تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثورة ضد الثورة والشعب ضد الشعب

عزمي بشارة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، غشت 2013، 26 ص.

بمقدمة هذه الدراسة، يقول الكاتب: " لم تبدأ أحداث 25 يناير الاحتجاجية ثورة، ولكنها بدأت بوصفها تحركا شعبيا غاضبا ضد ممارسة أجهزة الأمن، وهي نفسها التي يدعى الآن أنها انضمت إلى ثورة جديدة هي ثورة 30 يونيو".

ويتابع القول: "منذ أن تجسدت شرعية الشعب في مؤسسات تمثيلية منتخبة، حولت القوى السياسية المعارضة شرعية الشعب إلى شرعية الشارع. واحتاجت أجهزة الدولة التي لم تتغير إلى شرعية الشارع، لكي تتحرك ضد سلطات منتخبة تمثل شرعية الشعب الدستورية".

ومن سخرية التاريخ، يلاحظ الكاتب، "أن القمع من دون مثل هذه الشرعية يكون أقل خطورة من القمع الذي الذي يستند إليها. فالأول قمع سلطوي، والثاني قد يتحول إلى قمع فاشي، يعبئ الشارع، قاصدا توجيه قطاعات المجتمع كلها في خدمة الهدف نفسه. فهو لا يترك الناس وشأنهم، بل يحاول أن يغير مفاهيمهم بوسائل الدعاية المعروفة، وأهمها التحريض وشيطنة الخصم، القائمان على صناعة الكذب والشائعات وتشويه السمعة، وغالبا ما يستعان باستثارة المشاعر الوطنية ضد الأيدي الأجنبية والمؤامرة لتخوين الآخر".

ويلاحظ الكاتب أنه كان ثمة عوامل عدة تجندت كلها لحشد "شرعية الشارع"، منها تفرد الإخوان بالحكم دون خبرة، ثم عوامل الثورة المضادة، التي أسهم فيها جهاز الدولة وفلول مبارك، لإفشال التجربة الديموقراطية عموما، لا تجربة الإخوان وحدها.

وقد "عمل الإعلام الخاص والدعم المالي الخليجي بكثافة، لإنتاج التعبئة الإعلامية وترويج أجواء الفشل والتشاؤم اللازمة لذلك. وعملت أحزاب معارضة للإخوان، على إزالة الحظر على التعاون مع الفلول ضد الإخوان، لأنه لم يعد هنالك منذ اليوم فلول، أي منذ أن أصبحت جماعة الإخوان المسلمين العدو الرئيس".

بامتداد لذلك، فإن ما وقع بين 30 يونيو و 3 يوليوز مثير للاهتمام، لا سيما وقد عرفت هذه الفترة خروج حركة شعبية انتهت بوقوع انقلاب عسكري، أو بثورة كما يقول البعض.

بهذه النقطة، يلاحظ الكاتب أن مصطلح انقلاب "يعني قلب السلطة، ولا يعني قلب نظام الحكم، بمعنى انقلاب أوساط من النظام على أوساط أخرى من النظام نفسه بوسائل غير دستورية. والعنصر الأهم هنا أن أحد أجهزة النظام أو مكوناته، ينقلب على الحاكم. وغالبا ما يكون الهدف من الانقلاب هو الوصول إلى الحكم، وليس تغيير النظام... أما الثورة فغالبا ما تكون تحركا شعبيا واسعا من خارج النظام، لتغيير نظام الحكم. وقد سميت بعض الانقلابات ثورة، كما حصل في انقلاب الضباط الأحرار عام 1952 في مصر، لأنه انتقل إلى تغيير النظام بتأييد شعبي".

الحديث هنا ليس حديثا في المفاهيم، بل في المصطلحات. والأهم في ذلك، يرى الكاتب، أن الخطاب السياسي لما بعد 3 يوليوز احتاج إلى كلمة ثورة، "وليس ذلك لإقناع الرأي العام فحسب، بل لإقناع المشاركين في 30 يونيو ذاته، بأن ما قام به ضباط 3 يوليوز هو انضمام إلى الثورة أيضا".

إن الكاتب لا يتلكأ في وصف ما حدث يوم 3 يوليوز بالانقلاب العسكري، "كان أول ما فعله هو تعليق الدستور وإحلال حكم القوة محل حكم الشرعية الدستورية والشعبية. فلم يعد الموضوع موضوع شرعية، بل أصبح السؤال هو سؤال القوة، القديم قدم السياسة. من هنا يبدو النقاش المتعلق بالتفاصيل منذ ذلك اليوم عبثيا، وأصبح الهدف هو المهم...فلم يعد القانون يحمي أحدا من المخالفين في الرأي. وبدلا من أن تحمي سلطة القانون ظهر المخالف في الرأي، أصبحت تطعنه في ظهره، بتلفيق التهم الجنائية بسبب خلاف سياسي، وراحت تحمي الغوغاء عند اعتدائها عليه، بدلا من أن تقيه إياها".

ويحسم الكاتب في القول عندما يعتبر أننا "أمام دولة ما زالت تتصارع فيها قيم الثقافة الديموقراطية والأصولية الدينية، وثقافتا الخنوع والكرامة الإنسانية، وثقافتا الحريات وقمع الحريات وغيرها".

نحن، يقول الكاتب، "أمام دولة لم تتضح فيها وكالة اجتماعية قوية لصيرورة التحول الديموقراطي بعد. وما زال عمودها الفقري تنظيم الجيش. أما أحزابها فلا تحمل تياراتها الأساسية ثقافة ديموقراطية، حتى يحكم أي منها وحده حكما ديموقراطيا... وأخيرا، نحن إزاء دولة لم يقبل جيشها الوطني بعد دوره في حماية الديموقراطية، وما زال يريد أن يملي إرادته فيما يتعلق بنظام الحكم في الدولة، إن لم يحكم مباشرة".

بالتالي، فحين "حكم أحد هذه الأحزاب بأغلبية انتخابية، سارع إلى التصرف مثل أي ائتلاف حاكم يقرر وحده، كما لو أنه كان في دولة ديموقراطية عريقة، وإلى التأكيد يوميا أن من حق المعارضة أن تعارض، ومن حقه أن يحكم، ولم يفهم على الإطلاق قضية الشراكة والوحدة الوطنية، التي يحتاج إليها فعلا في مواجهة جهاز الدولة القديم على الأقل. وفي المقابل، تصرفت المعارضة بوصفها معارضة فقط، ولم تتصرف بوصفها مسؤولا عن التحول الديموقراطي. ومن هنا، فإن مهمتها هي الإفشال فقط، أما إنجاح التجربة الديموقراطية، فليس من مهماتها. وسرعان ما قاد هذا إلى شرعنة التحالف مع الفلول والنظام القديم، وما لبثت الثورة أن تحولت إلى عكسها، حين أصبح النجاح حليف من تقبل به الفلول والأجهزة، لا حليف من يقبل بها".

ويلاحظ الكاتب أن شرعية الشارع التي يجب أن تلفظ شرعية الشعب هي من ابتكارات ثورة 25 يناير، في مقارعتها حجة النظام القائم على القوة والفساد والإفساد.

إن شرعية الشعب تتخذ في الدول الديموقراطية، "شكل انتخابات دورية، بناء على مبادئ دستورية متفق عليها، وتصبح شرعية الشعب شرعية الشارع حين لا تكون الانتخابات ممكنة، وذلك في النظام الاستبدادي. أما طرح شرعية الشارع ضد الانتخابات، فإنها تعني شرعية الشارع ضد شرعية الشعب... أما شرعية الشارع بوصفها تعبيرا عن شرعية الشعب، فتصلح حين تكم أفواه أفراد الشعب عن التعبير، وتشل أيديهم عن التصويت".

من هنا، يتابع الكاتب، "فإن أي محاولة لطرح العمل الجماهيري في النظام الديموقراطي شرعية بديلة عن الشرعية الدستورية، هي فعل شعبوي وليست بفعل شعبي. وحتى حين يكون هذا الفعل شرعيا، فإن هذا لا يعني أنه بديل من الشرعية".

بالتالي، يبدو للكاتب أن حركة 20 يونيو، على عظمة حشودها، لم تكن إلا "غطاء شعبيا لانقلاب عسكري ضد نظام حكم يتيح الانتخابات الدورية، وهي التي كان موعدها أصلا على الأبواب. أما من يصر على جعل 30 يونيو ثورة انضم الجيش إليها...فهذا يعني أنها ثورة مضادة... بمساندة من بقايا نظام الحكم القديم وأجهزة الدولة المعادية للثورة".

* "الثورة ضد الثورة والشعب ضد الشعب"، عزمي بشارة، نافذة "قرأت لكم"، 5 شتنبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال