وليد عبد الحي، مركز الزيتونة، بيروت، يناير 2026، 30 ص.
ببداية هذه الدراسة، يقول الكاتب: كشفت فترة ما بعد طوفان الأقصى 2023 إلى الآن، عن "قدرة إسرائيلية في تنفيذ عمليات استخبارية، استهدفت أبرز قيادات محور المقاومة في لبنان وايران واليمن وفلسطين وقطر، ناهيك عن عمليات سابقة في تونس وماليزيا ودمشق وبعض الدول الأوروبية وغيرها".
لذا، فإن "الوصول إلى عمليات بالخطورة والاتساع الذي شهدناه في عمليات البيجرز في لبنان، والوصول لأبرز قيادات حزب الله والمقاومة الإسلامية، حماس والجهاد الإسلامي، واغتيال عدد غير قليل من وزراء الحكومة اليمنية في صنعاء، ناهيك عن الوصول إلى عدد كبير من العلماء والقيادات العسكرية والسياسية الإيرانية، ذلك كله يدل على أن عمق الاختراق الصهيوني للجسد العربي بلغ مرحلة متقدمة لا يجوز الاستهانة بها".
لم تتوقف إسرائيل يوما عن التجسس على الدول العربية، ولعل التطبيع جعل الاختراق أكثر يسرا.
ويؤكد الكاتب أنه منذ إنشاء الموساد في العام 1953، عمدت إلى بلوغ الأهداف التالية:
1. اعتبار العرب هم الخطر الأساسي على إسرائيل، وهو ما يستدعي التركيز على البنية العربية لاختراقها وتفكيك بنياتها.
2. العمل على إيجاد قنوات تعاون مع أجهزة المخابرات الغربية وخصوصا الأمريكية.
3. جعل المنظور البراغماتي هو المنهج السلوكي بدلا من المنظور الأيديولوجي في عمل المؤسسة الأمنية.
4. التعاون الاستخباري مع الدول المجاورة للمنطقة العربية وخصوصا إيران وتركيا وإثيوبيا.
5. العمل على التواصل مع الأقليات في المنطقة العربية، خصوصا تلك التي تستشعر غبنا في علاقاتها مع الأنظمة العربية.
إن عصب الاستخبارات الإسرائيلية يتمحور حسب الكاتب، حول المؤسسات التالية:
1. معهد الاستخبارات والعمليات الخاصة (الموساد)، ويعمل خارج حدود إسرائيل، بهدف جمع "المعلومات الاستخباراتية" عن الدول المستهدفة.
تبلغ ميزانية الموساد وجهاز الأمن العام الداخلي (الشاباك أو الشين بيت) حوالي 3 مليارات دولار، ويعمل في الموساد نحو 7 آلاف موظف، مما يجعله يحتل المرتبة الثانية في العالم الغربي بعد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
مهمة الموساد هي: "جمع معلومات سرية (استراتيجية، وسياسية، وعملياتية) خارج حدود الدولة، وتنفيذ عمليات خاصة خارج تلك الحدود، وإحباط تطوير وحيازة أسلحة غير تقليدية من قبل الدول المعادية، ومنع الهجمات الإرهابية ضد أهداف إسرائيلية ويهودية خارج إسرائيل، وتطوير والحفاظ على علاقات سياسية مع الدول التي لا تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، وجلب اليهود إلى إسرائيل من الدول التي رفضت السماح لهم بالمغادرة، ووضع أطر للدفاع عن اليهود الذين ما زالوا في تلك الدول".
2. جهاز الأمن العام الداخلي (الشاباك أو الشين بيت) ويتكفل بمكافحة التجسس الخارجي داخل إسرائيل، و"التحقيق في أنشطة الطابور الخامس المحتملة، ناهيك عن ملاحقة تنظيمات المقاومة داخل فلسطين".
3. فيلق الاستخبارات التابع لقوات الدفاع الإسرائيلية (مديرية الاستخبارات العسكرية – أمان) وهي الوحدات ذات العلاقة بجمع المعلومات عن الجانب العسكري تحديدا، والنشاطات العسكرية المعادية.
4. قسم الأبحاث بوزارة الخارجية ويتكفل بالجانب الأمني في النشاطات الديبلوماسية وجمع المعلومات المتعلقة به.
وتعتمد هذه المؤسسات الأربعة في عملها على نمطين من الاستخبارات:
°- بشرية، وترتكز على دور المستعربين، أي العملاء المتشبهين بالعرب، والمنتشرين بفلسطين وبالعديد من البلدان العربية. ثم على المتعاونين، وغالبا ما يكونوا عربا مجندين، ثم الأجانب من غير اليهود أو العرب.
°- تقنية، بما في ذلك "أقمار التجسس، وطائرات الاستطلاع، والذكاء الاصطناعي، لاعتراض الاتصالات ومراقبة الأنشطة العسكرية في جميع أنحاء المنطقة". وقد أتاح بيع برامج التجسس من قبيل بيكاسوس، أتاح لإسرائيل الحصول على عدد كبير من البيانات الحساسة، لا سيما مع الدول العربية التي طبعت معها، أو التي اقتنت تقنياتها كما حال لبنان مثلا.
وتركز إسرائيل بقوة على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وما تمكنه من خدمات حوسبة سحابية، والتي "غيرت طريقة تخزين وتشغيل البيانات، ناهيك عن أنها تمكن من تخزين كم هائل من البيانات (رسائل البريد، والصور، والوثائق، وقواعد البيانات، وسجلات الدخول، والمواقع الجغرافية،…إلخ)، وهو ما يغري بمحاولات الاختراق".
وتُشكّل الوحدة 8200 الإسرائيلية إحدى الأذرع الفاعلة في هذا المجال، لأنها هي المسؤولة عن "جمع معلومات الإشارات الاستخباراتية، بما في ذلك الاتصالات بين الأفراد عبر الإشارات الإلكترونية واللا سلكية والهواتف المحمولة. وتعد هذه الوحدة أكبر وحدة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويعمل بها ما بين 5 آلاف و10 آلاف جندي، وهي وكالة شبيهة بوكالة الأمن القومي الأمريكية (أن أس أي). وعادة ما يجند جنود المخابرات الإسرائيلية في سن مبكرة جدا، إذ يبحث الجيش الإسرائيلي بنشاط عن مجندين محتملين في المدارس، مما يجعل متوسط أعمار أفراد الوحدة بين 19 و22 عاما".
وهناك اتفاق إسرائيلي مع كل من جوجل وأمازون لتقديم خدمات سحابية من هذه الشركات لجهات حكومية إسرائيلية.
خلال الفترة الممتدّة بين سنة 2000 وبداية سنة 2025، تمّ الإعلان عن اكتشاف 275 خلية تجسّس إسرائيليّة في الدول العربية (أي بمعدل يزيد على 11 خلية سنويا). وإذا افترضنا وجود خلايا أخرى لم يتم اكتشافها، يتضح لنا حجم الخرق الاستخباري الإسرائيلي للجسد العربي.
وتكشف الوثائق المنشورة من قبل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عن "أشكال متعددة من الاختراقات الإسرائيلية للمجتمعات والأحزاب والنّخب المدنية والعسكرية والأمنية العربية، سواء عبر العلاقات مع الأقليات العربية، أم عبر أقارب القيادات السياسية أو العسكرية، أم من خلال جهدها الذاتي، أم عبر التعاون مع جهات استخبارية دولية مختلفة". كما أن أوضاع دول مجلس التعاون الخليجي تتسم بسمات "تجعل العمل الاستخباري الإسرائيلي أكثر يسرا، فوجود أكثر من 26 مليون أجنبي يعملون في الخليج، وينتمون إلى عشرات الدول الأجنبية، ييسر عمليات التجنيد الاستخباري": بلغ عدد الهنود سنة 2022 في الخليج نحو 10 ملايين، منهم نحو 3 ملايين في دولة الإمارات، و2.5 مليون في السعودية، و4.5 ملايين موزعون على بقية دول الخليج. كما أن وجود آلاف الشركات الأجنبية المسجلة في الخليج، أو التي لها مقار في دوله، يسهم في توفير بيئة مناسبة للاختراق. ناهيك عن القواعد العسكرية الأجنبية التي قد يعمل فيها مزدوجو الجنسية من الإسرائيليين، والذين بلغ عددهم حتى سنة 2023 نحو 544 ألف شخص يحملون الجنسية الأمريكية أو الأوروبية إلى جانب الجنسية الإسرائيليّة.
أما الأهداف الإسرائيلية من التجسس في دول الخليج، فتتمثل في التتبع والمراقبة، لا سيما فيما يتعلق بأي تعاون سياسي أو عسكري أو اقتصادي بين دول الخليج وإيران. وتتمثل أيضا في مراقبة برامج التسليح والتكنولوجيا العسكرية الخليجية، على الرغم من أن دول الخليج لا تشكل تهديدا عسكريا مباشرا لإسرائيل. "ومن المرجح أن يراقب الموساد البرامج السعودية لتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وأن يتنصّت على وزارات الدفاع في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، وعلى مؤسساتها العسكرية الصناعية. ويتمثل الهدف في استباق أي تحول قد يخل بالتوازن العسكري الإقليمي".
ويعد احتمال التطبيع السعودي – الإسرائيلي جوهرة الاهتمام الاستخباراتي للقيادة السياسية الإسرائيلية والموساد، ومن المرجح أن يستطلع الجهاز آراء الدوائر الملكية والمؤسسة الأمنية في السعودية بشأن هذا الملف، بهدف "تقديم تقييمات منتظمة وموثوقة لصناع القرار الإسرائيليين حول كيفية إقناع الرياض، وحول نقاط التحفظ داخل النظام السعودي".
أما أساليب الاختراق، فإن الموساد يعتمد على مزيج من أدوات الاختراق التقليدية والمبتكرة، بما يتناسب مع خصائص الدول العربية، لا سيما دول الخليج، حيث الجاليات الآسيوية كثيفة وطيعة وقابلة للتجنيد. إذ "نظرا لانخفاض أجور العديد من هؤلاء العمال، يحتمل استخدام حوافز مالية لجذبهم إلى التجسس المباشر، أو لزرع برامج اختراق على الأجهزة الإلكترونية في أماكن عملهم. ومن المحتمل أيضا تجنيد بعض العرب المقيمين في الخليج، حيث أُعلن سابقا عن قيام الموساد بتجنيد مواطنين أردنيين مثلا سافروا إلى المملكة العربية السعودية لأداء العمرة سنة 2018 لتنفيذ أجندات تجسسية". كما أنه من المرجح "استهداف ضباط الاستخبارات الخليجية في أثناء وجودهم في الخارج للدراسة أو في مهام، ومحاولة بناء علاقات معهم. ففي دول مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين، أصبح من الممكن مؤخرا لكبار مسؤولي الأمن والضباط التواصل علانية مع نظرائهم الإسرائيليين، مما قد يفتح الباب أمام عمليات تجنيد فردية سرية إذا تعذر التجنيد المباشر، بل قد يلجأ الموساد إلى اعتراض اتصالات ووثائق هؤلاء الضباط وإخضاعهم للمراقبة الشخصية".
ثم إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية غالبا ما تحمي ضباطها بغطاء ديبلوماسي في السفارات والبعثات الديبلوماسية. "لذلك، يتوقع أن يضمّ طاقم السفارات في دول الخليج، عملاء من الموساد يجمعون المعلومات ضمن الحدود المسموح بها للديبلوماسيين، ويتواصلون مع مواطني الدول الأخرى على أراضي الدولة المضيفة. ومع انفتاح بعض دول الخليج على إصدار تأشيرات سياحية للمواطنين الإسرائيليين، يرجح أن يزداد عدد الإسرائيليين الذين يدخلون البلاد للسياحة أو التجارة. ويتيح ذلك للعملاء دخول البلاد كرجال أعمال أو خبراء، ويمكن لعميل الموساد الذي يحمل جنسية أوروبية مزدوجة الوصول بسهولة كمتخصص في شركة دولية، وعقد اجتماعات مع مسؤولين أو مواطنين خليجيين دون إثارة الشكوك. وسيكون الاندماج السلس في البيئة المحلية أداة أساسية لجمع المعلومات والتحقيق".
الخلاصة: يقر الكاتب أنه من المرجح أن تتسع "مساحة الاختراق الاستخباري الإسرائيلي للعالم العربي بفعل التطبيع، وتشابك المصالح العربية – الغربية مع المصالح الإسرائيلية، واتساع دور التكنولوجيا في التسلل غير المرئي إلى البنية العربية، ناهيك عن غلبة منظور أولوية أمن الأنظمة العربية على أولوية أمن الدولة أو أمن المجتمع. وشكلت دول الخليج نقطة تحول في هذا الحقل لأسباب عدة، من بينها المخاوف المشتركة تجاه إيران، والتدفق المتواصل للعمالة الأجنبية إلى السوق الخليجي".
ويقر أيضا بأن "الاستخبارات الإسرائيلية تستثمر الخلافات العربية البينية للتسلل إلى البنية العربية، وجمع المعلومات عن الأشخاص، والتوجهات، وقوى المعارضة لدى أطراف هذه الخلافات، ليجري استثمارها لاحقا من قبل الأجهزة الإسرائيلية". بالتالي، فإن التغلغل الاستخباري الإسرائيلي مضطرد في البنية العربية، ويمثل التطبيع المدخل الرئيسي له.
نافذة "قرأت لكم"
2 أبريل 2026