عبد الوهاب المسيري، دار الحسام، بيروت، شتنبر 1996، 200 ص.
الكيان الصهيوني بنظر الكاتب، كيان استيطانين إحلالي. وهذه ملاحظة جوهرية لأنها تتجاوز على "إمبريالية المقولات الغربية وما يتبعها من تبعية إدراكية". فقد "استوردنا نماذجنا المعرفية ومقولاتنا التحليلية فيما نستورد من أشياء من الغرب".
إننا نتحاور مع الغرب، يتابع الكاتب، لكن من "داخل أطر جاهزة ونماذج معرفية مسبقة، أعدها مفكرون غربيون. ونطرح نفس الأسئلة التي يطرحونها هم عن حضارتهم ومن منظورهم...إننا بدأنا ننظر إلى أنفسنا من خلال مقولات الغرب التحليلية ونماذجه الإدراكية".
إن الخطاب السياسي العربي ومصطلحاته يخضعون لتبعية إدراكية غير مسبوقة. إذ النموذج الإدراكي المستورد من الغرب، يجعلنا "ننظر إلى أنفسنا وتاريخنا من خلال عيون غربية". إن المصطلحات بنظر المؤلف، "لا توجد في فراغ، وإنما داخل أطر إدراكية تجسد نماذج معرفية". الكاتب هنا لا يرفض المصطلحات الغربية، بل يطالب ب"نموذج معرفي متكامل ونسق لغوي يعبر عنه".
إن هذا الكتاب، وفق ما يقول المؤلف، إنما هو مساءلة الإدراك، الإدراك الصهيوني للعرب، للفلسطينيين وللقضية الفلسطينية، أي كيف يعمل هذا الإدراك وكيف يعيد صياغة الواقع "بما يتفق مع رؤية الصهاينة ومصالحهم".
وعليه، فهو يشدد على ضرورة دراسة الحقائق الصلبة (المادية) داخل سياقها التاريخي، وباستحضار البعد الإدراكي والمعنى الداخلي الذي يحركها.
يقف المؤلف عند المقولات الكبرى للإدراك الصهيوني: العربي المتخلف، العربي ممثلا للأغيار، العربي الهامشي والعربي الغائب.
العربي المتخلف هنا يرتكز على طرح إدخال التحضر إلى البلدان المتخلفة بآسيا وإفريقيا عبر احتلالها، ولم لا إبادة سكانها الأصليين. كل الكتابات الصهيونية تعج بعقدة أن الصهاينة هم ممثلو الحضارة الغربية في "الشرف الموبوء". وقد تعامل المستوطنون الصهاينة مع العرب باحتقار، واعتبروهم "متوحشين صحراويين"، تماما كما عامل الأوروبيون السكان السود. بالتالي، فالعربي المتخلف لا يختلف بالمرة عن المتخلف المنتمي لقارات أخرى.
أما مقولة "العربي الممثل للأغيار"، فتنطلق من مسلمة أن الشعب اليهودي قد عانى كثيرا طيلة تاريخه على يد الأغيار: ضحايا يهود قبالة أغيار ذئاب، شعب مختار وشعوب متربصة به دائما وأبدا. عندما يصبح العربي ممثلا للأغيار، فإنه يصبح بدون أرض وبدون ملامح ولا قسمات. إن هذه الاستراتيجيا الإدراكية لهي خطوة كبيرة نحو الغياب الكامل.
أما مقولة العربي الهامشي، فمعناها "إنكار أي وجود سياسي قومي للعرب عامة وللفلسطينيين على وجه الخصوص". يقوي هذا الطرح طرح ثان، مفاده أن الفلسطينيين باعوا أرضهم والمستوطنون اشتروها، بالتالي، فالعملية اقتصادية خالصة بالنسبة لهم، وعقارية فضلا عن ذلك.
ومعنى هذا أيضا أن "وجود الحقوق اليهودية الخالصة يجعل حقوق الآخرين مجرد حقوق خارجية وعرضية وطارئة، وجودها مثل غيابها لا يؤثر في علاقة اليهودي بالأرض وحقوقه فيها". من هنا، جاء شعار "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
ثمة لازمة أخرى ضمنية يدفع بها الصهاينة وتتمثل في القول: "اليهودي كعربي والعربي كيهودي". وتجد هذه اللازمة تعبيرها في تشبث اليهود بالعرب، لدرجة أن فصيلا منهم كان يرتدي الأزياء العربية ويختلط بالبدو كي يتعلم طرقهم ونمط حياتهم. إنهم يصورون العربي باعتباره ذاك البدوي المتنقل، غير المرتبط بالأرض.
ويلاحظ الكاتب أنه لا يجنح في بحثه إلى التشهير بالصهيونية، فهذا ليس قصده كأكاديمي. إنه يريد فهم طبيعة أصحابها والتنبؤ بسلوكهم، وهو أمر مهم لإدارة الصراع. إذ "الإدراك أحد المكونات، بل والمحددات الأساسية للكيان الصهيوني".
من هنا جاء نصر 1973، إذ كان إدراك الصهاينة متحيزا ومتصورا أنه قادر على إلحاق الهزيمة بالعربي. الصهيوني هنا "لم ير، رغم أنه كان يشاهد ويراقب ويسجل".
وعلى الرغم من أن العربي الحقيقي تم تغييبه تماما من الإدراك، فإن استحضاره كحقيقة وكواقع غالبا ما يؤدي إلى مزيد من "الشراسة الصهيونية". لقد تم تحويل الإدراك هنا إلى سلوك عنف. ولذلك، فإن "الصهاينة المتطرفون هم أكثر الناس إدراكا لخطورة العربي الحقيقي، ولطبيعة المشروع الصهيوني ولموازين القوى في ذات الوقت".
بن غوريون نفسه أدرك معنى العربي الحقيقي، فعمد بناء على تزمته الصهيوني الخالص، إلى ترجمة هذه الرؤية عن طريق القوة وحد السيف. لذلك، تجنب، وتجنب من جاء بعده إلى إبرام سلام معه، بل اعتبروا السلام وسيلة فقط، على أن "الغاية هي الإقامة الكاملة للصهيونية". إنهم يريدون دفع العربي الحقيقي إلى اليأس الشامل، لأنه هو المدخل القمين باستسلامه.
لم يكن العرب في غفلة عن ذلك. إنهم أدركوا مبكرا بأن المشروع الاستعماري ضخم وأن مصادرة وطنهم قد بدأت لإقامة كيان اقتصادي واجتماعي منفصل ومهيمن. والسر في ذلك أن "الآخر" لا يعترف بالعربي كوجود تاريخي، بل يلغيه ويغيبه ويقيم مشروع على أنقاضه.
لا يختلف الأمر عندما ينتقل الكاتب من مسألة الإدراك الصهيوني إلى قضية الإدراك الإسرائيلي، فيتساءل: هل ثمة إدراك إسرائيلي للعربي منفصل عن الإدراك الصهيوني؟
ويجيب: "أعتقد أن الوجدان الإسرائيلي لا يزال حبيس الإدراك الصهيوني الغربي بكل تحيزاته. وهذا ليس بأمر مستغرب. فالإنسان الإسرائيلي إنسان مستفيد من المشروع الاستيطاني الصهيوني، ولا يوجد له أي كيان خارجه، وظهور العربي الحقيقي يهدد هذا الكيان وينسف الادعاءات الصهيونية من جذورها".
هو نفس الإدراك السائد سواء تعلق الأمر بالعربي المتخلف، بالعربي ممثلا للأغيار أو بالعربي الهامشي أو بالعربي الغائب.
ويخلص الكاتب إلى القول بأنه لا يمكن تحقيق الحلم الصهيوني والإسرائيلي إلا بتغييب العربي أو تهميشه على الأقل. "فغياب العربي هو تحقق الصهيونية وتحقيق الصهيونية هو غياب العربي".
يسري هذا على الفرد، كما يسري على الدولة الفلسطينية التي يعدوننا بها، أو يراهن البعض على إقامتها.