يعتبر الدكتور يحيى اليحياوي واحداً من أبرز المفكرين والباحثين المغاربة الذين كرسوا حياتهم العلمية لتحليل قضايا التكنولوجيا، الاتصال، والسياسة. وفي كتابه المتميز “حصار الإعلام”يضعنا اليحياوي أمام مرآة كاشفة لواقع معقد يعيشه الإعلام في منطقتنا العربية بشكل عام، وفي المغرب بشكل خاص. إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد نظري، بل هو صرخة بحثية تحاول فك الشفرات التي تحكم سيطرة القوى المختلفة على تدفق المعلومات وتشكيل الوعي العام.
في عالم اليوم، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح أداة استراتيجية في يد السلطة والمال. من هنا تبرز أهمية دراسة حصار الإعلام كظاهرة متعددة الأبعاد، حيث يرى اليحياوي أن الحصار لا يأتي فقط من الرقابة المباشرة، بل يتعداه إلى حصار تكنولوجي واقتصادي يحد من قدرة الإعلام على أداء رسالته النبيلة في تنوير المجتمع.
لماذا يجب عليك قراءة كتاب “حصار الإعلام” اليوم؟
إذا كنت طالباً في علوم الإعلام، أو باحثاً سوسيولوجياً، أو حتى قارئاً مهتماً بفهم كيفية صناعة الرأي العام في المغرب، فإن هذا الكتاب يقدم لك إجابات شافية ومبنية على معطيات دقيقة. يتناول اليحياوي في مؤلفه حصار الإعلام: دراسات في المشهد الإعلامي العربي المعاصر، كيف تحولت المنصات الإعلامية من منابر للحوار إلى أدوات للضبط الاجتماعي والسياسي.
الحقيقة المذهلة التي يطرحها الكتاب هي أن الإعلام العربي يعاني من “تبعية مزدوجة”؛ تبعية للنماذج الغربية الجاهزة، وتبعية للمراكز المالية والسياسية المحلية. هذا الوضع أدى إلى خلق “حصار” غير مرئي يمنع ظهور إعلام حر ومستقل وقادر على مواكبة التحولات الديمقراطية المنشودة.
الترابط بين الإعلام والمنظومات السياسية
لا يمكن فهم “حصار الإعلام” بمعزل عن البيئة السياسية التي ينشط فيها. فالعلاقة بين الإعلام والسياسة هي علاقة عضوية، حيث يؤثر كل منهما في الآخر بشكل مباشر. لفهم هذه الجدلية بعمق، ينصح الباحثون بالاطلاع على أعمال أخرى تتناول البنى السياسية، مثل كتاب متغيرة الطبع، والذي يقدم إطاراً نظرياً يساعد في استيعاب كيف تتحول الأنظمة في ظل الضغوط الإعلامية والاجتماعية.
إن الإعلام في المغرب، كما يحلله اليحياوي، يعيش تحت وطأة تحولات متسارعة. فبينما وفرت التكنولوجيا الرقمية مساحات جديدة للحرية، إلا أنها جلبت معها أيضاً أشكالاً جديدة من الحصار، تتمثل في الخوارزميات، والجيوش الإلكترونية، وهيمنة الشركات الكبرى على المحتوى الرقمي.
محاور الحصار في فكر يحيى اليحياوي
يركز الدكتور اليحياوي في تحليله على عدة محاور أساسية تشكل بمجموعها حالة “الحصار” التي يعاني منها الإعلام:
الحصار التشريعي: القوانين التي تضع قيوداً فضفاضة تحت مسميات مختلفة، مما يؤدي إلى ممارسة الرقابة الذاتية من قبل الصحفيين.
الحصار الاقتصادي: ارتهان المؤسسات الإعلامية للإعلانات التجارية أو الدعم الحكومي، مما يفقدها استقلاليتها التحريرية
الفجوة الرقمية وتبعية المنصات المحلية للشركات العالمية (GAFA) الحصار التكنولوجي: مما يجعل المحتوى العربي والمغربي خاضعاً لمعايير خارجية.
الحصار المهني: تراجع جودة التكوين الصحفي وغياب المواثيق الأخلاقية الصارمة التي تحمي المهنة من الدخلاء.
تأثيرات الإسلام السياسي على المشهد الإعلامي
من النقاط الجوهرية التي لا يغفلها الباحثون في الشأن العربي والمغربي هي تقاطع الإعلام مع الحركات الأيديولوجية. وقد خصص اليحياوي مساحات واسعة لنقاش هذه القضايا في أعماله المختلفة. وللتعمق أكثر في فهم الخلفيات الفكرية التي تؤثر على الرأي العام، يمكن الرجوع إلى كتاب تأملات في الإسلام السياسي في محاورة جم – الجزء الأول، وأيضاً متابعة التطورات في الجزء الثاني من تأملات في هذه المصادر توفر رؤية شاملة لكيفية توظيف الإعلام في الصراعات الأيديولوجية.
الخلاصة: هل هناك مخرج من حصار الإعلام؟
لا يكتفي يحيى اليحياوي بتشخيص الداء، بل يلمح في ثنايا كتابه إلى ضرورة بناء “إعلام بديل” يعتمد على المصداقية، الاستقلالية المالية، والتمكين التكنولوجي. إن فك “حصار الإعلام” يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومجتمعاً مدنياً واعياً، وصحفيين مؤمنين برسالتهم بعيداً عن الإغراءات أو التهديدات.
كتاب “حصار الإعلام” هو دعوة للتفكير النقدي وعدم التسليم بكل ما يعرض في الشاشات أو ينشر في المنصات الاجتماعية. إنه مرجع لا غنى عنه لكل من يريد فهم “ماكينة” الإعلام وكيفية عملها في الظل.
ووركبيرو، 28 أبريل 2026
https://workbureau.ma/produit/%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85/