Aller au contenu principal

"الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي: رؤية إدارة ترامب للولايات المتحدة والعالم"

مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، شتنبر 2025، 15 ص.

نشرت إدارة الرئيس دونالد ترامب رؤيتها الإستراتيجية لموقع الولايات المتحدة ودورها في العالم في 4 دجنبر من العام 2025، بعنوان "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية". وهي وثيقة من 29 صفحة، تضمنت رؤية انتقادية لإستراتيجيات الإدارات السابقة منذ نهاية الحرب الباردة، ثم مفهوم الإستراتيجية من وجهة نظر إدارة ترامب، بما في ذلك ما تريد الولايات المتحدة تحقيقه بصورة عامة، وما تريد تحقيقه في العالم ومن العالم، ثم الأدوات التي تملكها لتحقيق ما تصبو إليه.

هي وثيقة يجمع الخبراء على أنها تعلن ما يشبه انسحاب أميركا من "دورها التقليدي بوصفها القوة الكبرى المتفردة في الثلاثين عامًا الماضية".

تقول الوثيقة: "إن إستراتيجيات الإدارات السابقة، على الأقل منذ نهاية الحرب الباردة، ضلت الطريق. فالإستراتيجية في جوهرها خطة متسقة، واقعية، تؤسس للشروط الضرورية التي تربط بين الأهداف والوسائل، أو بين ما يمكن تحقيقه والمقدرات المتاحة. ولكن إستراتيجيات الإدارات السابقة عجزت عن الارتقاء لما يجب أن تكون عليه الإستراتيجية الفعالة، وبدت كأنها تقدم حزمة من قوائم الأمنيات، دون أن تحدد على وجه الدقة ما تريده الولايات المتحدة".

وتتابع: لقد "سعت نخب واشنطن في العقود الماضية إلى تكريس هيمنة أميركية على العالم برمته، بينما الصحيح أن نقتصر في اهتمامنا على دول العالم الأخرى، طالما كانت نشاطات دولة ما تهدد مباشرة أمن أميركا القومي. وكانت إحدى عواقب هذه المقاربة للعلاقات الدولية أن أفضت مفاهيم العولمة وحرية التجارة إلى تقويض القاعدة الصناعية الأميركية، وإلى إضعاف الطبقة الوسطى".

إن الهدف الأساسي، تقول الوثيقة، "هو المحافظة على وجود وأمن الولايات المتحدة، جمهورية مستقلة وسيدة، تقوم حكومتها على تأمين الحقوق التي وهبها الله لمواطنيها، معطية الأولوية لمصالح المواطنين ورفاههم"، وذلك باتباع الأهداف التالية: أولا: "المحافظة على نصف العالم الغربي (أي الأميركتين) مستقرا بصورة معقولة، يحكم بصورة جيدة، ولا يمثل تهديدا للولايات المتحدة في أي صورة من الصور". وهو ما يعني التأكيد على مبدأ مونرو للعام 1832 وتطبيقه. ثانيا: "إدارة ترامب ستعمل على احتواء ودفع اتجاه السياسات التي أفضت إلى إيقاع قوى خارجية الضرر بالاقتصاد الأميركي". ثالثا: "العمل على دعم الحلفاء الأوروبيين للمحافظة على حرية أوروبا وأمنها، واستعادتها لميراثها الحضاري وثقتها بذاتها". رابعا: "العمل على منع القوى المنافسة والمعادية من الهيمنة على مصادر الطاقة، أو الممرات الإستراتيجية في الشرق الأوسط، مع تجنب الانغماس في حروب المنطقة الأبدية". خامسا: "لعمل على أن تقود الولايات المتحدة العالم في مجالات التقدم التقني، من التقنية البيولوجية إلى الذكاء الاصطناعي".

أما بخصوص الوسائل لتحقيق هذه الأهداف، فتقول الوثيقة: إن "الولايات المتحدة تظل الدولة/الأمة الأهم والأقوى في العالم، وإنها تتمتع بمقومات تحسدها عليها الأمم الأخرى. من هذه المقومات، أن النظام السياسي الأميركي قادر دائما على تصحيح طريقه، وأن الاقتصاد الأميركي هو الأكبر في العالم، وأن النظام المالي الأميركي هو القائد للأسواق المالية العالمية. إلى جانب ذلك، تمتلك الولايات المتحدة قطاع تقنية رائدا ومبدعا، وشبكة واسعة من التحالفات عبر العالم. وتحتفظ بأقوى مؤسسة عسكرية في العالم وتتمتع بموقع جغرافي آمن، وثروات طبيعية متعددة، وتمتلك قوة ناعمة وتأثيرا ثقافيا لا يمكن منافسته، إضافة إلى شجاعة الشعب الأميركي وإرادته وولائه لوطنه".

أما أدوات هذه الاستراتيجية، فترتكز على مجموعة من المبادئ: المسألة الأولى وتكمن في الاهتمام بالأمن القومي الأميركي. ثاني هذه المبادئ هو إقامة السلم من موضع القوة. ثالثها هو الميل لعدم التدخل. رابع هذه المبادئ يتصل بالواقعية المرنة، بمعنى "تجنب محاولة فرض القيم الغربية، كالديمقراطية مثلا، أو أي محاولات للتغيير الاجتماعي، على أمم تختلف مواريثها الثقافية والتاريخية عن الأمم الغربية". وخامس هذه المبادئ هو الإعلاء من شأن الأمة، "لأن الوحدة السياسية الأساسية للنظام في العالم تظل الدولة القومية. لذلك، فإن إدارة ترامب ستقف دائما إلى جانب سيادة الدولة، وفي مواجهة كافة المنظمات العابرة للحدود، التي تقوض سيادة الدول القومية". المبدأ السادس: "عمل إدارة ترامب على حماية سيادة الولايات المتحدة واحترام سيادة الدول الأخرى". سابع هذه المبادئ هو توازن القوى العالمي، الذي يقتضي "ألا تسمح الولايات المتحدة لأي قوة أخرى في العالم بالصعود إلى موقع الهيمنة، الذي يمكن أن يهدد الأمن القومي الأميركي". ثامن هذه المبادئ: "الإنصاف، سواء في مجال التحالفات العسكرية أو العلاقات التجارية، ما يقتضي تقاسم الأعباء مع الحلفاء في تناسب مع الدخل القومي، وحماية السوق الأميركية من الممارسات التجارية المتوحشة". أما المبدأ التاسع والأخير، فيتعلق "بالكفاءة والاستحقاق، اللذين صنعا التفوق الأميركي، واللذين يقتضيان أن تكون أميركا أولا، وعلى الدوام".

أما الأولويات العامة لإستراتيجية إدارة ترامب، فتظهر كالتالي:

1. وضع نهاية لموجات الهجرة وإحكام السيطرة على الحدود الأميركية.

2. حماية الحقوق الأساسية والحريات، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا.

3. تقاسم الأعباء بين الولايات المتحدة وحلفائها، لا سيما بين أعضاء حلف الناتو.

4. إعادة بناء التحالفات عبر العالم بالعمل على إحلال السلام وحل النزاعات.

5. تحقيق الأمن الاقتصادي، عبر تعديل الميزان التجاري، وتأمين الوصول إلى المواد الضرورية الحرجة وتأمين خطوط الإمداد، وإعادة البناء الصناعي في الولايات المتحدة، وإعادة بناء القاعدة الصناعية العسكرية، وتحقيق السيطرة في مجال الطاقة، والمحافظة على القطاع المالي الأميركي وتنميته وضمان هيمنته على أسواق العالم.

تقسم الوثيقة العالم إلى خمس دوائر: نصف الكرة الغربي، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا.

- الدائرة الأولى: نصف الكرة الغربي (الأميركتان). تقول الوثيقة بصراحة: "إن واشنطن ترامب ستعمل على منع التواجد العسكري لأي قوة خارجية منافسة في نصف العالم الغربي. وستمنع القوى الخارجية من التحكم في أي من مقدرات المنطقة الإستراتيجية". هذا الإعلان، الذي تصفه بملحق ترامب لمبدأ مونرو، "ليس سوى منطق الأمور والنهج الصحيح لاستعادة دور أميركا وحماية أمنها القومي".

تؤكد الوثيقة على أن الولايات المتحدة ستقوم، لتحقيق هذه الأهداف، "بتعزيز انتشار قواتها في نصف الكرة الغربي، وستعمل على دعم نشاطات الشركات الأميركية في المنطقة".

- الدائرة الثانية: آسيا، أو المجال الهندي/الباسيفيكي. تؤكد الوثيقة على أن "الإدارات الأميركية السابقة غضت النظر عن الصعود الاقتصادي الصيني الحثيث، وعن توسع الصين الإستراتيجي. لذا، فإن إدارة ترامب ستقوم بمعالجة الخلل في التوازن الاقتصادي العالمي، والمحافظة على حرية الحركة والنقل في المجال الهندي/الباسيفيكي. وستتبنى الولايات المتحدة إجراءات ردع إستراتيجي لمنع اندلاع الحرب في شرق آسيا... والتعاون مع شركائها الرئيسيين في المنطقة (مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والهند) لمواجهة السياسات الاقتصادية الهجومية (الصينية)، والمشاركة في حمل أعباء الأمن والدفاع في المنطقة".

- الدائرة الثالثة: أوروبا: عنونت الوثيقة هذا المحور ب"دعم العظمة الأوروبية". وتتضمن هذه السياسة "دفع القادة الأوروبيين للمشاركة بصورة أكبر في أعباء الدفاع عن قارتهم، وتشجيعهم على زيادة نصيب دولهم من الدخل القومي العالمي، الذي تراجع بصورة ملموسة (لصالح الصين، بالتأكيد) في ربع القرن الأخير".

- الدائرة الرابعة: الشرق الأوسط. تقول الوثيقة: "إن هدف واشنطن في الشرق الأوسط هو تحول العبء وبناء السلم". بالتالي، فإن "واشنطن ترامب ستعمل على منع أي قوة شرق أوسطية (مثل إيران) من الهيمنة. وستقوم بتأمين ممرات التجارة والنقل الإستراتيجية بالتعاون مع الشركاء الكبار في المنطقة. وستمنع مصادر الطاقة من الوقوع تحت سيطرة أية قوة منافسة". وتتابع: "إن إدارة ترامب ستواجه المهددات لمصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط أيديولوجيا وعسكريا عند الحاجة، بما في ذلك محاولة توسيع نطاق الاتفاقات الإبراهيمية، دون اللجوء إلى سياسات وحروب "بناء الأمم" التي تبنتها الإدارات السابقة".

- الدائرة الخامسة: إفريقيا. خصصت لها الوثيقة نصف صفحة: "إن سياسات الإدارة السابقة تجاه القارة، التي استندت إلى الأيديولوجية الليبرالية، لم تكن ذات فائدة ولا يمكن أن تستمر. والبديل هو البحث عن شراكات في دول مختارة، والعمل على تخفيف حدة الصراعات والحروب، وتبني علاقات تجارية ذات منفعة مشتركة. على الولايات المتحدة... أن تراقب بحذر نشاطات الإرهاب الإسلامي في بعض مناطق إفريقيا، دون أن تتورط في التزامات طويلة المدى. وأن تنتقل بعلاقاتها مع دول القارة من سياسة المساعدات إلى علاقات التجارة والاستثمار، لا سيما في حقول الطاقة النووية، والغاز المسال، والمعادن النادرة".

ليس ثمة ما يشير في الوثيقة إلى أن إدارة ترامب ستتخلى عن عشرات القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط ومناطق العالم الأخرى، أو ستنسحب منها، بل تقول: "إن على الحلفاء المشاركة في مهمة هذا الانتشار العسكري وتحمل تكاليفه". وتضم اللائحة في أوروبا، بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا، وفي الشرق الأوسط، إسرائيل وتركيا والسعودية، وفي آسيا، اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والهند. هذا التقليص النسبي للدور الأميركي لا ينطبق على أميركا اللاتينية، حيث "ستعود واشنطن إلى تبني سياسة الهيمنة المتفردة، تماما كما نص عليها مبدأ مونرو في أوائل القرن التاسع عشر، وتحمل تكاليف الهيمنة مهما بلغ ثقلها".

تؤكد الوثيقة أن الولايات المتحدة، في الوقت الذي ستحاول فيه تجنب إشعال الحروب، ستعمل على "استعادة دورها كأكبر قوة اقتصادية وصناعية وتقنية في العالم، وستعدل ميزانها التجاري مع دول العالم الأخرى، الحليفة منها والمنافسة".

تفترض إستراتيجية ترامب من جهة أخرى، ألا حاجة لمواجهة عسكرية مع الصين، وأن الصعود الصيني يمكن احتواؤه بطريقتين متضافرتين: الأولى: حلقة من التحالفات الدفاعية في الشرق الآسيوي، تحيط ببحر الصين والباسيفيك. والثانية: سلسة من الإجراءات والقيود التجارية، ودفع الحلفاء الأوروبيين لتبني إجراءات مماثلة. ولكن، "ماذا لو أن الصين أقدمت خلال عامين أو ثلاثة، على محاولة ضم تايوان بقوة السلاح، هل يمكن الاعتماد على شركاء الولايات المتحدة الآسيويين في المواجهة مع الصين؟ وهل ستتحرك الولايات المتحدة عسكريا لحماية تايوان، وتتجاهل وعودها بتجنب إشعال الحروب وتجنب الانخراط في الأزمات؟".

ثم إن هذه الاستراتيجية لا تمثل إجماع الدولة الأميركية...إذ "أي مصير ينتظر التحولات التي توحي بها في سياسة أميركا الخارجية عندما تنتهي ولاية الرئيس ترامب بعد ثلاث سنوات؟ هل ستواصل الإدارة المقبلة اتباع السياسات ذاتها، أم ستنظر إليها بوصفها فاصلة غريبة عن تقاليد السياسة الخارجية الأميركية؟".

نافذة "قرأت لكم"

14 ماي 2026

Vous pouvez partager ce contenu