Aller au contenu principal

"اقتصاد الحرب في إيران"

باسم محمد عباس، مركز الجزيرة للدراسات، شتنبر 2026.

في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة النطاق على إيران. أطلقت عليها واشنطن اسم "الغضب الملحمي" وتل أبيب اسم "زئير الأسد". وعلى الرغم من شدة الضربات التي تلقتها إيران، فإن الحرب لم تحسم عسكريا بعد مرور عدة شهور على اندلاعها.

هذا التصعيد العسكري كان متقطعا بهدنات هشة، تتخللها ضربات عسكرية موجهة، ثم حملة عقوبات اقتصادية وصفها وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأنها "الهجوم المالي الأضخم من نوعه على الإطلاق" ضد أي دولة.  وقد أطلق على هذه الحملة مسمى "عملية المنبوذ الاقتصادي"، وطالت كل مناحي الوسائل التي طورتها إيران للالتفاف على العقوبات والعزلة المالية: "من التجارة مع الصين، إلى الذهب، إلى العملات المشفرة".

هذه الدراسة تتناول جانبا محددا من آثار هذا الحصار: "استجابة الريال في السوق الموازية، ثم آليات الحكومة لضبط سوق الصرف ورأس المال".

لقد عرف الريال الإيراني تدهورا كبيرا، قبل الضربات الأميركية وفي ظل الحصار. إذ "بالتوازي مع تشديد العقوبات والضغوط على صادرات النفط، واصل الريال الإيراني تسجيل مستويات قياسية من التراجع في السوق الموازية، في وقت أصبح فيه شح العملة الصعبة وارتفاع توقعات التضخم من أبرز مصادر الضغط على سوق الصرف. وقد تجاوز سعر الدولار حاجز مليوني ريال".

هذا التسارع في الانخفاض جاء كنتيجة طبيعية لعاملين اثنين: «أولهما عامل نفسي بحت، يتعلق بحالة الترقب والذعر التي يولدها كل تصعيد عسكري جديد أو تهديد بعقوبات إضافية... وثانيهما الأثر التراكمي لتوسع العقوبات الثانوية التي باتت تلاحق تحديدا الأدوات التي كانت طهران تعتمد عليها للحصول على العملة الصعبة خارج القنوات المصرفية المعاقبة".

بناء على هذا الواقع، يضع الكاتب ثلاثة سيناريوهات محتملة لحركة الريال في الأشهر المقبلة: "السيناريو الأول هو استمرار التصعيد العسكري المتقطع بلا حسم، وهو الأقرب للنمط الفعلي الذي شهدناه منذ فبراير/شباط (هدنة، ثم تصعيد، ثم هدنة جزئية). وفي هذا السيناريو، يرجح استمرار الانهيار التدريجي للريال مع موجات ذعر متكررة عند كل تصعيد جديد، دون انهيار كامل يهدد بفقدان العملة لوظيفتها وسيطًا للتبادل. السيناريو الثاني، هو عودة حقيقية للتفاوض وتخفيف تدريجي للعقوبات، وهو الأقل ترجيحا في المدى القصير، نظرا لتشدد الموقف الأميركي المعلن (الإنزال الاقتصادي)، لكنه قد يفتح الباب أمام استقرار نسبي، وربما تصحيح جزئي في قيمة الريال إذا اقترن بضمانات سياسية واضحة من الجانبين. السيناريو الثالث، وهو الأخطر، تصعيد عسكري شامل ومستمر يقترن بحصار اقتصادي كامل على القنوات المتبقية (الصين، والعملات المشفرة)، وفي هذه الحالة، يصبح الحديث عن استقرار نقدي بالمعنى التقليدي غير ذي معنى، وقد ينتقل الاقتصاد الإيراني فعليا إلى منطقة الدولرة غير الرسمية الكاملة في المعاملات اليومية، على غرار تجارب دول أخرى خضعت لعقوبات وحروب ممتدة".

ولمواجهة ذلك، أعلن البنك المركزي الإيراني عن استعداده للضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف لتهدئة التقلبات، "مؤكدا تأمين نحو 18 مليار دولار من العملات الأجنبية منذ بداية العام لاستيراد السلع الأساسية والأدوية والمواد الخام، وإضافة نحو 4.5 مليارات دولار للاحتياطي الأجنبي منذ بداية الحرب".

 وتشمل الأدوات التشغيلية المعتمدة تعدد أسعار الصرف الرسمية (سعر تفضيلي للسلع الأساسية مقابل سعر شبه حر لبقية المعاملات)، وقيودا صارمة على سحب العملة الصعبة من المصارف، ومنصات صرافة رسمية موازية للسوق الحرة.

إن وصول التضخم إلى مستويات مرتفعة جدا، يعكس اتساع الضغوط على الأسعار والقدرة الشرائية، "ويزيد من صعوبة مهمة البنك المركزي في تثبيت توقعات التضخم واستعادة الثقة بالعملة المحلية. وفي مؤشر إضافي على عمق الأزمة المعيشية، تحدثت تصريحات لمسؤولين الإيرانيين في الفترة نفسها، عن وصول تضخم الغذاء إلى مستويات تجاوزت 120%، فيما اعترفت الحكومة نفسها بتردي الأوضاع المعيشية وأعلنت خطة سنتين لكبح جماح التضخم".

ويعتقد المسؤولون الإيرانيون أن العقوبات والحصار لا يمكن أن يوقفا تجارة البلاد الخارجية بالكامل، بحكم موقع إيران الجغرافي وعضويتها في تكتلات كالاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة شنغهاي للتعاون، "كعوامل يمكن أن تساعد في الحفاظ على قنوات التبادل التجاري، وإن كانت لا تلغي الضغوط الناتجة عن العقوبات وصعوبة الوصول إلى العملة الصعبة".

ومع ذلك، فإن الحصار البحري المفروض عبر الموانئ الجنوبية أوقف عمليا مسار جزء كبير من التجارة الإيرانية عبر تلك المنطقة، إذ تراجعت الصادرات غير النفطية الإيرانية "بنحو 6 مليارات دولار خلال السنة الإيرانية الماضية (1404)، نتيجة تضافر أثر العقوبات والحرب والحصار البحري مجتمعة".

ومع ذلك، فمنذ اندلاع الحرب، "طورت طهران منظومة متكاملة من الأدوات البديلة للالتفاف على الحصار، أبرزها الاعتماد المتصاعد على الصين بوصفها شريانا تجاريا رئيسيا، وتوظيف الذهب ملاذا من هيمنة الدولار، واللجوء إلى العملات المشفرة قناة موازية للتحويلات المالية. غير أن فاعلية هذه الأدوات باتت محل تساؤل متزايد مع تصاعد العقوبات الثانوية التي تستهدفها مباشرة".

صحيح أن الصين تستحوذ لوحدها على أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية المنقولة بحرا خلال عام 2025، بمعدل استيراد بلغ نحو 1.4 مليون برميل يوميان إلا أن هذا "الاعتماد المفرط على سوق واحدة، جعل الاقتصاد الإيراني رهينة لتقلبات الطلب الصيني ولضغوط العقوبات الثانوية في آن معا: فقد تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني إلى 785 ألف برميل يوميا، في يونيو 2026، ثم إلى نحو 534 ألف برميل فقط في غشت، نتيجة تجدد الحصار وتشديد الرقابة الأميركية على المصافي الصينية المستقلة".

في المقابل، واصلت بعض المصافي الصينية المستقلة شراء النفط الإيراني رغم تصاعد الضغوط والعقوبات الأميركية، "ما يعكس استمرار وجود قنوات تجارية محدودة بين البلدين، وإن كانت معرضة لمخاطر متزايدة".

ويلاحظ الكاتب أن الولايات المتحدة قادرة على فرض حصار شامل على إيران، لكنها "لا تستطيع بسهولة منع كل دولار إيراني من المرور عبر الشبكة المصرفية العالمية، لأن الدولار نفسه يظل العملة الوسيطة في جزء كبير من التجارة الدولية".

من جهة أخرى، فقد تحولت العملات المشفرة إلى إحدى أسرع الأدوات نموا في منظومة الالتفاف الإيرانية على العقوبات. وفي هذا السياق، "أشار تحقيق صحفي استند إلى تحليل بيانات سلسلة الكتل إلى شبكة تحويلات مالية عبر منصات عملات مشفرة ومواقع مقامرة ناطقة بالفارسية، قدر إجمالي ما مر عبرها بما لا يقل عن 4 مليارات دولار".

 واللافت أن العملات المشفرة لم تكن أداة للالتفاف على العقوبات فحسب بل تحولت أيضا إلى وسيلة للتحوط بالنسبة إلى بعض المواطنين الإيرانيين في مواجهة التضخم وتراجع قيمة العملة، "ما يضع العقوبات الأميركية أمام معضلة مزدوجة: فهي تستهدف قنوات قد تستغلها جهات معاقبة، لكنها في الوقت ذاته تضيق إحدى الوسائل النادرة التي يعتمد عليها المواطنون العاديون لحماية مدخراتهم."

لكن الكاتب يلاحظ مع كل ذلك، أنه "رغم تنوع هذه الأدوات، فإنها تبدو أقرب إلى آليات تخفيف الأثر منها إلى حلول بنيوية حقيقية: فالمقايضة مع الصين تحرم الحكومة المركزية من السيولة الفعلية اللازمة لضبط سعر الصرف محليا، والذهب أصل غير سائل نسبيا ومحدود الحجم مقارنة بفجوة العملة الصعبة، والعملات المشفرة والشبكات المصرفية الموازية باتت هي نفسها ساحة المعركة الأحدث للعقوبات الثانوية، ما يقلص فاعليتها تدريجيا كلما توسعت واشنطن في ملاحقة المنصات والوسطاء والبنوك المراسلة. النتيجة أن إيران تدير أزمتها النقدية بأدوات تسكينية متجددة، أكثر مما تملك حلا هيكليا لفجوة العملة الصعبة التي يعكسها التهاوي المتواصل للريال".

 

نافذة "قرأت لكم"

1 أكتوبر 2026

Vous pouvez partager ce contenu