تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والفايسبوك: الفايسبوك أداة اتصال وليس تواصل

الأخبار: هل يعتبر فتح بعض الوزراء المغاربة لحسابات على موقع الفيسبوك وسيلة للتواصل الفعلي و المباشر مع المواطنين أو مجرد موضة فقط؟

يحيى اليحياوي:  أريد أن أوضح بداية أن الفيسبوك وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات عموما هي أدوات اتصال وليست أدوات تواصل. هي وسيط بين باعث الرسالة ومتلقيها لا تفاعلية نفسية أو إنسانية تذكر فيها. على عكس التواصل الذي غالبا ما يترجم لحالة حميمية، تعبر عن القرب وتكون التفاعلية فيها مباشرة دون وسيط أو لنقل دون موسطة أدواتية. هذا تمييز نادرا ما نهتم به في تعرضنا للتكنولوجيا كمجموعة وسائط وأدوات حتى وإن كانت تعبر عن ثقافة وحضارة وما سوى ذلك.

بالتالي، فالفايسبوك، والشبكات الاجتماعية عموما هي أدوات اتصال بين شخوص قد لا نعرفهم بالمباشر الحي حتى وإن كنا نتقاسم معهم بعض الانشغالات أو القضايا. وهو من هنا شبكة اجتماعية للاتصال وليس للتواصل.

بالعودة للسؤال،فأنا لا أتوفر على دراسات دقيقة عن عدد وطبيعة وغايات الوزراء الذين يحتكمون على مواقع أو صفحات بالفايسبوك. لكن يبدو لي أن المواقع التي سبق لي الاطلاع عليها تعطي الانطباع بأن المسألة هي إلى الموضة منها أقرب إلى التطلع للاتصال مع المواطنين، بدليل أن العديد منها يغلق حتى وإن كان السياسي لا يزال يفعل بالميدان العام.

وأعتقد أيضا أن الغاية من فتح بعض الوزراء لمواقع لهم على الفايسبوك غايتها الظهور بمظهر "الشاب"، العصري، الحداثي والمواكب للتطورات التكنولوجية. وهناك منهم من يريد، فيما أزعم، أن يعطي الانطباع بأنه فرد بالشبكة كباقي الأفراد المبحرين من بين ظهرانيها، وأنه مثلهم يتصل ويتفاعل ويتبادل الرأي والأفكار.

أنا أقول بأن في المسألة ما يشي بالموضة هو أن الفايسبوك بعيد كل البعد عن أن يتحول إلى أداة للنقاش العام وطرحه في الفضاء الافتراضي العام. السياسة عندنا بوار، والنقاش حولها أو فيها شبه غائب، والفاعلون السياسيون أصبحوا أقرب إلى المهرجين منهم إلى القادة والزعماء السياسيين. إذا كان الأمر كذلك بأرض الواقع، فكيف سيكون عليه الحال بالشبكة. ومع ذلك فأنا أقول بأننا في حاجة إلى دراسات دقيقة لمعرفة التفاصيل.

الأخبار: كيف يمكن للفيسبوك أو غيره من المواقع التواصل الاجتماعي أن يشكل مركز تفاعل و نقاش مع اخذي القرار بالمغرب؟

يحيى اليحياوي: يمكنه أن يكون كذلك لو استطاع أن يقوض الطابع الهرمي الذي لا يزال يميز طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو لنقل بين السياسي والمواطن العادي. هذه مسألة إشكالية كبرى. بمعنى أن المفروض أن تكون الشبكات الاجتماعية والفايسبوك تحديدا باعتباره كبير السحرة، المفروض أن تكون أدوات لتوسيع الفضاء العام، وتحويله إلى رافد من روافد الاستراتيجية الاتصالية لرجل السياسة.

ويمكنه أن يكون كذلك لو احتكمنا إلى زاوية رجع الصدى بين ما يقترحه المواطن وما يعمل السياسي على ترجمته بأرض الواقع. الحاصل أن السياسيين، لا سيما الذين لهم حسابات بالشبكات الاجتماعية لا يعيرون هذه الزاوية كبير اعتبار، إنهم يتصلون من أجل الاتصال أو لنقل يتصلون للتعبير عن كينونتهم ووجودهم الواقعي.

ويمكنه أن يكون كذلك أيضا لو كانت العلاقة بين السياسي والمواطن البسيط انسيابية وتفاعلية ومبنية على ثقافة الاتصال ورجع الصدى. يبدو لي بهذه النقطة أننا لا نزال بعيدين عن ذلك في الشكل كما في المضمون.

الأخبار: مقارنة بين تفاعل الوزراء المغاربة مع الفيسبوك بباقي الدول العربية و الغربية؟

يحيى اليحياوي: ليست لي معطيات للمقارنة، لكن يبدو لي أن الأمر لا يختلف كثيرا بين الوزراء من الماء إلى الماء. إنهم ينهلون جميعا من نفس ثقافة الانفصال والانفصام عن الجماهير، وبالتالي فلن تستطيع صفحة فايسبوك هنا أو هناك أن تغير في الأمر الشيء الكثير.

أنا دائما أقول إن العبرة في التكنولوجيا بالاستخدام وليس بالوصول، أعني الوصول إلى الشبكات والارتباط بها بهذا الشكل أو ذاك. الحاصل في الوطن العربي أننا انتقلنا إلى تكنولوجيا العصر بذهنية متخلفة ومتقادمة.

الشبكات الاجتماعية تستوجب للإفادة منها توفر مناخ في الحرية المفروض أن يكون متوفرا قبليا بأرض الواقع. هذه الشبكات لا تخلق هذا المناخ، إنها توسع من مجاله، تفسح له في الأفق وتعطيه فضاء أوسع. في حين أن مجتمعاتنا لا تزال تشتغل وفق منطق اتصال عمودي، هرمي، أبوي وتبعي. وهذه أمور لا تتساوق مع فلسفة الشبكات الرقمية، وضمنها الشبكات الاجتماعية.

الأخبار: هل يلغي الفيسبوك البيرقراطية الموجودة في علاقة السياسيين بمواطنيهم؟

يحيى اليحياوي: المفروض أن تتقوض بداخل هذه الشبكات كل أشكال الهرمية والعمودية والأبوية وصور الرقابة الذاتية. هذا هو المفروض. لكن القائم أنها ببلداننا العربية تكرس هذه الصيغ السلبية، لعدة أسباب لعل أهمها غياب مناخي الديموقراطية والحرية بمجتمعاتنا، وسيادة الرأي الواحد والأوحد بالعائلة كما بالحزب كما بالنقابة كما بالجمعية كما على مستوى الدولة كإطار وتنظيم سياسي.

أعود وأقول إن التكنولوجيا لا تعطيك إلا بالقدر الذي تعطيه أنت لها، بمنطق الاستخدام والاستعمال. وأقول أيضا بأن التكنولوجيا لا تغير الواقع، إنها تفترض توفره لتقوم بعكسه بالمجال الافتراضي.

* "الوزراء والفايسبوك: الفايسبوك أداة اتصال وليس تواصل"، استجواب، جريدة الأخبار، 13 ماي 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال