Aller au contenu principal

الربا والفائدة بين الفقه والاقتصاد

كمال توفيق حطاب، مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، الدوحة، 2020، 18 صفحة

يتفق الفقهاء والمفسرون على أن الربا كان من آخر ما حرم في القرآن الكريم. إلا أنهم يختلفون اختلافا واسعا حول كثير من فروعه وجزئياته، "مثل حقيقة الأموال الربوية وما يندرج تحتها، وما العلة المشتركة الجامعة بين الأموال الربوية، وكذلك جزئيات الربا الخفي.. الخ. كما اختلفوا حديثا حول حكم التعامل بالفائدة المصرفية، خاصة في البلدان غير الإسلامية".

يتساءل الكاتب: "ما هو الربا المقطوع بحرمته؟ وما الحكمة في ذلك؟ وهل الفائدة مقطوع بحرمتها؟ وهل حكمة تحريمها هي نفس حكمة تحريم الربا؟ وهل يختلف النظام الاقتصادي الإسلامي عن الغربي في موضوع تحريم الربا فقط؟ ما أثر الخلافات الفقهية حول تحديد الربا وصوره المحرمة على بعض المعاملات في الدول الغربية، مثل الرهن العقاري وقروض الطلبة؟".

 الربا في الشريعة الإسلامية قسمان: ربا ديون وربا بيوع.

* ربا الديون أو ربا النسيئة أو ربا القرض، "هو الزيادة المشروطة التي يتقاضاها الدائن من مدينه نظير الأجل، وإذا ما عجز المدين عن السداد، فإن الزيادة سوف تتضاعف وتتضاعف". هو الربا الذي كان معروفا في الجاهلية، فعرف بربا الجاهلية.

* ربا البيوع ويسمى ربا السنة، لأن تحريمه جاء بالسنة من خلال أحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو نوعان: ربا الفضل، ويحدث في حالة بيع المال الربوي بجنسه متفاضلا، مثل بيع الذهب بالذهب متفاضلا، كالدينار بالدينارين أو الدرهم بالدرهمين أو الدولار بالدولارين...إلخ. ثم ربا النساء، وهو "بيع المال الربوي بجنسه أو بغير جنسه مؤجلا، مثل بيع الدينار بالدينار مؤجلا أو بيع الدينار بعشرة دراهم مؤجلة". روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".

إن الإسلام عندما حرم الربا وتشدد في تحريمه، وحارب آكليه وكل المتعاملين به، فإنما كان يريد "القضاء على الظلم الناجم عنه، وبالتالي تطهير المجتمع من الاستغلال والحقد والكراهية، وإن هذه الآثار التي كانت تنجم عن مبادلة صاع تمر بصاعين، أو دينار بدينارين، لا زالت تظهر وبشكل أكثر خطورة عند مبادلة ألف دولار بألفين، مئة طن من القمح بمئتين".

في الفكر الاقتصادي القديم ومنذ أيام الإغريق، نهى أفلاطون في كتابه القانون عن الربا وكان أرسطو يلعن الربا والمرابين، ويعتبر أن النقود لا تلد النقود، وكذلك في العصور الوسطى نجد توما الأكويني يحذر من الربا وكذلك لينكول أوريزم، ووضعت الكنيسة المرابين في خانة المومسات، وكانت صارمة في قراراتها بتحريم الربا، واستمرت كذلك حتى عام 1917 حيث اعترف الفاتيكان رسميا بمشروعية الفائدة.

واستمرت كراهية الربا والمرابين إلى ما بعد الثورة الفرنسية وظهور التيارات الليبرالية. حيث بدأ ظهور النظريات التي تبرر الربا، وأخذت تطلق عليه سعر الفائدة. ونصت بعض القوانين على جواز فرض نسبة معينة لا تتعدى 4% على القروض أطلق عليها الفائدة، فإذا ما تجاوزت الفائدة النسبة القانونية أصبحت ربا ممنوعا.

وفي الوقت الذي لا يفرق فيه الفكر الاقتصادي بين الفائدة والربا من حيث المضمون، فكلاهما يقصد به ثمن استعمال النقود، نجد أن القانون قد فرق بين الفائدة القانونية والفائدة غير القانونية، وأطلق الربا على الفائدة غير القانونية، أي النسبة المئوية التي تتعدى تلك النسبة التي يسمح بها القانون. غير أن "أصحاب المصالح لم يستسلموا لما يفرضه القانون، وانتصرت محاولاتهم لمنع الدولة من التدخل لتحديد سقف للفائدة، وبالتالي صارت الفائدة والربا بمعنى واحد".

إن التمييز بين الربا والفائدة لم يكن تمييزا صحيحا، بل كان مرحلة في طريق التطور التاريخي لشرعنة الربا تحت مسمى الفائدة. "فالربا وسعر الفائدة هما أمر واحد، والبنوك التي تتعامل بسعر الفائدة هي بنوك ربوية. كما أن النظرة إلى المرابين في الفكر الاقتصادي تشمل المتعاملين بالفائدة في البنوك، كما تشمل المتعاملين بالربا من الأفراد أو التجار أو غيرهم".

اتفق علماء المسلمين وأوصت قرارات مجامعهم، ابتداء من مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وانتهاء بقرارات مجمع الفقه الإسلامي في مكة وجدة، بأن سعر الفائدة هو الربا الحرام.

ذهب الشيخ عبد العزيز جاويش إلى أن "الربا الذي كان معروفا في الجاهلية هو ربا الديون المضاعف، فالربا الذي ليس فيه مضاعفة، لم يحرم في الكتاب، ومعنى ذلك: أن القرض إذا كان بفائدة قليلة، فهو ليس ربا. ولكن الرجوع إلى القرآن الكريم، وقوله تعالى ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:279] يظهر قطعا أن أي زيادة قليلة أو كبيرة هي زيادة محرمة، فرأس المال هو أصل الدين، وهو ما يحق لصاحبه استرداده فقط، وكل ما زاد فوق ذلك فهو ربا".

وهذه شبهة ثانية ذكرها الشيخ محمد رشيد رضا، ويرددها البعض في العصر الحاضر، وهي قولهم "إن الربا هي الزيادة بعد حلول الأجل، مثل قولهم في الجاهلية إما أن تقضي وإما أن تربي، أما الزيادة المشروطة المتفق عليها بداية، فهي ليست من الربا. بيد أن الآية المتقدمة تنص على أن للدائن رأس ماله فقط سواء، ولا فرق بين اتفاق على الزيادة منذ البداية، أو بعد حلول الأجل. ومن جهة أخرى، فإذا كان الربا أو الزيادة في العقد الأول ليس ربا، فما الذي يمنع المدين أن يعقد عقدا جديدا في كل سنة؟ بل إن المرابين يمكن أن يتفقوا على تبادل المدينين في كل سنة تجنبا للزيادة مقابل التأجيل".

ذهب الشيخ عبد الجليل عيسى إلى ضرورة التيسير على الناس، "نظرا لتغير الظروف، ووجود الضرورة والمصلحة، فالمفسدة المفضية إلى تحريم إذا عارضتها مصلحة وحاجة، أبيح المحرم. إلا أن المصلحة ينبغي أن تكون مصلحة حقيقية لا وهمية، فمن يظن في إباحة الربا القليل مصلحة مخطئ، كما يخطئ من يقول القليل من الخمر ينعش القلب".

وقد ذهب معروف الدواليبي إلى أن الشركات في العصر الحاضر قد تطورت وأصبحت القروض، قروض إنتاج وليست قروض استهلاك، وبالتالي لا مانع أن تباح قروض الإنتاج بفائدة معلومة.

ويرد عليه بأن "قروض الإنتاج كانت موجودة في الجاهلية، وكان الناس يقترضون بالربا ليسهموا في قوافل قريش، وكانت الأرباح التي تأتيهم من القوافل أكبر بكثير من الفوائد التي يدفعونا للمرابين".

البيع ليس كالربا، يؤكد الكاتب. فالبيع "عقد معاوضة يقوم البائع فيه بعمل أو جهد، مثل نقل أو تخزين السلعة أو تسمينها في حالة الثروة الحيوانية أو غير ذلك من أشكال الجهود التي تضيف منافع إلى السلع وإلى المجتمع، أما الربا فهو زيادة على القرض، والقرض لا جهد فيه أبدا".

إن أساس الأزمة المالية العالمية المعاصرة بنظر الكاتب، هو "المشروعية القانونية للتعامل بالفائدة وكافة الأدوات والأساليب المنبثقة عنها كنظام الرافعة والبيع على المكشوف والهامش وبيوع الآجال والمستقبليات والخيارات. وكل هذه العقود تقوم على الربا المحرم في كافة الديانات السماوية. لقد بالغت البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية في منح القروض العقارية بأسعار فائدة قابلة للتغير، دون ضمانات كافية، مما أدى إلى تعثر المدينين عن السداد بسبب ارتفاع سعر الفائدة".

ومن المتفق عليه اقتصاديا أن "ارتفاع سعر الفائدة يثبط همم المستثمرين والمنتجين لأن التكاليف سوف تزداد عليهم وتقل أرباحهم، أما انخفاض سعر الفائدة فيعتبر عاملا قويا في زيادة الاستثمار والتشغيل. ولذلك نادى العديد من الاقتصاديين بأن يقترب سعر الفائدة من الصفر، حتى يتمكن الجميع من الحصول على التمويل، وبالتالي زيادة التشغيل والقضاء على البطالة نهائيا".

وإن المتتبع لأحوال المسلمين اليوم، وما تضج به المحاكم من قضايا نزاعاتهم وما تنطوي عليه من ظلم، يجد أن للربا دورا مباشرا في كثير من هذه المنازعات. فالربا يؤدي إلى أن "يطلق الرجل زوجته عندما يعجز عن السداد، كما أن كثيرا من الأسر تنهار بعد قيام البنك ببيع مسكن العائلة بالمزاد العلني بسبب عدم القدرة على السداد".

وهناك آثار اقتصادية عديدة تنجم عن الربا وسعر الفائدة، منها: "ارتفاع الأسعار، عندما يضيف المنتجون والمستثمرون فوائد القروض التي حصلوا عليها إلى تكاليف الإنتاج. الكساد، إذ عندما ترتفع أسعار السلع، يقل الطلب الكلي عليها، وبالتالي يؤدي ذلك إلى كساد السلع. البطالة، قد لا يكتفي أصحاب الأعمال والمصانع بتخفيض أجور العمال من أجل خفض التكاليف، وإنما يمكن أن يقوموا بالاستغناء عن العديد من العمال".

ولعل من أكثر المشكلات التي يتعرض لها المسلمون في الدول الغربية، مشكلة السكن، خاصة وأنها باهظة الأثمان وتسمح أنظمة البنوك بمنح قروض للسكن بالفائدة. فما حكم تعامل المسلمين بهذه المعاملة؟

+ فتوى الهيئة العامة للفتوى بالكويت

ونص الفتوى "إن الظروف والملابسات المحيطة بهذه القضية بالنسبة للمسلمين المتواجدين في تلك البلاد، وفي غيبة البدائل المشروعة من قبل مؤسسة مالية تبيع بالأقساط، تجعل هناك شبه ضرورة، وهو ما يسميه الفقهاء (الحاجة العامة التي تنزل منزل الضرورة) ولذلك ترى اللجنة بأنه يجوز الإقدام على شراء البيت في أمريكا بقرض من البنك، يجر فائدة في هذه الظروف، بسبب الحاجة العامة المنزلة منزلة الضرورة، وذلك إلى أن تتحقق البدائل المشروعة".

+ فتوى الشيخ مصطفى الزرقا

يقتضي جواز هذا الاقتراض بفائدة ربوية للمسلم المقيم هناك، لأجل شراء بيت لسكناه. وقد وافقه يوسف القرضاوي الذي يقول: "كنت من قبل ربع قرن مخالفا له، بل من أشد المعارضين له، وقد ظللت على ذلك نحو عشرين سنة أفتي بتحريم هذه المعاملة، وأشدد في ذلك... ولا حرج على العالم المسلم أن يغير اجتهاده... وأقول: لعل الإنسان في شيخوخته يكون أكثر إشفاقا على خلق الله تعالى، وأكثر رغبة في التيسير عليهم ... أو لعل الإنسان بعد النضج يكون أكثر شجاعة في تبني الرخص والتخفيفات والإعلان عنها، ولا يخاف عواقبها بعد أن أصبح قريبا من لقاء الله تعالى. أيا كان السبب، فهذا هو الرأي الذي اقتنعت به وانتهى إليه اجتهادي، ولا يسع العالم المسلم أن يخون أمانة العلم، ويفتي الناس بعكس ما يقتنع به، بل المطلوب منه شرعا ألا يكتم ذلك عن الناس، وإلا كان آثما، وخصوصاً إذا كان فيه تيسير عليهم، ورفع الحرج عنهم".

 + فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء للعام 1999. تقول الفتوى: "نظر المجلس في هذه القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية...وقد قدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض...انتهى بعدها بأغلبية أعضائه إلى … يدعو التجمعات الإسلامية في أوروبا إلى أن تفاوض البنوك الأوروبية التقليدية لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعا، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل … وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ميسرا في الوقت الحاضر، فإن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية، لا يرى بأسا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه بغير هذه الوسيلة".

+ فتوى رابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية

أصدرت الرابطة في العام 1999، البيان التالي: استعرضت الرابطة "المشكلة التي يعاني منها المقيمون في أمريكا للحصول على بيت للسكن في ضوء التطبيقات المتبعة، وهي الاستئجار أو التملك عن طريق القروض وانتهوا إلى: إذا لم يوجد أحد البدائل المشروعة وأراد المسلم أن يمتلك بيتا بطريق التسهيلات البنكية، فقد ذهب أكثر المشاركين إلى جواز التملك للمسكن عن طريق التسهيلات البنكية (Mortgage) للحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، أي لا بد أن يتوفر هذان السببان: أن يكون المسلم خارج دار الإسلام، وأن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية، لدفع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية وتحقيق المصالح التي تقتضيها المحافظة على الدين والشخصية الإسلامية، على أن يقتصر على بيت للسكن الذي يحتاج إليه وليس للتجارة أو الاستثمار".

الضرورة إذن هي الدليل الأقوى. وأصل مشروعية الضرورة رفع الحرج والضيق والتيسير وكذلك مشروعية الحاجة لرفع الحرج.

نافذة "قرأت لكم"

19 مارس 2026

Vous pouvez partager ce contenu