بن عائشة محمد الأمين، المركز الديموقراطي العربي، برلين، 2021، 118 ص.
بمقدمة هذا البحث، يقول الكاتب: "يعتبر صعود قوة كبرى جديدة على المسرح العالمي، واحد من أحداث قليلة يمكن أن تحمل قدرا من الانتظام أو الفوضى في الحياة الدولية، والصين اليوم هي أهم قوة صاعدة على الصعيد الإقليمي والعالمي في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة".
ويلاحظ الكاتب أن انطلاقة الصين بدأت في العام 1978، عندما أطلق برنامج التحديثات الأربعة الكبرى، إذ من حينها ولأكثر من 25 سنة، كان الناتج الداخلي الصيني ينمو بمعدل سنوي يقارب ال 10 بالمائة.
وينسب الاقتصاديون النمو السريع للاقتصاد الصيني، إلى عاملين اثنين: معدلات الاستثمار العالية (ادخارات داخلية واستثمارات أجنبية)، ثم النمو السريع في حجم الإنتاج.
وقد كان لنسبة النمو العالية هاته أثر كبير على الدور الجيو/استراتيجي الإقليمي للصين، لا سيما وأن هذا الناتج جاء على حساب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ثم لأنه تزامن مع التقارب الكبير مع الهند وولوج الصين لمنظمة التجارة العالمية. بذلك، تكون الصين قد حصلت على فرصة لدخول الأسواق الأجنبية بشكل منتظم ومستدام، وتكون قادرة أيضا على استجلاب الاستثمارات الأجنبية التي هي في حاجة إليها.
ثم إن الصين دولة ذات ساكنة ضخمة، وهي قوة عسكرية كبيرة (نووية أيضا)، كما أنها تنفرد بخصائص اجتماعية وحضارية فريدة من نوعها، إذ ترتكز البنى القيمية السائدة على التقاليد الكونفوشية العريقة، والتي هي نظام أخلاقي ورؤية للعالم تؤكد على الالتزام الأخلاقي للحكام، وطاعة الشعب، وقيمة العمل، والولاء للجماعة، وشيوع قيم النظام، وأهمية التعليم والتفكير العقلاني والقيمة السامية للقانون، ناهيك عن إيمان الصينيين بأن القوة تتبع القيم عكس المعتقد الأوروبي.
من جهة أخرى، فقد عمدت القيادات الصينية منذ انتصار الشيوعية سنة 1949، على وضع الإطار العام الشامل للسياسة الداخلية والخارجية.
وتتوزع الاستراتيجية الصينية على ثلاث مراحل كبرى: مرحلة ما بين 1949 و 1971، وهي مرحلة الطموح إلى "القيام بدور القوة الكبرى على المسرح العالمي، لكنها لم تنجح كثيرا بسبب وزن الاتحاد السوفياتي في حينه". ثم فترة 1971-1978، حيث اتجهت الصين إلى "ممارسة دور قوة التوازن العالمية". أما المرحلة الثالثة (1978-1997)، فقد قررت الصين "التحول من استراتيجية القوة الموازنة إلى القوة الإقليمية"، لا سيما في منطقة حوض المحيط الهادي.
كل ذلك، في إطار من تداول السلطة هادئ وسلمي، مع العمل على الحفاظ على التواصل مع الأجيال وتقديمها لتتبوأ المراكز الأولى. الفارق هنا أن القيادات الصينية عندما تشيخ، تترك السلطة للقيادات الشابة، لكنها تستمر في توجيهها ورعايتها.
وتعتبر الصين ضمن مكونات النظام الإقليمي بجنوب آسيا، والذي يمثل أكثر من 40 بالمائة من سكان العالم، باقتصاد ضخم يقدر بعشرات ترليونات الدولارات.
والنظام الإقليمي المقصود هنا هو الذي يضم الصين إلى جانب الهند، بضخامة قاعدتها الصناعية والتكنولوجية ونسب نموها المرتفعة (6 بالمائة سنويا خلال الفترة 2006-2020)، ثم باكستان بضخامة عدد سكانها (180 مليون نسمة)، على الرغم من تواضع نسب نموها (من 2 إلى 4 بالمائة سنويا طيلة العشر سنوات الأخيرة)، وتعد سابع قوة عسكرية في العالم بفضل ترسانتها النووية، ثم أفغانستان على الرغم من الحروب اللامتناهية التي تعيشها، ثم جزر المالديف، ثم النيبال وسريلانكا وبنغلادش...الخ.
من جهة أخرى، فقد ترتب عن نهاية الحرب الباردة، "إعادة صياغة معادلة القوة في العلاقات الدولية، بالانتقال من الأنماط الجيو/استراتيجية إلى الأنماط الاقتصادية، لا سيما مع تراجع دور القوة العسكرية وزيادة عامل الاعتماد المتبادل، سواء فيما بين مكونات النظام الإقليمي لجنوب آسيا أو في إطار العلاقات الدولية.
وتقود الصين منذ مدة، مشاريع ضخمة لإنشاء بنية تحتية متطورة من الموانئ والطرق والسكك الحديدية، بغرض ضمان اندماج أكبر للبلاد ثم لدول جنوب آسيا في الاقتصاد العالمي.
الفلسفة الثاوية خلف ذلك هي تعميق العلاقات المبنية على الدينامية والتشابك والتنوع، واستبعاد تلك التي تقوم على التهديد وفرض السيطرة والهيمنة من داخل النظام.
إن نقطة قوة هذا النظام، وفي صلبه القوة الصينية، هو كون جنوب آسيا ملتقى لثلاث حضارات إنسانية كبرى (الإسلامية والهندية والكونفوشوسية)، لكنها مع ذلك لا تخلو من عقبات، لا سيما فيما يتعلق بالصراع على الريادة في الإقليم بين الصين والهند، خصوصا وأن الصين تراهن على علاقاتها مع باكستان، وباقي دول النظام الإقليمي أكثر ما تراهن على الهند.