تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليحياوي يفضح وهم “أمو–تضامن” أو حين تُسقط 100 درهم كهرباء حق العلاج

هبة زووم – الرباط
 

مرة أخرى، يعود الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى واجهة النقاش العمومي، لا من موقع التنظير الأكاديمي البارد، بل من قلب الواقع الاجتماعي القاسي، مسلطًا الضوء هذه المرة على اختلالات نظام التغطية الصحية “أمو–تضامن”، الذي يُفترض أنه أحد أعمدة ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب، فإذا به – في حالات كثيرة – يتحول إلى مجرد وعد هشّ سرعان ما يتبخر عند أول احتكاك بالإدارة.
 

في تدوينة نارية، اختار اليحياوي أن ينقل الحكاية كما هي، دون مساحيق خطابية ولا لغة خشبية. مواطن بسيط من “دوار لقدادرة” في أعماق الغرب المنسي، كان يعتقد أنه يستفيد من التغطية الصحية، قبل أن تسقط هذه القناعة فجأة داخل أسوار المستشفى.


الرجل سقط أرضًا وهو يجني بعض الزيتون، وتوجه لإجراء فحص بالأشعة لظهره، ليُفاجأ بقرار صادم: لا تغطية صحية، وعليك أداء ثمن الفحص.


القصة لا تقف عند حدود الحرمان من خدمة صحية، بل تتجاوزها إلى عبث إداري فاضح. بعد جولات بين المصالح، جاء التبرير: تعبئة عداد الكهرباء بمبلغ 100 درهم رفعت “المؤشر” وأسقطت الأهلية.


هكذا، وبجرة قلم رقمية، يُصنَّف فلاح بسيط كـ”غير مستحق”، لا لأنه تحسنت وضعيته الاجتماعية، بل لأنه أشعل ضوء بيته.


اليحياوي، في جوهر تدوينته، لا يهاجم موظفًا ولا إدارة بعينها، بل يعرّي منطقًا كاملاً في تدبير الحماية الاجتماعية، منطقًا يختزل الفقر في أرقام جامدة، ويحوّل الاستحقاق الاجتماعي إلى معادلة تقنية معزولة عن الواقع المعيش.


حين يقول للمواطن: “أصل المشكل أنك لم تكن تتوفر على التغطية الصحية أصلاً… خُيّل إليك فقط”، فهو يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: تغطية تُسوَّق سياسيًا، لكنها غير مضمونة اجتماعيًا.


هذه الواقعة تعيد طرح أسئلة محرجة حول فلسفة “أمو–تضامن”: هل نحن أمام نظام حماية اجتماعية حقيقي، أم أمام آلية إحصائية لتقليص عدد المستفيدين؟ وهل يُعقل أن يصبح استهلاك الكهرباء معيارًا للحكم على الفقر، في بلد تتفاوت فيه أنماط العيش داخل نفس الدوار؟


الأخطر في هذه القصة ليس فقدان التغطية الصحية، بل فقدان الثقة، فحين يقتنع المواطن البسيط بأن “العودة إلى الظلمة أرحم”، كما ختم اليحياوي تدوينته، فذلك يعني أن السياسات الاجتماعية فشلت ليس فقط في توفير الحماية، بل في إقناع الفئات الهشة بجدواها.


تدوينة اليحياوي ليست حالة معزولة، بل مرآة لواقع أوسع، حيث تُدار برامج اجتماعية كبرى بعقل تقني ضيق، بعيد عن روح العدالة الاجتماعية التي بشّرت بها الدولة.


وهي دعوة صريحة، وإن جاءت بصيغة حكاية، إلى مراجعة عميقة لمعايير الاستفادة، وربطها بالواقع لا بالمؤشرات المعزولة، قبل أن يتحول ورش الحماية الاجتماعية من رافعة للكرامة إلى مصدر جديد للإحباط.

 

هيبازوم، 17 يناير 2026

https://www.hibazoom.com/article-199194/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال