نبيل علي/ نادية حجازي، عالم المعرفة، العدد 318، غشت 2005، 470 ص.
1- يبدو من المصادفة حقا أن يتخصص دكتور في هندسة الطيران (كما هو حال الدكتور نبيل علي) في قضايا تعريب نظم المعلومات ومعالجة اللغة العربية بالحاسوب وإشكالية التنمية المعلوماتية بالوطن العربي، ويبدع فيها لدرجة اعتماده خبيرا بمنظمات وطنية ببلاده وإقليمية ودولية كالأليسكو والإيسكوا واليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وغيرها.
والواقع أن البعد التقني (المتأتي من التكوين الأساس) قد ساعد الدكتور نبيل علي على مقاربة اللغة العربية مقاربة علمية جعلت من كتابه "اللغة العربية والحاسوب" من الكتب الرائدة في هذا المجال ليستتبعها ببحوث أخرى أوسع مجالا ("العرب وعصر المعلومات"، أبريل 1994، "الثقافة العربية وعصر المعلومات"، يناير 2001، " تكنولوجيا المعلومات وتطور العلم"، 2005) جعلت منه مرجعا في هذا الجانب دونما منازع حتى وإن كان جانب التخصص يجعله " دخيلا" عليه في نظر البعض.
لا يختلف الأمر كثيرا مع الدكتورة نادية حجازي. فهي خبيرة في هندسة الحاسبات وأستاذة بمعهد بحوث الألكترونيات بالمركز القومي للبحوث بمصر ومستشارة لوزارة الاتصالات والمعلومات ولوزارة التعليم أيضا.
هي في صلب الإشكال المطروح قياسا إلى الدكتور نبيل علي. وهو ما جعل من معظم بحوثها (في مجال اللغويات الحاسوبية كما في هندسة الاتصالات كما في الترجمة الآلية والبرمجيات التعليمية) تصب مباشرة في الجانب العملي الذي يتناول القضايا من هذا النوع من زواياها المادي منها كما الرخو سواء بسواء.
وعلى هذا الأساس، فإن كتاب "الفجوة الرقمية" إنما هو محصلة تكامل بين مؤلفين جمعهما ليس فقط التخصص، بل وكذلك عملهما المشترك في إدارة مشروع الشبكة القومية للمعلومات العلمية والتكنولوجية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وإشرافهما المشترك أيضا على العديد من البحوث والدراسات في مجال معالجة اللغة العربية آليا.
2- ينقسم كتاب "الفجوة الرقمية: رؤية عربية لمجتمع المعرفة" إلى سبعة فصول مركزية صاغها المؤلفان بناء على تراكمات تجمعت لديهما بحكم الاشتغال والاهتمام، وكذلك على أساس مساهماتهما في العديد من الندوات والحوارات التي تسنت لهما " مع عدد كبير من المفكرين والمتخصصين":
+ بالفصل الأول (" الفجوة الرقمية: فجوة الفجوات") يقر المؤلفان بأن الفجوة الرقمية إنما هي فجوة الفجوات أو "الفجوة الأم" كونها تطفو " فوق طبقات متراكمة من فجوات عدم المساواة تصب فيها بصورة أو بأخرى والتي تشمل: الفجوة العلمية والتكنولوجية، الفجوة التنظيمية والتشريعية، فجوات الفقر كفجوات الدخل والغذاء والمأوى والرعاية الصحية والتعليم والعمل".
بالتالي فهي إنما تحمل في رحمها، برأي المؤلفين، " كل بذور التخلف المجتمعي، وكل ما نجم عن فشل مشاريع إنمائية سابقة" وما سواها، بدأت ضيقة في أعقاب الثورة الصناعية، لتتوسع بالبدايات الأولى للثورة المعلوماتية ولتتفاقم فيما بعد بفعل الثورة التكنولوجية وتزايد مد العولمة. وهو ما يمكن تلمسه بسهولة كبيرة بالاحتكام إلى مقاييس ما يعود، لسكان العالم ذوي الدخول المرتفعة وأصحاب الدخول الضعيفة، من نصيب بالهواتف القارة والمحمولة ونسبة مستخدمي الإنترنيت والحصة من الحواسيب ( 315 حاسوب لكل ألف شخص بالدول المتقدمة مقابل أقل من واحد لدول إفريقيا جنوب الصحراء) ناهيك عن مستويات الفقر والأمية والبطالة وما سوى ذلك.
ولئن بدت الفجوة الرقمية موسومة (في تحديداتها) بصبغة تكنولوجية واقتصادية واضحة، فإن ذلك لا يتجاوز، في نظر المؤلفين، المظهر والتجلي ليس فقط بحكم عدم أخذها بعين الاعتبار للأبعاد الاجتماعية والثقافية الثاوية خلفها، ولكن أيضا لأن الفجوة إياها ذات أوجه عديدة بتعدد وجهات النظر بشأنها بين السياسي والاقتصادي والتربوي والاتصالاتي والباحث الاجتماعي والدارس التنموي والناشط بمجال حقوق الإنسان والمستقبلي والإيديولويجي وما سواهم.
صحيح، يقول المؤلفان، أن مفهوم الفجوة الرقمية لا يزال يكتنفه الغموض، لكنهما يعترفان أن التعريف الأقرب إلى واقع الحال هو الذي يتناولها من منظور الدورة الكاملة لاكتساب المعرفة والتي تشمل:
°- النفاذ إلى مصادر المعرفة، أي مدى توفر البنى التحتية من توافر شبكات الاتصالات وعناصر ربطها بالشبكات العالمية وعلى رأسها شبكة الإنترنيت.
°- استيعاب المعرفة من خلال مسلسلات التوعية والتعليم والتدريب وما سواها.
°- توظيف المعرفة القائمة من خلال الدورة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
°- وتوليد المعرفة الجديدة عبر مؤسسات البحث والتطوير ومؤسسات الإنتاج والخدمات.
من جانب آخر، فإن ما يزيد غموض المفهوم إنما تعدد معايير القياس التي تطرح إشكالات منهجية وتنظيرية كبرى بسبب نسبية المؤشرات المعتمدة لذات القياس كمؤشر التقدم التكنولوجي أو الإنجاز التكنولوجي أو جاهزية الشبكة أو قياس مستويات النفاذ للمعلومات أو غيرها.
من ناحية ثالثة، فإن تباين زوايا النظر بجهة أسباب الفجوة الرقمية، أي بين من يلامسها عبر البعد التكنولوجي (سرعة التطور التكنولوجي، تنامي الاحتكار التكنولوجي، شدة الاندماج المعرفي و تفاقم الانغلاق التكنولوجي وغيرها) أو البعد الاقتصادي (كلفة التكنولوجيا واحتكارها من لدن الشركات الكبرى تحديدا) أو البعد السياسي (المتمثل في سيطرة الولايات المتحدة على المحيط الجيومعلوماتي وضعف سياسات الموطنة بالدول النامية) أو البعد الاجتماعي والثقافي (تدني مستويات التعليم وارتفاع نسب الأمية والجمود التنظيمي والتشريعي وإهمال اللغة المحلية)... كل ذلك يجعل من المفهوم مكمن لبس والتباس كبيرين.
وإذا كان الغموض واللبس لازمة حقيقية لظاهرة الفجوة الرقمية، فإن ذلك لا ينفي وجودها ولا الحدة التي تميزها:
°- على المستوى العالمي حيث يأتي الإقليم العربي مثلا ضمن "الشرائح الدنيا لهذه التوزيعات العالمية"، إذ لا يتعدى نصيب العرب من إجمالي مستخدمي الإنترنيت (ناهيك عن عدد المواقع) الواحد والنصف بالمائة حتى وإن مثلوا 4 بالمائة من ساكنة العالم.
°- وعلى النطاق الإقليمي حيث التباين صارخ فيما بين دول عربية (دول الخليج تحديدا والموقع المتميز الذي تحتله الإمارات في الجاهزية الشبكية) حيث نسبة الارتباط بالشبكة مرتفعة نسبيا وبين دول عربية أخرى يقترب فيها استخدام الإنترنيت من الصفر... ناهيك عن الهوة في هذا المجال مع إسرائيل التي تعتبر رائدة في ميدان تكنولوجيا المعلومات (المرتبة الأولى في نسبة ما تخصصه للبحوث والتطوير، المرتبة الثانية بعد ألمانيا في عدد المهندسين قياسا إلى عدد السكان، توفرها على سيليكون بين حيفا وتل أبيب والقدس، هذا فضلا عن الجاهزية الشبكية المرتفعة عتادا وبرمجيات ومحتويات وضخامة النشر العلمي وارتفاع نصيب الفرد من الكتب بالعبرية أو المترجم إليها وقس على ذلك).
+ بالفصل الثاني (" فجوة المحتوى") يؤكد المؤلفان أن الجهد الذي كان، ولزمن طويل، مركزا في إقامة مجتمع المعلومات على شق البنى التحتية، قد تحول منذ مدة إلى شق المحتوى الذي اضحى التحدي الحقيقي لذات المجتمع... ويشمل نطاقا واسعا من السلع والخدمات والأدوات المتضمن لشتى أصناف النشر والبث الجماهيري والوسائط المتعددة والبرمجيات وغيرها.
لا يعتبر المؤلفان أن الدافع الأساس في ذلك هو دافع اقتصادي أو سياسي فحسب، بل وأيضا اجتماعي وثقافي سيما في ميادين دقيقة وجد حساسة كالمحتوى الخاص بالتعليم الألكتروني ومحتويات التجارة ألألكترونية والخدمات الصحية والإعلام الألكتروني وما سواها. وهي كلها ميادين تستوجب التركيز على الإنتاج المحلي مع الاستعانة بما ينتج بالدول الأجنبية.
بالتالي، ففجوة المحتوى، يقول المؤلفان، إنما تتمثل في " مدى توفر عناصر البنى التحتية ومعدل إنتاج صناعة المحتوى ومدى توافر الموارد الخام لصناعة المحتوى ومدى توافر أدوات إنتاج المحتوى".
وعلى هذا الأساس، فالرؤية العربية المقدمة من لدن الكاتبين إنما تتمثل:
°- في ضرورة إقامة " صناعة محتوى عربية لا صناعة محتوى عربي، بمعنى عدم الاقتصار على موارد المحتوى العربي فقط، بل يجب الاستعانة بموارد المحتوى الأجنبي".
°- توازي " بناء عناصر البنى التحتية مع صناعة عناصر المحتوى".
°- عدم الفصل " بين المحتوى الرقمي والمحتوى التقليدي"... وإعطاء "الأولوية للبرمجيات التعليمية والترفيهية والثقافية" نظرا لتزايد الطلب الاجتماعي عليها.
°- التركيز على " صناعة الثقافة العربية" باعتبارها "اكثر مجالات المعلوماتية من حيث كثافة المحتوى..." مع تنمية الأطر الكفيلة بالقيام على ذلك وهكذا.
+ بالفصل الثالث (" فجوة الاتصالات") ينطلق المؤلفان من مسلمة أن " كفاءة المجتمعات باتت تقاس بمدى كفاءة شبكة اتصالاتها"، وأصبحت نظم الاتصالات "اهم عناصر البنى التحتية لإقامة مجتمع المعلومات وأصبح مدى كفاءتها أهم مؤشر لقياس مدى جاهزية المجتمع لدخول عصر اقتصاد المعرفة".
وإذا غدا الطلب على الاتصالات يرتفع بمعدلات متصاعدة (من قنوات بحرية وبرية وفوق كوكبية وأقمار صناعية وما سواها)، فلأنها أضحت القلب النابض للاقتصاديات ولنظم تبادل المعطيات والمعلومات على نطاق واسع ولكونها الأساس الذي على خلفيته تبنى مجتمعات المعلومات والمعرفة.
لم تلعب الرقمنة دورا محوريا في مركزية الاتصالات بهذا الجانب فحسب، بل فتحت لها في السبل للاندماج بالقطاعات الأخرى (معلوماتية وبث تلفزيوني ونشر ألكتروني وإنترنيت وما سواها) لدرجة اندغمت الأعتدة بالمضامين وأضحت رافدا واحدا لمجتمعات المعرفة المتقدمة.
وعلى هذا الأساس، فإن الفجوة المرتبطة بالاتصالات إنما هي تلك الفروقات" بين المجتمعات وبين الفئات داخل المجتمع الواحد من حيث مدى توافر البنى التحتية من هواتف وإنترنيت وأجهزة كمبيوتر ووسائل اتصال وغيرها".
وهي ظاهرة ملاحظة بالعديد من الدول، لكنها أبرز بالمنطقة العربية قياسا إلى العالم وفيما بين الأقطار العربية ذاتها: في نسبة الهواتف القار منها كما النقال، في نسبة ملكية الحواسيب، في نسبة استخدام الإنترنيت وقس على ذلك.
+ في الفصل الرابع ( " فجوة العقل") يؤكد الباحثان على أن العقل هو صانع المعرفة وصنيعتها. ولما كانت معرفة عصر المعلومات هي معرفة " سريعة، دائمة التجدد"، فإنها تستوجب تفاعلا عميقا وجوهريا بين البعدين النظري والتطبيقي مع ما يستتبع ذلك من ضروب "الإحلال المعرفي" المتزايد المد.
لا يقصد المؤلفان، بهذا الفصل، تبيان ما لتكنولوجيا المعلومات من مساهمة في دراسة المخ (بارتباط وباقي التكنولوجيات سيما العصبية)، ولكن أيضا توضيح أن التكنولوجيا إياها (تكنولوجيا المعلومات أقصد) هي الوسيط العلمي بين الشق العصبي الذي هو المخ وبين الشق المعرفي الذي هو العقل. ويدللان على ذلك بالتعلم عبر الحاسوب واكتساب الخبرة خائليا وتعليم الجماهير عبر تكنولوجيا الواقع الخائلي وما سوى ذلك.
ليس ثمة من شك، يقول الكاتبان، بأن تكنولوجيا المعلوماتت إنما تساهم بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة في صناعة العقل ليس فقط عبر تمكينه من فك التعقد واختزاله، ولكن أيضا في قوتها على "المؤالفة بين المتضادات" (بين المادي واللامادي، بين الحيوي والفيزيائي، بين الإنساني والآلي، بين الواقعي والخائلي، بين الفردي والجماعي، بين المحلي والعولمي وهكذا).
بالتالي، فما يسميه المؤلفان بفجوة العقل العربي إنما تتمثل في تخصصه الضيق ونأيه عن تداخل المجالات المعرفية وفي عدم تدربه على التوجه المنظومي المكتمل والشامل، ونزوعه نحو القاطع والموجب والمحدد. ولعل هذه الخاصيات (وأخرى دون شك) هي التي غالبا ما تعكسها مقاييس عدد مراكز البحوث والتطوير وعدد الجامعات والمهندسين وبراءات الاختراع وحجم إنتاج الكتب والمواقع الألكترونية وضعف الحاضنات وما سوى ذلك.
+ بالفصل الخامس (" فجوة التعلم") يؤكد المؤلفان على أن التربية والتنمية هما " صنوان في مجتمع المعرفة". والتعليم هو أداة بلوغ غايات الحرية والكرامة الإنسانية. ف "إذا كانت المعرفة هي محرك مجتمع المعرفة، فالتعليم هو وقودها".
بالتالي، " يسعى تعليم عصر المعلومات إلى أن يجعل من التعلم دستور مجتمع المعرفة ليصبح التعلم نوعا من الإيديولوجيا التي تعيد صياغة المجتمع وعلاقاته وتوجه سلوك أفراده وجماعاته ومؤسساته ويصبح التعلم في ظلها حقا لكل فرد وواجبا عليه في آن".
ليس من المستغرب، يقول المؤلفان، أن تفرخ المعرفة فروعا " معرفية" جديدة كفلسفة المعرفة ونظرية المعرفة وهندسة المعرفة وعلم اجتماع المعرفة وعلم نفس المعرفة وفنون المعرفة وغيرها... وكلها تتشرب من النقلة المعلوماتية التي يشهدها العالم كما ونوعا.
من هنا، فإن فجوة التعلم إنما هي "الفارق في مدى توافر فرص التعلم والتدريب والتأهيل المتاحة أمام الفرد بعد استكمال تعليمه النظامي والذي يصبح فيه الفرد مسؤولا بمعدل متزايد عن سلوكه التعليمي". وتقاس بعدد المدارس وعدد سنوات التعليم الإلزامي وتوزيع الخريجين وتخصصاتهم وهكذا.
من المؤكد أن للفجوة إياها أسباب اقتصادية وعلمية وتكنولوجية وسياسية واجتماعية وثقافية وغيرها، لكن ثمة أسباب أخرى خاصة بالوضع العربي الراهن نتيجة عدم دقة السياسات التعليمية والعزوف عن التعلم المستمر وقصور الدولة العربية وانتهازية القطاع الخاص وما سوى ذلك.
+ بالفصل السادس (" فجوة اللغة") يعتقد الكاتبان أنه إذا " كان التصدي لفجوة التعلم هو المنطلق في رأب الفجوة الرقمية، فإن التصدي للفجوة اللغوية هو نقطة البداية التي علينا أن ننطلق منها". ويشددان على حقيقة أن اللغة العربية تعيش تحديا مزدوجا في عصر المعلومات: فهي تشترك مع لغات العالم نفس التحديات، لكنها تعاني في الآن ذاته من "أزمة حادة تنظيرا وتعجيما وتعليما وتوظيفا وتوثيقا"... وأيضا من معضلات أخرى لم يتسن للعرب حسمها بعد، كازدواجية الفصحى والعامية وتعريب التعليم وثنائية استخدام العربية بالتوازي ولغات أجنبية أخرى وغير ذلك.
بالتالي، يرى الكاتبان، فإن الفجوة التي تعاني منها اللغة العربية إنما تنشطر إلى فجوات فرعية متعددة ومتشعبة: فجوة التنظير اللساني، فجوة المعجم، فجوة تعليم وتعلم اللغة، فجوة الاستخدام اللغوي، فجوة حوسبة اللغة ومعالجتها آليا ناهيك عن الفجوات المتأتية من البنى التحتية سيما فجوة الموارد البشرية وفجوة موارد المعلومات اللغوية وفجوة التوثيق اللغوي وما شابه ذلك.
أزمة اللغة العربية، في عصر المعلومات، هي أزمة كل جوانب المنظومة اللغوية من الوارد أن تتعمق أكثر وتتجذر إذا لم يعمد إلى " بلورة سياسة لغوية على مستوى الوطن العربي... يدعى للمشاركة في وضعها، بجانب اللغويين، غيرهم من علماء التربية وعلماء النفس وعلماء الاجتماع والبيولوجيون، على أساس أن اللغة هي مسؤولية النخبة المفكرة قبل أن تكون مسؤولية الساسة وأهل الاختصاص"... وإذا لم يعمد أيضا إلى " توازي جهود تطوير اللغة العربية مع جهود حوسبتها".
+ بالفصل السابع (" فجوة اقتصاد المعرفة") يعتبر المؤلفان أن هذه الأخيرة هي "الفجوة المحصلة"، بمعنى أنها " في سمتها الغالب نتيجة أكثر منها سببا خاصة بالنسبة إلى وضعنا العربي الذي نؤمن بأنه لا يفتقد الموارد الاقتصادية، بقدر ما يفتقد إرادة التغيير وحسن التدبير".
وإذا كان اقتصاد مجتمع المعرفة ينقسم إلى قسمين (اقتصاد مرتكز على المعرفة باعتبارها مقوما حيويا للاقتصاد، واقتصادا للمعرفة ذاتها بصفتها قطاعا اقتصاديا قائم الذات)، فإنه يعبر بامتياز عن التزايد الهائل في الاعتماد على " ثقل العمالة الذهنية" (لدرجة تحولهم إلى "رأسماليين ذهنيين جدد") وعلى ضخامة العائد الاستثماري المعبر عنه عموما بأرقام معاملات الشركات الكبرى العاملة بهذا الاقتصاد، وأيضا زيادة حصة هذا الاقتصاد بالناتج القومي الخام... لدرجة أضحى الحديث معها عن "الاقتصاد الجديد" أمرا مشاعا ومستساغا.
وإذا سلمنا، يقول الكاتبان، بأن اقتصاد المعرفة أضحى النقيض المتزايد للاقتصاد التقليدي (الصناعي تحديدا) فلأنه " صاغ" لنفسه مفاهيمه وتصوراته:
°- فاقتصاد المعرفة أضاف لاقتصاد عصر الصناعة قيمة المعلومات والمعرفة بعدما كانت القيمة متمحورة حول قيمتي المنفعة والتبادل. كما أن إنتاج المعرفة بات يرتكز على السرعة والدينامية والقدرة على تصريف المنتوجات.
°- ومفهوم الملكية لم يعد كما كان من ذي قبل (ملكية مادية خالصة)، إذ أضحت الملكية الفكرية هي محور اقتصاد المعرفة والتي بات أمر حمايتها أمرا معقدا في ظل تقدم "لامادية" السلع والخدمات.
°- وعلاقة العرض بالطلب لم تعد كما كانت سائدة في العصر الصناعي، إذ قيمة المنتجات في ظل هذا الأخير كانت محددة بالندرة وقلة الطلب، في حين أن قيمة المنتج المعرفي تزداد كلما شاع وتوافر.
°- وعلاقة المنتج بالمستهلك لم تعد محكومة بالإنتاج بالجملة أو الإنتاج الكمي، بقدر ما غدت منبنية على الإنتاج غير المكتل وذي الخاصية التصميمية المتميزة.
°- نفس الشيء بالنسبة لتباين نمط الإدارة والتنظيم واختلاف مؤشرات التقييم بين الاقتصادين وقس على ذلك.
يعترف المؤلفان بأن المستفيد الأول من هذه المستجدات إنما هي الدول المتقدمة الكبرى "التي تمتلك القاعدة التكنولوجية التي تستطيع من خلالها تحويل الإنجاز العلمي إلى تطبيقات عملية تدر عائدا استثماريا"... وليس بالتأكيد دول المنطقة العربية التي يطبعها (فرادى وجماعات) الهزال الاقتصادي والتخاذل السياسي وغياب العزيمة التي تقصيهم من " سباق مجتمع المعرفة" وتجذر الفجوة الرقمية فيما بينهم كما بإزاء العالم.
نافذة "قرأت لكم"، 8 يونيو 2006.