دعاء محمود عويضة، الجامعة الإسلامية بمينوسوتا، 2023، 34 ص.
يعتبر الكاتب أن الجانب الأكثر أهمية في العلاقات الصينية الإفريقية يتمحور في عدم الإجحاف في المشروطية السياسية أو الاقتصادية من الجانب الصيني، على عكس التوجهات النيوليبرالية الأخرى التي تتبناها واشنطن والقوى التقليدية في إفريقيا.
تمثل التواجد الصيني بإفريقيا، في مجموعة من الأسباب: "رغبة الصين في دعم مركزها كقوة عالمية صاعدة، من خال تبني خيار التعاون مع الجنوب، وزيادة الطلب الصيني على الموارد الطبيعية وسعيها لتأمين تلك الموارد". أما الجهات الصينية الفاعلة في القارة الإفريقية، فهي: الشركات الصينية متعددة الجنسية، والحكومة المركزية، والمقاطعات الإقليمية. وترتكز الجهات الثلاث الفاعلة على خمسة قطاعات، هي: الصناعات الاستخراجية، مشاريع البناء، الخدمات المالية، الزراعة، الاتصالات.
إن هدف الصين من الاهتمام بالصناعات الاستخراجية في إفريقيا إنما "تأمين المواد الخام للصناعات الصينية، بينما الهدف من التوجه المالي هو إقامة البنوك الخادمة للصين في مشروعاتها في القارة الإفريقية، وفى قطاع الاتصالات تهدف الشركات الصينية إلى تحسين جودة الاتصالات الصينية".
وتعد واردات الموارد الطبيعية أحد أهم مظاهر الصعود الاقتصادي للصين في إفريقيا، حيث تمثل ما يزيد عن 90 % من صادرات القارة الإفريقية للدول الصناعية. أما من الناحية التجارية، فتعتبر الصين الشريك التجاري الأكبر للقارة الإفريقية، إضافة إلى أنها تعتبر أكبر مصدر للأسلحة الثقيلة والخفيفة للقارة.
الصين تستثمر في 52 من أصل 54 دولة إفريقية، ووقعت 49 دولة من أصل 54 دولة، أي أكثر من 90 بالمائة، على مذكرات تفاهم، وإن "كانت مذكرات التفاهم التي وقعها الاتحاد الإفريقي بشأن التعاون في مبادرة الحزام والطريق مع الصين، ليست ملزمة قانونا، إلا أنها تضفي الطابع الرسمي على الاستثمارات الصينية، ويمكن لها أن تمهد الطريق لاتفاقية ملزمة قانونا".
وتطال المشروعات التي تستثمر فيها الصين ضمن المبادرة، مجالات الاستثمار في الموانئ والسكك الحديدية والطرق والطاقة والنفط وغيرها.
وتشكل هذه القطاعات مجتمعة ما يقرب من 90 بالمائة من المشاريع ب 49 دولة، مما يمكنها من استغلال الموانئ والممرات البحرية لنقل المعادن، كالفوسفات والمنجنيز والليثيوم وغيرها، بالإضافة إلى إمكانية استقدام عمالة صينية.
لقد انتهجت الصين في إفريقيا ما سمي ب "القوة الناعمة"، ومن بين أدواتها: الثقافة، القيم السياسية، والسياسة الخارجية. وكان مما "ساعد الصين في الحفاظ على قوتها الناعمة داخل القارة، بحث الدول الإفريقية عن شريك يساعدها في بناء اقتصادها، وهو ما وجدته في الصين التي تتمتع بالقوة الاقتصادية الضخمة، ولها تأثير سياسي واجتماعي إيجابي، والطريقة التي تنتهجها في التعامل أفضل بكثير من الطريقة الأمريكية والدول الغربية بشكل عام، من وجهة نظر الكثير من الأفارقة".
تعمل الصين على تعزيز ثقافتها ولغتها لزيادة قوتها الناعمة في العالم بشكل عام، وإفريقيا بشكل خاص،
وكان أهم أدواتها لتحقيق ذلك «معهد كونفوشيوس »، والذي يعد العامل الرئيسي في تعزيز اللغة والثقافة الصينية. وقد وجهت للمعهد الكثير من الانتقادات، والتي ترجع إلى رؤية البعض بأن المعهد قد انحرف عن هدفه الأساسي، الذي يتمحور حول فلسفة الكونفشيوسية، وتحول إلى مجرد وسيلة لتنفيذ أجندة الحكومة الصينية.
كما عززت الصين دبلوماسيتها الصحية مع الأفارقة عن طريق "توطيد العلاقة بينهم وبين الأطباء الصينيين، وهو ما يعد إسهاما هاما في صحة القارة وبنيتها التحتية للرعاية الصحية، وهو كذلك خطوة تمهيدية لوصول الصين إلى الموارد الخام والأسواق في القارة الإفريقية، فضلا عن التمهيد لشركات البترول الصينية للحصول على حقوقها في التعدين للمواد الخام والنفط وغيرها".
وتحت إطار منتدى التعاون الصيني الإفريقي، ألغت الصين ديونا تصل قيمتها إلى 1,38 مليار دولار كانت مستحقة على 31 من البلدان الأقل تقدما والمثقلة بالديون في إفريقيا، كما أنها وسعت نطاق إلغاء
التعريفة الجمركية على المنتجات الإفريقية المصدرة إلى الصين، إذ ارتفعت هذه المنتجات من 190 إلى 440 منتجا.
لم يعد الحضور الصيني في إفريقيا مقتصرا على شراء المواد الأولية أو التزود بالنفط، بل دخلت الشركات الصينية حلبة المنافسة الدولية مع الشركات الغربية في القطاعات التي كانت تحتكرها هذه الشركات، مثل المواد الطبية والأدوية والاتصالات. وهو ما أثار خشية البلدان الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية. لذلك، و"للحفاظ على مصالحها هناك، وضعت الإدارة الأمريكية ونفذت العديد من البرامج العسكرية الخاصة بالقارة الإفريقية، وخاصة تلك الموجهة إلى منطقة الساحل الإفريقي، الذي يضم الدول الغنية بالطاقة. وكان هدف الولايات المتحدة الأمريكية من تعزيز التدابير العسكرية والجهود الأمنية في هذه المنطقة، ليس من أجل تعزيز الأمن أو دعم السلام كما تؤكده الإدارة الأمريكية، ولا هي جزء من الحرب على الإرهاب، بل هي جزء من التنافس الاقتصادي الجديد التي تشهده المنطقة".
وعلى الرغم من المنافسة الاقتصادية الصينية في إفريقيا، فإن الإدارة الأمريكية لا تنظر إلى الصين باعتبارها تهديدا أمنيا أو عسكريا. إلا أنه مع ذلك هناك خطوط حمراء لا يمكن أن تسمح الولايات المتحدة الأمريكية للصين بتخطيها، خاصة في المجال العسكري والاستخباري.
هناك عدة سيناريوهات لمستقبل وشكل الوجود الصيني في القارة الإفريقية، والتي يلخصها الكاتب في العسكرة المتزايدة لنفوذ الصين، خاصة في دول القرن الإفريقي، حيث تأمل بكين في السنوات المقبلة، توسيع وجودها العسكري في المنطقة. ويتضح ذلك في المباحثات الصينية مع الحكومة الصومالية والتي شملت منح قاعدة عسكرية تطل على المحيط الهندي، بالإضافة إلى المحاولات الصينية لإيجاد موطئ قدم في قناة موزمبيق، بجانب القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي.
تعتبر الصين القرن الإفريقي سوقا واعدة لتجارة الأسلحة، حيث كانت تزود إثيوبيا وإريتريا في عام 1998 بأسلحة تبلغ قيمتها حوالي مليار دولار. وتمتلك بكين حوالي 14 ملحقية عسكرية في إفريقيا، تنتشر معظمها في القرن الإفريقي في إثيوبيا والسودان وكينيا وجيبوتي.
لكن، على الرغم من الدور المتصاعد للصين في القارة الإفريقية، فإن العديد من المؤشرات تؤكد بأنها تفتقر إلى بعض المقومات التي تجعلها ترتقي لمكانة القوى الدولية الرائدة، وذلك نتيجة لجملة من المشكلات على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري.
فالصين لا تنفق سوى 10 % من إنفاق الولايات المتحدة على البحوث والتنمية. كما أن "حدود الطلب للسوق العالمية على الصادرات الصينية فرض قيودا على قدرة العمالة الرخيصة على جذب الاستثمارات، ما أدى إلى هبوط الطلب الأمريكي على المنتجات الصينية، وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي والذي سيؤدي بالضرورة إلى تزايد البطالة. كما أن نصيب الفرد من الناتج المحلي قليل نسبيا نظرا لعدد السكان الكبير. ومن التحديات الأخرى قيام الشعب الصيني باتباع سياسة الادخار، وهو ما يجعل الاقتصاد الصيني يعتمد على الطلب العالمي أكثر من الطلب الداخلي، مما يجعله عرضة للتأثر المباشر حال حدوث أي أزمة خارجية".
كما أن اعتماد الصين على الخارج في الحصول على المواد الأولية والطاقة المتناسبة مع النمو الاقتصادي المرتفع، جعل الاقتصاد الصيني عرضة للتأثر بحالة عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها الأسواق العالمية، كما أن ارتفاع مؤشرات الدين الخارجي يلقي بظلاله على حركة التجارة المباشرة وغير المباشرة.
على المستوى الاجتماعي، يقر الكاتب بالضرر المترتب عن "فوضى السوق وتركيز الثروة في أيدي الطبقات الاجتماعية المميزة"، إذ ما يزيد عن 400 مليون شخص يعيشون على أقل من دولارين في اليوم.
على المستوى السياسي، لم تقطع الصين شوطا كبيرا يمكنها من تأهيل نظامها السياسي كي يكون شبيها بغيرها من الدول الآسيوية، كما أن سياسة الحزب الواحد أدت إلى توتر العلاقة بين النظام السياسي الحاكم ومختلف القوى الاجتماعية، خاصة في الريف.
نافذة "قرأت لكم"
9 يوليوز 2026