تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"في الثقة"

في استجواب لها في أكتوبر من العام 1973، قالت حنا أرندت: " إن الشعب الذي يفقد الثقة في كل شيء، لا يمكنه أن يكون صاحب رأي. إنه محروم ليس فقط من قدرته على الفعل، بل أيضا من قدرته على التفكير والتقدير. شعب مثل هذا، يمكنك أن تفعل فيه ما تريد"...(انتهى الاقتباس)...

الثقة عند حنا أرندت هي الأصل. على قاعدتها يمكن للمرء أن ينظر في الفروع ومن منطلقها يمكنه أن يعاين التداعيات. لا عمران بانتفاء الثقة. ولا اقتصاد ولا إعمار بغياب الثقة. هي التي تسمك العلاقات بين البشر، وتدفع بانسيابية المتاجرة والأعمال ودورة رأس المال. وهي التي تضمن للقانون وللقضاء مقامهما وسموهما، وقبول الجماعة البشرية بهما حكمين بين الناس.

ثم هي سلوك أخلاقي، يحمي الجماعة إياها ضد المكر أو الغدر أو النصب أو الاحتيال أو التحايل على الأمانات. إنها تستبعد النزوع الفطري نحو الشر، وتزرع في نفوس الناس قناعة أن الجري خلف المصلحة الخاصة لا يجب أن يضر بمصلحة الجماعة أو يتنافى معها.

الثقة تبنى وتصان، وقد يتم توارثها من جيل لجيل. إذ التربية على الثقة مدخل لتكريسها في نفوس النشء وضمانة لانتقالها واتخاذها قيمة مثلى، يتم الاحتكام إليها لدى أية منازعة. وبما أنها كذلك، فبالإمكان تفويضها أيضا، أي منحها لجهة ما تكون قادرة على صيانتها والاشتغال تحت سقفها.

ومعنى ذلك أننا عندما نفوض الأحزاب أو النقابات، ومن ثمة البرلمانات والمستويات التمثيلية الأخرى، فإننا إنما نمنحها "أصواتنا" لقاء الدفاع على مصالحنا والذود على حقوقنا، ورفع الظلم الذي قد ينزل بنا. إننا نتماهى معها عبر وسيط الثقة، ولولا هذه الأخيرة ما أقدمنا على اختيار هذا دون ذاك، وما منحناها طواعية لهذا الطرف دون ذاك.

عندما يفقد الناس الثقة في الجهة التي يأتمنونها، فإنهم يفقدونها بالتدريج فيما بين بعضهم البعض، يتبرمون عنها ليركبوا ناصية سلوك ينافيها أو يناقضها أو يضربها في الصميم. يكاد المجتمع يتحول جراء ذلك، أو بسببه، إلى حلبة يصطف فيها الكل مع الكل ضد الكل.

ثم إن الثقة هي قوام العيش المشترك. هي الأرضية التي يبنى على أساسها العقد الاجتماعي، وتحدد في ظلها الحقوق والواجبات، وتصاغ بصلبها حدود المسؤوليات.

عندما يثق الناس في مرشح ويمنحونه صوتهم بالانتخاب، فهم يبرمون معه عقدا ضمنيا صريحا يلزمه. نظير الثقة، يلتزم بصيانة العقد والعمل على الوفاء ببنوده. في نقيض ذلك أو على العكس منه، نصبح بإزاء حالة "خيانة الثقة". وهي عبارة تستعملها العامة عندما يقصر المنتخب أو يتجاوز أو يتلكأ في الوفاء بعهد قطعه على نفسه. ولذلك، فعندما يعاد انتخابه لعهدة تالية، فإننا نتحدث والحالة هذه عن "تجديد الثقة"، أي عن استمرارية العقد والثبات على العهد. أما لو لم يتم التجديد له، فإن تعبير "عدم تجديد ثقة الناخبين" هي التي تقدم.

لا تنحصر الثقة فيما بين الفاعلين بالمجتمع، "المتخاصمين" الافتراضيين. إنها تتعداها إلى الجهة/الفصل، أي جهة القضاء، بما هو التعبير المطلق عن القانون والترجمة المباشرة لتوافق الناس على التعايش بناء على عقد بينهم.

القضاء أساس الملك. والملك تعاقد والتزام. بالآن ذاته، فإن القضاء هو أساس العدل. وعليه، فإذا انتفت الثقة بين الأطراف المتعاقدة، انهار العدل، وقد ينهار معه الملك، حتى وإن كابر أو صمد أو راوغ وناور.

يرمز للقضاء في المخيال العام، بالمحاكم وبالقضاة. إذا فقدوا الثقة فيها مجتمعة، فمعناه انفراط العقد ونزوع الناس لفض منازعاتهم بوسائلهم وأدواتهم، التي قد تسلك مسلك الحلول الناعمة، وقد تلجأ للقوة الخشنة وللعنف.

فقدان الثقة في القضاء معناه فقدانها في المستويات المرتبطة به، من مصالح أمن ومراكز حماية ومستويات وقاية. وإذا ما تدهور الحال بهذا المنحى، فإن بذور الفتنة تنمو وتنتشر، ويصبح الناس في حل من التزاماتهم ومن شتى ضروب التعايش والعيش المشترك. حينها لن يكون بالإمكان استعادة الثقة من جديد إلا بعد جهد جهيد وبتكلفة مرتفعة.

لذلك، فإن الثقة تستوجب بيئة ومناخا وتربة. إنها تبدأ بالاحتكام لشرط "الحق والواجب"، ولا تنتهي إلا عندما تكتمل السلسلة بالتوكيد على شرط أن يخضع كل من اؤتمن على مسؤولية للمراقبة والرقابة والمساءلة والمحاسبة. ثم إنها تستوجب فضاء من الحرية واسع، يعبر فيه الناس ويتكاشفوا. وتستوجب فضلا عن كل هذا وذاك، تحديدا لقواعد اللعبة لا يسمح بالتجاوز عليها أو الطعن فيها. القواعد إياها لا تحدد من عل. إنها تفترض نقاشا ومجادلة وتوافقا وقبولا، وإلا فستبقى معلقة أو مكمن مزايدة.

كل ترهلنا وتذبذب حالنا متأتيان من هذه الجزئيات. هي المدخل وهي المصب.

يمكنكم مشاركة هذا المقال