية، واتخاذها مرجعا أساسيا له، في جانب تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء مجتمع معرفي، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتدريب النساء، والانتخابات الحرة، ومكافحة الفساد وتشجيع الشفافية، وإعلام حر ومستقل عن الحكومات، وتشجيع المجتمع المدني، وإعادة إنتاج الطبقات الوسطى، والتي بدونها لا تقوم الديمقراطية، وتحسين المناهج الدراسية وتعديلها، وتشجيع الأبحاث والدراسات وما سوى ذلك.
ويرى المشروع الأمريكي أن المجتمعات العربية والإسلامية، إذا ما قامت بهذه الإصلاحات الديمقراطية، فإنها سوف تتخلص من الأجواء المنتجة للإرهاب. إضافة إلى أن إقامة مجتمعات ديمقراطية سوف يسهم في السلام العالمي، انطلاقا من أن الديمقراطيات لا تتحارب فيما بينها.
ويلاحظ المؤلف أن المواقف الرسمية العربية التقت حول مقولة أن الإصلاح لا يأتي من الخارج، وأن الديمقراطية لا تستورد. ورفعت شعارات الإصلاح، دون أن يرفق ذلك ببرامج عملية محددة، "فقد بقيت في العموميات فيما يتعلق بالإصلاح السياسي، في حين اتجهت نحو المزيد من الانفتاح الاقتصادي، وعرضت بعض الإصلاحات في قطاع التربية والتعليم". وإذا كان معظم السياسيين (خارج الأنظمة) والمثقفين العرب يلتقون أيضا عند هذه المقولة، فإنهم يختلفون أيضا حول أسلوب الإصلاح، وماهية الديمقراطية التي ينادون بها.
إن المشروع الأمريكي يدعو إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ونزع أسلحة الدمار الشامل، في منطقة تتوسع لتشمل بلدانا وشعوبا مختلفة، يجمعها انتشار الدين الإسلامي في أرجائها، كما تحوي أهم منابع المياه والنفط، اللذين يشكلان ركيزتان أساسيتان للاقتصاد العالمي، "كما تشمل المنطقة الكيان الصهيوني، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى حمايته، وإلى زرعه في نسيج المنطقة، ومنحه مهمات وأدوارا أساسية في تحقيق الأمن والهيمنة الاقتصادية".
وتوسيع الشرق الأوسط ليشمل هذا الطيف الواسع من الدول والشعوب، إنما يهدف بنظر المؤلف، إلى تطلع الولايات المتحدة للسيطرة على ممرات العبور الدولية، من بحر قزوين إلى البحر الأسود، إلى قناة السويس، إلى البحر الأحمر وخليج عدن، لتحقيق أهداف استراتيجية على الأرض.
الولايات المتحدة "تفترض أن منطقة الشرق الأوسط الأكبر، معملا لتفريخ الإرهاب (بسبب طبيعة أنظمة الحكم، وغياب الديمقراطية، وسوء الإدارة، ومناهج التربية والتعليم)، ويقودها هذا الافتراض إلى ضرورة تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية وإدارية، وإلى التدخل في مناهج التعليم والثقافة، ورفع مستوى المعيشة، وفرض الممارسات الديمقراطية". وتنطلق الاستراتيجية الأمريكية من الزعم بأنها صاحبة "رسالة تنويرية، تستهدف إنهاض دول المنطقة من كبوتها، بإحداث تغيير كبير في بنية أنظمتها، بفرض النموذج الليبرالي الأمريكي على هذه الدول، ونزع الصفة العربية عن دول المنطقة، وإدماج إسرائيل بين شعوب المنطقة".
من المهم، يقول الكاتب، التأكيد على "أن البلدان العربية أصبحت في حالة تستدعي القيام بإصلاحات شاملة، لا تحتمل التأجيل تحت أية ذريعة، بما في ذلك الإعلان على أن الإصلاح مسألة داخلية، في معرض رفض التدخل الخارجي. وإذا كنا نرفض التدخل الخارجي، ونؤمن تماما بأن الإصلاح لا يمكن تحقيقه عن طريق القوة الخارجية، إضافة إلى أن الولايات المتحدة (والغرب عموما) غير معنية لا بإصلاح ولا بديمقراطية حقيقية، فهي تعرف أن أول ما سيطلبه نظام ديمقراطي يقوم على أسس صحيحة، هو جلاء القوات الأجنبية، وإنهاء وضع القواعد العسكرية الأجنبية".
لقد أصبحت المجتمعات العربية اليوم بأمس الحاجة إلى عملية تطوير جذرية، تهدف إلى تحديث هياكلها، وإصلاح مؤسساتها، ومعالجة أمراضها، وتجاوز حالات الركود والتخلف فيها، كما أن هذه المجتمعات تشكو من انتشار الفساد، وتفاقم الآفات الاجتماعية، وتردي الأوضاع الاقتصادية وترهل الإدارة، وغياب المساءلة والرقابة والشفافية".
4- بالفصل الثالث ("مأزق التنمية في بلدان العالم الثالث، في ظل آليات العولمة الاقتصادية")، يلاحظ المؤلف أنه، منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، بدأت أزمة الديون الخارجية تتفاقم بدول العالم الثالث، ولم تنجح توصيات وبرامج الصندوق والبنك الدوليين (ولا برامج توافق وما بعد توافق واشنطن) في تحقيق المطلوب من تلك التوصيات والبرامج. وقد زاد في حدة المأزق الذي وصلت إليه التنمية في بلدان العالم الثالث، موجة العولمة الاقتصادية التي بدأت تتبلور مع إعلان الرئيس الأمريكي بوش الأب عام 1991 عن النظام العالمي الجديد (بعد حرب الخليج الثانية)، ثم بعد الإعلان عن إقامة منظمة التجارة العالمية، في منتصف تسعينات القرن الماضي.
إن الحكومات التي تولت الحكم في العديد من الدول المتخلفة، بعد حصولها على استقلالها السياسي، لم تستطع يتابع الكاتب، أن تحقق التنمية بسبب طبيعتها، وارتباطاتها مع الخارج، وبسبب انتشار الفساد وضعف الأداء.
ولا يزال الضغط مستمرا على هذه الدول من أجل الانخراط في الاقتصاد العالمي، والانفتاح والخصخصة والتثبيت الهيكلي والاقتصادي، في إطار السوق الموجه بسياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة.
وعلى الصعيد العالمي، أدت السياسات الليبرالية المتطرفة إلى استفحال أزمة الديون الخارجية، والاضطراب في الأسواق المالية والنقدية، وتزايد حالة الاستقطاب والتهميش، واتساع دائرة الفقر والفقراء في العالم، فضلا عن انتشار الأمراض، وكل ما نجم عن هذه السياسات هو إعادة السيطرة المباشرة على اقتصادات بلدان العالم الثالث، "وهي الأساليب الاستعمارية القديمة بثوبها الإمبريالي المعولم الجديد".
إن التنمية بمفهومها الشمولي الديناميكي، لا يمكن برأي المؤلف، أن يحققه اقتصاد حرية السوق، كما أنه في مواجهة مشكلات مثل البطالة والفقر، لا يمكن الركون إلى آليات السوق الحر وقوانينه التلقائية، لا يقدران على سد الفجوات الكبيرة والمزمنة بين العرض والطلب، أي أنهما لا يستطيعان تحقيق التنمية. ففي الوقت الذي يحتاج أمر معالجة البطالة والفقر على تدخل أكبر من قبل الدولة، فإن اقتصاد حرية السوق يدعو إلى حكومة الحد الأدنى.
التنمية بنظر المؤلف، هي "عملية تحرر إنساني، تشمل تحرير الفرد من الفقر والجهل والقهر والاستغلال، كما تشمل تحرير المجتمع من ذل الاعتماد على الخارج، وتخليصه من قيود التبعية، بما تحمله من استغلال وتقييد للحرية والإرادة الوطنية، ومن هشاشة أمام الصدمات الخارجية".
وبما أن البشر هم هدف التنمية ووسيلتها، "فلا بد أن تهتم الدولة بإشباع الحاجات الإنسانية للسكان، وإشراكهم في اتخاذ القرارات المؤثرة في حياتهم وحياة الأجيال المقبلة، من خلال الحفاظ على البيئة، واحترام توازناتها، وتطوير قاعدة الموارد الطبيعية، وبذلك تكون التنمية مستمرة ومتواصلة، وتتوافر للمجتمع بذلك فرصة إعادة البناء والتجدد الذاتي".
إن التنمية، فعل إرادي، ولما كانت كذلك، فإنها تستوجب بنظر الكاتب، تخطيطا إراديا.
نافذة "قرأت لكم"، 5 يونيو 2008