تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"يوميات العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران" (9)

10 أبريل 2026

بلدان الخليج الخمسة جربت الأميركان لعقود عدة...شيدوا بها أكثر من 14 قاعدة عسكرية...وباعوها سلاحا بملايير الدولارات...وابتزوها بصفقات تجارية ضخمة، بشراء أصول أو استثمارات أو مساهمات مالية من خلف ستار...لا يقدم الأميركان شيئا يستاهل كل ذلك ...يزرعون الخوف في قلوب حكامها، فيرهبونهم ويبتزونهم بواضحة النهار...وعدوهم بالحماية من عدو وهمي، وهددوهم بالسقوط إن لم يؤدوا الجزية..."في يوم وليلة"، زار ترامب المنطقة ببداية عهده، فجمع وضمن لشركات بلاده ما يناهز 5000 مليار دولار، ثم رحل وفي حوزته الشخصية طائرة من أمير قطر ب 200 مليون دولار...عندما انطلق العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران، انطلق في جزء كبير منه من القواعد العسكرية هناك، أي من أرض خليجية، بسيادة بترت القواعد إياها نصيبا منها...إيران ردت من حيث أتتها الضربات... ثم حيثما وجدت المخابرات وأجهزة التجسس الأميركية والإسرائيلية المتخفية بالمدن ومن بين السكان...القواعد الأميركية بالبلدان الخمسة لم تعد تستطيع حماية نفسها، فما بالك أن تحمي البلد حيث هي...باتت الحاجة إليها منتفية بتحصيل حاصل، مادامت عاجزة عن القيام بالمهمة المطلوبة...فبدأ الحديث، وإن على استحياء، عن ضرورة رحيلها...ضررها بات بنظر الغالبية من الناس، أكثر من نفعها بكثير...بلدان الخليج جربت الأميركان إذن...ماذا لو تجرب التحالف مع إيران هذه المرة؟...فهي بكل الأحوال قدرها الجغرافي المحتوم، وجارها الذي لا يمكنها التخلص منه...لن يختلفوا كثيرا عمن سيكون العدو...نتنياهو رسم لهم الطريق جميعا، وسهل عليهم المهمة بإعلانه النية لإقامة إسرائيل الكبرى...أي لاستعبادهم ومصادرة مقدراتهم...لو وجدت بلدان الخليج الخمسة، صيغة ما للتحالف الصادق مع إيران، ثم مع العراق ولربما مع تركيا وباكستان، فسيكون للمشهد مذاق آخر...هذه ليست أماني عابرة...هذه حسابات جيو/استراتيجية بسيطة من وحي الواقع ومن قلب الميدان...

11 أبريل 2026

المفاوضات بين الأميركان وإيران تجري اليوم بوساطة وترتيب من باكستان...لا ندري على أي بر سترسو البواخر...بيد أنني أتعجب من الذين يقرأون المشهد من منطلق الربح والخسارة فقط...الذين ينتظرون من سيفرض شروطه على الآخر...الإيرانيون خبراء أشداء في المفاوضات...عانوا كثيرا، واستماتوا وصبروا وتعلموا...الأميركان يفاوضون "والمسدس فوق الطاولة" كما يقال...فيما يفاوض الإيرانيون وهم متمترسون خلف مطالبهم وحقوقهم: الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية خالصة، ثم رفع العقوبات الظالمة التي تطالهم لحوالي نصف قرن من الزمن...يفاوضون هم أيضا و"مصيدة هرمز منصوبة فوق الطاولة"..."مسدس قبالة مصيدة"...أتابع بانتظام، منذ بدأ العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران، كتابات وتصريحات البروفيسور جون ميرشايمر، عالم السياسة الأميركي البارز، وصاحب الكتب الرصينة في "واقعية العلاقات الدولية الجديدة"...قرأ وحلل كل حروب أميركا، وخلص لنفس النتيجة: الولايات المتحدة الأميركية كانت بكل حروبها، هي الطرف الأقوى...فيما أعداؤها، فيتنام وأفغانستان والعراق، هم الطرف الأضعف...لكن الطرف الأضعف سرعان ما يتحول بمرور الزمن، إلى الطرف الأقوى...لأنه ينجح في تحويل الصراع من صراع حاسم إلى صراع طويل، من صراع عسكري إلى صراع سياسي، ومن صراع استئصال إلى صراع استنزاف...في الحالة الجارية، يرى البروفيسور ميرشايمر أن إيران هي من يقود المفاوضات وليس أميركا...هي بنظره، من يملك الأوراق "الرابحة" التي يمكنها توظيفها لاستنزاف الأميركان...إذ كلما طال أمد الحرب، وهي لا تزال جارية حتى وإن خف وطيسها، ف"سيشتد يأس واشنطن، وستسعى للخروج بأي شروط...لكن الإيرانيين بنفسهم الطويل، لن يمنحوا ترامب خيارا جذابا للخروج" (انتهى الاقتباس)...يقال إن الهنود هم من اكتشف لعبة الشطرنج...ويقال أيضا إن الإيرانيين هم من طورها، ليكون المرء وهو بحضرتها، طويل النفس...

12 أبريل 2026

لماذا فشلت المفاوضات بين الأميركان وإيران في إسلام أباد؟...الوفد الإيراني المفاوض، تكون من 71 شخصية...بحثت في السير الشخصية لأهمهم، فوجدت: محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، رئيس الوفد... دكتوراه في الجغرافيا السياسية من جامعة تربية مدرس بطهران...عباس عراقشجي، وزير الخارجية، دكتوراه في الفكر السياسي من جامعة "كينت" البريطانية...عبد الناصر همتي، دكتوراه في الاقتصاد جامعة طهران/جامعة لندن...مجيد روانجي، دكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة برن الألمانية...محمد باقر ذو القدر، دكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة طهران...رضا أميري مقدم، سفير إيران بباكستان، دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة طهران...علي أكبر أحمديان، عضو المجلس الأعلى للأمن القومي، دكتوراه في طب الأسنان، وأخرى في الإدارة الاستراتيجية من جامعة طهران...علي باقر كني، نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، دكتوراه في الاقتصاد من جامعة الإمام الصادق...إسماعيل أحمدي مقدم، رئيس جامعة الدفاع الوطني، دكتوراه في العلوم الأمنية والاستراتيجية من جامعة طهران...إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، دكتوراه في القانون الدولي من جامعة طهران...بالوفد الأميركي: جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، محام وصحفي سابق في سلاح مشاة البحرية...ستيف ويتكوف، دكتوراه في القانون الدولي، محام ومستثمر ومنعش عقاري كبير...جاريد كوشنير، باكلوريوس حكومية...صهر الرئيس ترامب...مستثمر وابن مستثمر عقاري معروف...الأميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية...خريج الأكاديمية البحرية الأميركية...أما بقية الوفد، فمستشارين سياسيين وعسكريين وإعلاميين...الوفد الإيراني جاء محملا بتفويض كامل لاتخاذ القرار بعين المكان...أما الوفد الأميركي، فيقول عنه عراقشجي: "الوفد الأميركي لا يملك السلطة الضرورية لإبرام اتفاق...لقد اتصل دي فانس بترامب أكثر من 12 مرة خلال ال 21 ساعة التي كنا نتناقش خلالها...واتصل أكثر من مرة بنتنياهو"...أما قاليباف، فيقول: "الولايات المتحدة بحاجة لمفاوض قادر على إبرام الاتفاق دون تردد، وليس إلى شخص يحتفظ بهاتفه بين يديه طيلة الوقت، كي يستشير كطفل صغير، والده أو عمه" (انتهى الاقتباس)...كيف للأميركان أن يصمدوا أو يطوعوا وفدا بهذه المواصفات؟ ... بتكوين أكاديمي عالي...بعقيدة قومية راسخة...بتجربة على الأرض حقيقية...بأوراق ضغط قاتلة، بقدرة على التحمل جبارة وبتفويض مطلق من القيادات العليا؟...يبدو أن تركيبة الوفد الإيراني كانت لوحدها كافية لإفزاع الأميركان وردعهم، ورد شروطهم...

13 أبريل 2026

حرب المضايق...مضيق هرمز...مضيق تايوان...مضيق باب المندب...الأميركان أغلقوا مضيق هرمز...أغلقوا المغلق... وأعادوا حصار المحاصر...20 بالمائة من التجارة الدولية للطاقة باتت إذن تحت الحصار الأميركي المباشر...أكثر من 10 بالمائة من واردات الصين من النفط تأتي من إيران، وعبر مضيق هرمز تحديدا...80 إلى 90 بالمائة من صادرات إيران من النفط تذهب للصين...لو أغلق مضيق هرمز، فإن الصين لن تركن للصمت...قد تغلق هي الأخرى مضيق تايوان، من حيث يأتي معظم ما تستورده أميركا من مكونات التكنولوجيات المتقدمة (أشباه موصلات، رقائق دقيقة، هواتف الأجيال الجديدة، صناعة الطيران والفضاء...الخ) ومدخلات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، رهان الشركات الأميركية الكبرى...تايوان دولة قائمة... لكن الصين تعتبرها جزءا منها...وتعتبر أن المياه المحيطة بها، تماما كالمضيق القار، هي مياه إقليمية صينية بامتياز...لو اضطربت سلاسل تصدير أشباه الموصلات لوحدها، من تايوان لأميركا، فسيتوقف القلب النابض لقطاع التكنولوجيات المتقدمة في أميركا...أما الحوثيون، حلفاء إيران في اليمن، فقد يعمدوا هم الآخرين، إلى إغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر، حيث تمر 10 بالمائة من تيارات النفط العالمية المتوجهة لأوروبا وآسيا...لو أغلقت المضايق الثلاثة، فمعناه اختناق اقتصاد العالم برمته...يقال إن لإيران أذرعا في لبنان والعراق واليمن...ها هي قد أضافت إليها أذرعا جديدة إسمها المضايق...إيران عانت الحصار لحوالي خمسة عقود من الزمن...ألفته وتعلمت منه، وباتت تعرف كيف تتحايل عليه...ها هي اليوم تنقله لكل بلدان الدنيا، كي تتذوق هي الأخرى، جزءا منه في صناعتها وتجارتها ونقلها ورخائها...الإيرانيون هم من طور لعبة الشطرنج... تجدهم الآن يفكرون كيف يجب تحريك القطع لأسر الملك بهذا المضيق أو إماتته بذاك...كذلك الشأن بالنسبة للطرف الغريم..."لعبة على المكشوف"...

14 أبريل 2026

إيران ليست فنزويلا...تخيل ترامب أن طريقة إسقاط إيران وتركيعها لا تختلف، ولا يمكن أن تختلف في ذهنه، عن الطريقة التي تم بها إسقاط الرئيس الفنزويلي، وتعويضه بنائبة له موالية إلى حد بعيد للأميركان: قصف عنيف ومستمر من الجو، ثم قطع رأس النظام، ثم النفخ في المعارضة، ثم تعيين نظام جديد بديلا عن المتهالك المهزوم... حصار فنزويلا لم يكن أمرا صعبا، إذ للأميركان سطوة جوية وبحرية كبيرة في محيط الكارايبي...أحاطوا البلد بكل أساطيلهم، فمنعوا عنه كل منافذ تصدير النفط، مصدره الكبير والأوحد... إيران دولة مترامية الأطراف، بحغرافيا معقدة وبحلفاء من حولها (الصين وروسيا)، خذلوا فنزويلا بغفلة منهم، لكنهم لا يستطيعون التخلي عن إيران لأن في ذلك مقتلهم...لم تكن لفنزويلا أوراق ضغط كبرى ولا حلفاء، فيما لإيران بالمنطقة، روافد تسندها، بالعراق، بمحاذاة إسرائيل وبالبحر الأحمر...أما رافد مضيق هرمز، فيمنحها لوحده، هامش مناورة وضغط كبيرين على الأميركان وعلى اقتصاد العالم على حد سواء...اختطف الأميركان الرئيس الفنزويلي، فلم يعد لخطه إلا القليل من الأتباع...حتى الجيش والحرس من حوله، تشتتوا وتبرأوا منه، ولربما تواطأوا على مصيره... فيما اغتيل كبار القادة في إيران، ولم يسقط النظام...أعاد تماسكه وعين البدائل بسرعة متناهية، ثم استمر في المواجهة على نفس الخط وبنفس الخطة...لم يكن لفنزويلا طموحات بناء مشروع نووي... ولا كان لها سابق عداوة أو ثأر مع إسرائيل...ولا قامت بتهديد جيرانها أو التحرش بهم...عيبها أن بها أكبر احتياطيات النفط في العالم...أما إيران، فيحسب كل ذلك ضمن سجل خطاياها التي لا تغتفر...إيران كانت تدرك ومن زمن بعيد، أن "العين عليها" من لدن الأميركان وإسرائيل...فأعدت نفسها جيدا ليوم آت... لا ريب فيه...أما الرئيس الفنزويلي، فلم يستشرف القادم والخطر يداهمه بعقر قصره...تراخى واستهان، فكان في ذلك هلاكه المحتوم...

 

نافذة "رأي في الشأن الجاري"

4 ماي 2026

يمكنكم مشاركة هذا المقال