Aller au contenu principal

"فكر ابن خلدون: العصبية والدولة" (2/3)

محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، يونيو 1994 (الطبعة السادسة)، 320 ص.

إن الحضارة الإسلامية بنظر ابن خلدون، هي بمعنى من المعاني "حضارة تاريخ"، لأنها تطورت من خلال الاهتمام بالماضي بشكل من الأشكال، إذ بما أن القرآن هو عقيدة وشريعة، فإن التنظيم الأول الذي وضعه هو الذي غالبا ما يتم الاحتكام إليه.

بالتالي، فإن النموذج كان ينهل من الماضي، أي من صدر الإسلام، عصر النبي (ص)، وعصر الخلفاء الراشدين: الماضي هو هذا التراث الذي على المسلمين  أن يسيروا على هديه. كل مشاكل الحاضر كان يبث فيها بناء وبالرجوع إلى سيرة الرسول (ص) وسيرة الصحابة والخلفاء الراشدين.

القرآن نفسه "كتاب تاريخ" يقول الكاتب، لأنه يسجل للمسلمين العديد من التفاصيل ومن أخبار الأمم الغابرة، إما بالتلميح أو بقصص تاريخية مفصلة.

هذا ليس جديدا يقول الكاتب. الجديد بنظره هو تصور ابن خلدون لما عبر عنه ب"باطن" التاريخ: "نظر وتحقيق أو تعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير في علومها وخليق".

إلا أن ابن خلدون رجع للتاريخ ليستفتيه، ليطلب منه الدروس والعبر،  ليساعده على فهم الحاضر ومشاكله. ومن علم التاريخ، استقى ابن خلدون علم العمران باعتباره "البحث في الأعراض الذاتية التي تلحق الاجتماع البشري، أي في الظواهر الاجتماعية".

بيد أن ابن خلدون لا يسائل القوانين التي تحكم هذه الأحداث، على اعتبار أنها ظواهر تحدث في العمران البشري ب"الطبع". بالتالي، فبراهينه في هذا العلم الجديد، علم التاريخ، ليست براهين "وجودية" طبيعية، أي أنها "تستند على ما يحدث في الواقع الاجتماعي، ومن ثمة فإن مبادئ البرهان في علم العمران ستكون قضايا تجريبية اكتسبت يقينها من الحس والعقل معا، أي بالمشاهدة والتكرار".

ولذلك، فإن الإنسان بنظره، هو "مدني بالطبع"، و"لا يتصور وجوده إلا في مجتمع". بداخل هذا المجتمع، يرى ابن خلدون أنه "لا بد ليتم الاجتماع البشري، من وازع يدفع عدوان الناس بعضهم على بعض، وهو الملك والسلطان".

من المهم هنا، برأي الكاتب، أن نضع مقارنة بين علوم الطبيعة وعلم العمران الذي صكه ابن خلدون: "فكما أن علم الطبيعة قديما، يبحث في طبائع المادة...أي في الخصائص الملازمة لها أو أعراضها الذاتية التي تحدث فيها بالطبع، فكذلك علم العمران، يبحث في طبائع العمران".

ويتابع: "مفهوم الطبائع هنا أساسي في تصور ابن خلدون للاجتماع البشري، وهو نفس تصور علماء الطبيعة قديما لطبائع المادة. فالحركة والسكون والتغير تحدث في الجسم الطبيعي لا بفعل عوامل خارجية ولا بفعل العلاقات القائمة بين الأشياء في الطبيعة، بل تحدث "بالطبع". فالحجر مثلا يتحرك إلى أسفل لأن من طبيعته أن يحصل له ذلك. فالحركة إلى أسفل حركة بالطبع، وسببها من ذات الحجر نفسه، وليس لكون الهواء يدفعه إلى أسفل أو تجذبه الأرض إلى نفسها".

من هنا، يرى أن الملك طبيعي في الاجتماع البشري والعوارض المؤذية لهرمه وهدمه طبيعية هي الأخرى. المسألة ليست مسألة توافر شروط معينة تؤدي إلى نتائج معينة، بل إن "المسألة هنا هي مسألة طبع ملازم للظاهرة الاجتماعية ما دامت موجودة". من هنا، فإن العلم هنا بما هو ثابت وليس بما هو عارض، والعارض لا يعتد به.

ابن خلدون لا يبحث إذن في القوانين التي تتحكم في الظواهر، بل يهدف إلى بيان ما يحدث في العمران بمقتضى طبعه.

ماذا يقصد ابن خلدون ب"العمران البشري"؟

إن محور نظرية ابن خلدون عن العمران البشري هو الدولة: "إنها المقومة له، والحافظة لوجوده". كلية العمران عند ابن خلدون تتجسد في الدولة: إن الدولة يقول ابن خلدون "هي السوق الأعظم، أم الأسواق كلها". ولذلك، فقد اهتم ابن خلدون بالدولة أكثر من غيرها: كيف تنشأ وما هي عوامل ازدهارها وأسباب هرمها"

ويعتقد الكاتب أن الدولة هي "المحور الأساسي الذي تدور عليه أبحاث ابن خلدون ونظرياته وليست العصبية أو الصراع بين البدو والحضر". صحيح، يقول الكاتب، إن للعصبية مكانة خاصة في البناء الهرمي لفكر ابن خلدون، وتحتل مركز الصدارة في هذا البناء، لكنها "ليست غاية في ذاتها وإنما هي تجري إلى غاية معينة، هي الملك. "فالملك، أو الدولة هو الغاية من البحث، والعصبية وسيلة أو أداة للتفسير".

إن موضوع علم العمران هو الاجتماع البشري وما يلحقه من الأحوال لذاته، أي الظواهر الاجتماعية. ومنهجه في ذلك، هو منهج وضعي تجريبي. هذا من قبيل علم الاجتماع كما يذهب إلى ذلك العديد من الباحثين".

إلا أن هذا الاعتقاد ليس دقيقا بنظر الكاتب، لأن المشكل الأساس الذي سيطر على فكر ابن خلدون هو "تعاقب الدول وتزاحمها وأسباب قيامها وسقوطها، لا الشؤون الاجتماعية عامة". وليكون أكثر دقة، يعتقد بأن الدولة عند ابن خلدون هي مادة دراسة تاريخية واجتماعية، ومن ثمة "فإن الظواهر الاجتماعية التي يعنى ابن خلدون بدراستها هي تلك التي تؤدي بشكل من الأشكال إلى قيام الدول أو سقوطها. ما سوى ذلك، لا يوليها صاحب المقدمة أي اهتمام".

معنى ذلك، أنه في دراسته للمجتمع القبلي مثلا، فهو لا يدرس الحياة في القبيلة ولا العلاقات الداخلية فيها ولا نظمها وعاداتها وتقاليدها، وإنما "يهتم فقط بالقبيلة في فترة معينة من تطور نشاطها، أي عندما تصبح قوة سياسية لها وزنها في سير الأحداث. إنه يركز اهتمامه حول العلاقات الخارجية للقبائل، علاقاتها مع بعضها بعضا ومع الدولة. ولما كانت هذه العلاقات تتجسم في الصراع العصبي من أجل السلطة، فإن أبحاثه في النهاية تتركز حول الدولة، مما جعلها تمتد عموديا أكثر من امتدادها أفقيا".

بالتالي، فإن "علم العمران الخلدوني أضيق من علم الاجتماع من الناحية الفقهية، ولكنه أعمق منه من الناحية العمودية، الناحية التاريخية".

Vous pouvez partager ce contenu