تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحزاب الإسلامية في مرحلة ما بعد الربيع العربي

خليل العناني، مركز نماء للبحوث والدراسات، الرياض، غشت 2013، 25 ص.

ببداية هذه الدراسة، يقول الكاتب: "يعد صعود الأحزاب السياسية واحدة من السمات الرئيسة التي تؤسس المشهد السياسي في الشرق الأوسط الجديد. فبعد عقود من القمع الوحشي والإقصاء، فتح الربيع العربي أبواب السلطة للإسلاميين. ومن المغرب إلى مصر، كان أداء الأحزاب الإسلامية في الانتخابات كاسحا ومميزا منذ اندلاع الثورات في أوائل عام 2011. الأهم من ذلك، لقد ساعد الربيع العربي على إنهاء الصورة القديمة للإسلاميين باعتبارهم ضحايا الأنظمة الاستبدادية. لكن، كأصحاب مصلحة جديدة في خضم العمليات السياسية الرسمية، من الظاهر أن الإسلاميين سيحاولون بدون شك منع الأنظمة الاستبدادية القديمة من أن تولد جديد".

ويتابع بالقول بأن الربيع العربي يشكل "العديد من التحديات والتهديدات التي يتعرض لها الإسلاميون كحكام. ومن أجل العمل في جو حر وبيئة أكثر انفتاحا، يتطلب ذلك تكتيكات وآليات مختلفة. فلذلك، بدلا من العمل في المقعد الخلفي للسياسة كمعارضة، انتقل الإسلاميون إلى واجهة السياسة العربية كأصحاب سلطة هذه المرة".

إن التركة الثقيلة التي خلفتها الأنظمة المخلوعة تشكل تحديا للإسلاميين في مواجهة السياسات الاقتصادية والسياسية على حد سواء. وما يزيد في الطين بلة، يقول الكاتب، هي المشاكل المزمنة التي تطرحها كل من البطالة والفقر والفساد ... الخ،  والتي سوف تعيق قدرتها على حكم سلس.

ففي الوقت الذي يؤكد فيه بعض الباحثين على أن الربيع العربي لم يفعل شيئا يلاحظ الكاتب، "إلا أنه مكن للإسلاميين وزاد من قوتهم، على حساب بناء أنظمة جديدة تؤسس لديمقراطيات حقيقية، يرى البعض الأخر أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر دون دمج الإسلاميين في سيرورتها".

وعلى الرغم من أهمية هذا الجدل،  فان الحقيقة تكمن في أن هذا الربيع العربي قد نجح في الدفع بعملية طويلة من التغير والتحول، من شانها أن تضع نظريات الإسلاميين وممارساتهم على المحك.

يؤكد الكاتب أنه "على مدى القرن الماضي، مرت الحركة الإسلامية بثلاث مراحل تحول. كان التحول الأول هو إنشاء جماعة الإخوان المسلمين على يد المدرس المصري حسن البنا عام 1928. حينها بات الإخوان يعدون بمثابة حركة جماهيرية داخل العالم العربي، تسعى إلى الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي. استطاع البنا إبانها وبنجاح أن يحول نخبوية خطاب الإصلاح الإسلامي الذي كان يتبناه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في غضون القرنين التاسع عشر والعشرين، إلى حركة اجتماعية شعبوية. مند ذلك الحين، أصبحت الإيديولوجية الإسلامية أكثر وضوحا للكثيرين في العالم العربي وخارجه".

أما التحول الثاني في التاريخ الحديث للحركة الإسلامية، فيتمثل، برأي الكاتب، في الثورة الإيرانية للعام 1979. و"هي المرة الأولى مند تفكك الدولة العثمانية في عام 1924، يستطيع الإسلاميون الوصول إلى مقاليد السلطة ليؤسسوا ما أصبح يعرف آنذاك بـ الدولة الإسلامية. لقد سمحت الثورة الإيرانية أخيرا عند الكثيرين من الإسلاميين بصياغة الإيديولوجية الإسلامية ضمن نظام سياسي".

أما التحول الثالث، وهو الأكثر أهمية في تطور الحركة الإسلامية بنظر الكاتب، فقد "كان هو الربيع العربي، ليس لأنه سمح للإسلاميين بالاستيلاء على السلطة من خلال صناديق الاقتراع، ولكن، في واقع الأمر، بسبب تبعات مثل هذا التطور على مستوى إيديولوجية وتكتيكات هؤلاء الإسلاميين".

وبنا عليه، فإن الانتقال من موقع المعارضة إلى الحكومة جعل الإسلاميين يواجهون مخاطر جمة وتحديات كبرى. إذ من الآن فصاعدا، لن يتمكنوا من توظيف "المحنة" و"المظلومية" في محاولة شرعنة وتبرير مواقفهم وممارساتهم السياسية. بدلا من ذلك، سوف يقفون في موقف لا يحسدون عليه، ذلك لأنهم "سوف يكونون محاسبين على أفعالهم و قراراتهم بشكل أكثر شدة. بعبارة أخرى، فإنه للحفاظ على خاصية الجذب و القوة، يتعين على الإسلاميين أن يقدموا تنازلات، ومن ثم التفاوض ليتمكنوا من التغيير والتحول".

بصلب كل ذلك، يلاحظ الكاتب أن الجدل القديم حول ما إذا كان الإسلام والديمقراطية متوافقان، يبدو الآن أنه أمر غير مناسب. لقد أثبت الربيع العربي "أن الإسلاميين، دون ذكر المسلمين، حريصون على بناء مؤسسات ديمقراطية معول عليها في كل المناحي. لكن ما يسترعي الانتباه هو أن الشباب العربي الذين خرجوا إلى الشوارع في تونس ومصر وليبيا واليمن وأماكن أخرى، كانوا في حقيقة الأمر لا يدعون إلى دولة إسلامية، بل لم يكونوا يحتجون ضد الدين حتى. كانوا في الواقع يطالبون ويلحون على الحرية والعدالة والكرامة، التي أصبحت فيما بعد القيم الأساسية التي يسعى الربيع العربي إلى تحقيقها".

من جهة أخرى، يقر الكاتب بأن الوضع الإسلامي الجديد في العالم العربي هو في منأى ولا يزال بعيدا عن التوحد والتجانس، بل إنه في الواقع يتصف بطبيعة مرنة  ودينامية حثيثة، وأكثر إثارة للجدل بشكل ملحوظ.

فبالإضافة إلى الإسلاميين المؤسسين مثل الإخوان المسلمين في مصر وليبيا، وكذا النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب، "هناك أيضا الفاعلون الإسلاميون الناشئون الجدد. هم في الواقع يأتون من خلفيات إيديولوجية وسياسية مختلفة، متأرجحين  من الأكثر محافظة إلى الإصلاحيين، وكذا من المعتدلين إلى المتطرفين، هذا فضلا عن السلفيين المسيسين، والجهاديين السابقين والإسلاميين السابقين والصوفيين....الخ".

ففي مصر مثلا، تم تأسيس زهاء 15 حزبا إسلاميا، بعضها رسمي وبعضها غير رسمي، وذلك مند الإطاحة بمبارك ونظامه. كل هذه الأحزاب أنتجتها إيديولوجيات إسلامية مختلفة. و ما يثير الدهشة هو أن السلفيين الذين كانوا يتبرمون من ممارسة السياسة باعتبارها أمرا منهيا عنه دينيا، أي "حرام"، أصبحوا الآن فاعلين أساسيين في السياسة المصرية. لقد هبوا بكثافة نحو الانتخابات السياسية وفازوا بـ 25% من مقاعد مجلس الشعب المصري، يوثق الكاتب.

ثم هناك ما بدأ يصطلح عليهم بـ "الإسلاميين اللارسميين". هذه الفئة لا تنتمي بصفة رسمية للحركات والجمعيات الإسلامية، كما أنها ليست حريصة على إنشاء أحزاب أو منظمات خاصة بها. ومن المفارقات أنها تجنبت الانضمام إلى الأحزاب الجديدة التي أنشأها الربيع العربي، "فاختارت أن تكون متحررة وخالية من الأعباء التنظيمية و الهرمية".

يعتمد "الإسلاميون اللارسميون" بشكل كبير جدا على الشبكات الاجتماعية و القرابة وصلات الصداقة والتكنولوجيات الجديدة، في سبيل نشر فكرهم وتوسيع نفوذهم. كما أن لديهم أتباع من مختلف الطبقات الاجتماعية سواء الحضرية أو الريفية، والفقراء والأغنياء، وفي المدارس و الجامعات، وغيرها من الأطياف والتلوينات الاجتماعية. بالنسبة إليهم، فالباعة المتجولون في الشوارع والأزقة لا يقلون في واقع الأمر أهمية عن أساتذة الجامعات.

ففي مصر، على سبيل المثال، ظهرت الكثير من الطوائف الإسلامية "اللارسمية" مند قيام الثورة. أربعة من  المرشحين الإسلاميين الذين تنافسوا على الاستحقاقات الانتخابية، جاءوا بالفعل من تيارات إسلامية "غير رسمية": وهم حازم صلاح أبو إسماعيل، والذي كان الأوفر حظا في الانتخابات، قبل أن يتم استعباده لأسباب قانونية ذات صلة بجنسية أمه المزدوجة، و كذا عبد المنعم أبو الفتوح الذي أقصي في الجولة الأولى، إلى جانب محمد سليم العوا المرشح الإسلامي الثاني الذي خسر الانتخابات. كلهم "كانوا دعاة صرحاء متمتعين بكاريزما مؤثرة، ومدعمين ومؤيدين بأتباع. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت العديد من الشبكات الإسلامية مند الثورة المصرية، بما في ذلك الجبهة السلفية وشبكة حازمون واللجنة الفقهية للحقوق     والإصلاح"...الخ.

يلاحظ الكاتب إذن أن الكثير من الإسلاميين قد نأى بنفسه عن "المطلق الديني" وثنائية الحلال و الحرام، واعتمدوا النسبية والبراغماتية. فقد حولوا خطابهم من الهوامش الإيديولوجية الضيقة نحو المركز السياسي. وهكذا، أصبحت لغة السياسة تطغى على خطابهم الديني. قبل الربيع العربي، كانت المصطلحات مثل الانتخابات والديمقراطية والمواطنة مستغربة وذات حمولة مدنسة بالنسبة لهم وخصوصا السلفيين منهم.

ومع ذلك، "فهم يستعملون هاته المصطلحات في خطابهم اليومي، مما يدل على أن علمنة الإسلاميين قد بدأت، وإن بشكل خفي. خلال الحملات الانتخابية في مصر وتونس والمغرب، تخلت الأحزاب الإسلامية عن الدعاية الدينية والعقائدية. لم يكونوا يعدون صراحة بالجنة ولا الفردوس الأعلى لمن يصوت لصالحهم، و لكن بدلا عن ذلك، تعهدوا بتحسين الاقتصاد ومحاربة الفساد وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لذلك أدرك الإسلاميون على نحو متزايد بأن شرعيتهم لا تنبع من المسجد فقط، بل من أدائهم الوظيفي في إدارة الشأن العام وتدبيره".

إلا أن ذلك لم يخل من صراعات بين/إسلامية عميقة وحقيقية يقول الكاتب. "فبالإضافة إلى الخلافات اللاهوتية والعقائدية، أصبحت الانقسامات الإسلامية الآن تطال مختلف الخطوط والجبهات. على سبيل المثال، احتدم الخلاف في تونس بين حزب النهضة والسلفيين المحافظين حول قضايا الحريات العامة ودور الدين في المجال العام. وبالمثل في مصر، صارت العلاقة بين السلفيين والإخوان المسلمين متوترة وغير مستقرة. كلاهم يحاول توسيع نفوذه وحضوره خارج دوائره الانتخابية التقليدية، مما يخلق التوتر بينهما. حتى داخل المعسكر الإسلامي الواحد، يبدو أن الصراعات والمنافسة باتت أمرا لا مناص ولا مفر منه، بل ويبدو  كذلك أن طابع التماسك والانضباط التنظيمي الذي توصف به الحركات الإسلامية، بات الآن في حالة التلاشي والاضمحلال".

بكل الأحوال، يقر الكاتب، فحتى الآن أظهر الإسلاميون في كل من مصر وتونس والمغرب براغماتية حقيقية، حيث استجابوا بشكل مسؤول للتغيرات الداخلية والخارجية التي تواجهها بلدانهم على مدى العقود الثلاثة الماضية. فقد "كان خطاب الإسلاميين وعقليتهم منشغلا بمسألة أسلمة ممارسات المجتمع والدولة و كذا الحياة اليومية. ففي  الوقت الذي تبنى فيه الإسلاميون أو الجهاديون العنيفون، الشدة والعنف كوسيلة سياسية وحيدة لتحقيق هاته الأهداف، تبنت القيادات المعتدلة في المقابل الوسائل السلمية. كلاهما يعتبر أن تطبيق الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للشرعية، لكن، في أعقاب الربيع العربي، تغيرت أجندة الإسلاميين بشكل لافت. وبدا الإسلاميون الجدد منشغلين الآن بثلاث أهداف مختلفة : حكامة جيدة، وتحسين الاقتصاد، وتحقيق الاستقرار".

علاوة على ذلك، فقد أصبحت برامج الإسلاميين الانتخابية في مصر وتونس والمغرب تكشف عن تحول في أولوياتها. ففي مصر، على سبيل المثال، لم يستعمل الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة شعار الحركة "الإسلام هو الحل". وركزوا في المقابل على الكيفية الاستعجالية للتغلب على الفقر ومحاربة الفساد و تحقيق العدالة الاجتماعية.

و من المفارقات، "فإن برنامج الإسلاميين صارت تؤيد اقتصاد السوق الحر وتدعم سياسات الخصخصة. وبالمثل، تعهد حزب العدالة والتنمية في المغرب بالقضاء على الفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة، وإعادة بنائها على أسس شفافة وخاضعة للمساءلة.  أما في تونس، فقد أكد راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، باستمرار على أن حزبه لن يتوانى في محاربة الفساد والقضاء على الفقر".

ويدرك الإسلاميون جيدا العلاقة الوطيدة بين الاستقرار والنمو، وكذلك الحاجة إلى التخفيف من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا "يركزون على كيفية خلق تحفيزات سياسية وقانونية من شأنها جلب استثمارات أجنبية مباشرة، وكذلك تشجيع الشركات التجارية. بالنسبة للإسلاميين، ليست القضية الفلسطينية هي أولى الأولويات، ولكن الاستقرار والتطور يحتلان الأولوية في جدول أعمالهم".

فحركة الإخوان المسلمين مثلا، والتي هي أصل حركة المقاومة الفلسطينية حماس، تعهدت باحترام بنود اتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل. ولم تقف حركة الإخوان عند هذا الحد، بل تعدته وضغطت على حماس من أجل أن تكون أكثر واقعية في تعاملها مع إسرائيل.

ويلاحظ الكاتب أن الواقعية أضحت هي الكلمة الرئيسية لفهم سياسة الإسلاميين الخارجية، حيث أنهم على وعي تام بالتغييرات السياسية والاستراتيجية التي جاء بها الربيع العربي. وبالتالي أبانوا عن استعدادهم للتخلي عن مواقفهم الدوغمائية والإيديولوجية، وتبني الواقعية في كل ما يخص إعداد جدول أعمال سياستهم الخارجية.

فمثلا "تبنى الإسلاميون مواقف عدائية تجاه الغرب لعقود كثيرة. لكن عقب الربيع العربي، مال العديد من الأحزاب الإسلامية إلي إعادة بناء علاقاتهم بالغرب، وفق الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة".

ويؤكد زعماء النهضة بشكل متكرر على الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه الإتحاد الأوروبي في مساعدة الديمقراطية الناشئة بتونس. ويبدو كذلك  أن حزب العدالة والتنمية في المغرب واقعي في بناء علاقته مع الغرب، حيث تعهد في برنامجه بدعم اتفاقيات التجارة الحرة مع الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب بالإضافة إلى دعم رؤية الملك وسياسته تجاه القضية الفلسطينية. كما أبانت كذلك حركة الإخوان عن استعدادها للتخلي عن خطابها الدوغمائي والإيديولوجي تجاه الغرب.

بالمحصلة، يلاحظ الكاتب أنه في أعقاب أحداث الربيع العربي، "تجد الأحزاب الإسلامية نفسها على حافة تحول تاريخي، يمس إطارها الإيديولوجي وأولوياتها واستراتيجياتها. بحيث لم يعد السؤال هو من يدافع عن الإسلام، ولكن من يتحدث باسم الإسلاميين".

* "الأحزاب الإسلامية في مرحلة ما بعد الربيع العربي"، خليل العناني، نافذة "قرأت لكم"، 8 غشت 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال