أن يكون بلد ما صاحب سيادة، معناه أنه يستطيع ويمتلك مقومات أن يسن قوانينه وتشريعاته، يمليها ويطبقها بحرية، دون أدنى ضغط من هذا أو إكراه من ذاك. هذا تحديد عام، لكنه لا يستقيم إلا في إطار فضاء جغرافي معين، مغلق ومستقل بذاته، كما كان الحال في الماضي مع العديد من الدول والبلدان. بيد أن هذه الحالة لم تستمر طويلا، إذ سرعان ما اعترتها التعرية وباتت مكمن عدم استقرار، بسبب ثلاثة معطيات كبرى:
°- الأول بسبب اشتداد وتنوع المبادلات التجارية، وكثافة تنقل الرساميل وتزايد تيارات تنقل الأفراد والجماعات بين الفضاءات الجغرافية المختلفة. ولعل ما بات يعرف منذ مدة بالعولمة أو بالكوكبة، إنما يعتبر الترجمة الفعلية لهذا التوجه.
°- السبب الثاني ويتمثل في ثورة وسائل الإعلام الجماهيرية التي انطلقت أواسط أربعينات القرن الماضي، وفسحت في المجال واسعا لظاهرة دمقرطة الوصول للمعلومة وللخبر. بالتالي، فإن أنماط المشاركة السياسية للمواطنين قد تنوعت لتتخلص من الأشكال التقليدية للالتزام الحزبي، لفائدة تمثل في المشاركة مباشر وتعاوني.
°- أما السبب الثالث، فيكمن في الطفرة الرقمية التي تسارعت وتيرتها منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، على محك إبداعات تكنولوجية طاولت كل سلاسل إنتاج القيمة، وعلى وقع اندماج لتكنولوجيا في الإعلام والاتصال باتت من حينه قطاعا ينهل من المنطق الشبكي ومن العمل التفاعلي ومن الإبداع الجماعي الواسع.
هذه المعطيات الثلاث إنما تؤشر في اعتقادنا، على التراجع التدريجي لمفهوم السيادة كما عهدناه لسنين عدة، ولمدى تقلص قدرة الدول والحكومات على ضبط مجالها الجغرافي وفضائها السيبراني، دع عنك سلطتها وسلطانها على أسواقها وعلى الفاعلين الاقتصاديين المنظمين في إطارها.
ولذلك، فما تعارف عليه الباحثون تحت مسمى "الثورة الرقمية"، إنما بات يسائل الدول في استقلالية وسائل إنتاجها وحركتها، وأيضا في قدرتها على صيانة المصالح الاستراتيجية لمواطنيها، في سياق ميزته الكبرى التوترات الاقتصادية والمواجهات الجيو/سياسية المختلفة.
وإذا لم تعد ثمة من مزايدة كبرى حول مضمون السيادة في بعدها القانوني والسياسي، فإن مفهوم السيادة الرقمية لا يزال مثار نقاشات ومكمن تباين في سبل مقاربته وضبط مجاله. إنها وحدة تحليلية يصعب ضبطها وتأطير سعة المجالات التي تطال، ليس فقط كونها تحيل على البعد القانوني الملازم للسيادة، ولكن أيضا لأن مفهوم الرقمنة في حد ذاته غير متوافق بشأنه: هل نعني به مختلف الطبقات التكنولوجية للشبكات الرقمية أو الفضاء السيبيراني، أم ذاك المفهوم الذي يحيل على الطبيعة "التدميرية" حسب منطوق عالم التقنيات جوزيف شامبيتر، حيث يمتد المجال من رقمنة الشبكات التقليدية إلى إنترنيت الأشياء، ثم إلى التكنولوجيا السحابية وأنماط الذكاء الاصطناعي؟ إذا كان الأمر كذلك، فمعناه أننا نركب ناصية تمثل للتكنولوجيا يزكي البعد التكنولوجي الخالص، ولا يعير كبير اعتبار للأبعاد السوسيولوجية والأنتروبولوجية التي تحيل عليها هذه "التكنولوجيات الاجتماعية". هذا وجه صعوبة أول.
أما وجه الصعوبة الثاني، فيكمن في مسألة "الربط" ذاتها بين تقنية خالصة (تقنية الرقمنة) التي تجاوزت النظام الأبجدي، لتفسح في المجال واسعا أمام نظام (النظام الرقمي)، باتت التقنيات بفضله تتكلم لغة واحدة، مكونة من عددي الصفر والواحد، مرن، تفاعلي ويفتح آفاقا واسعة في تنقل المعلومات وتخزينها واستغلالها واستردادها وتوظيفها في المجالات المختلفة.
ثمة وجه صعوبة ثالث، لا يمكن أن نفهم سياق السيادة الرقمية إلا باستحضاره: عندما نتحدث عن علاقة الرقمنة بالسيادة، فإننا مطالبون بالتساؤل في جانبين: جانب السيادة في الفضاء الرقمي ثم جانب تأثير الرقمنة على السيادة في حد ذاتها. صحيح أن المستويان معا يحيلان على الدولة، لكنهما يتقاطعان في توجه الإجهاز على سلطتها وشرعيتها ووزنها بين الأمم.
بيد أن هذا الطرح سرعان ما يجد محدوديته عندما نتساءل في سياسة الدولة بخصوص مشاريع الرقمنة، أي في قطاعات الصحة مثلا أو التعليم أو الإدارة أو ما سواها. لكن هذا المستوى لا يسائل مفهوم السيادة. إنه يسائل السياسات العمومية التي تتخذ من الرقمنة أداة في التنمية أو في التدبير أو في إعداد التراب الوطني. هما مستويان متكاملان: السياسات العمومية تقوي السيادة الرقمية، وهذه الأخيرة تمنح السياسات العمومية الأدوات القمينة لضمان السيادة الرقمية.
عندما تتقاطع السياسات العمومية مع مطلب السيادة الرقمية، تطرح بقوة مسألة "الاستقلالية الرقمية"، والاستقلالية التكنولوجية بوجه عام. هذا التقاطع يحيل بدوره على سؤال: تحت أية عتبة من التبعية يمكن أن ندعي أن بلدا ما على وشك فقدان سيادته ومن ثمة استقلاله التكنولوجي؟ مطلب الاستقلال التكنولوجي المطلوب يحيل في هذه الحالة، على منسوب السيادة الذي بإمكان بلد ما أن يقبل به ويرتضيه.
نافذة "رأي في الشأن الجاري"
3 نونبر 2025