تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"جدلية الاحتكار والمنافسة بقطاع الاتصالات: حالة المغرب"

news-details

تناول موضوع من قبيل "جدلية الاحتكار والمنافسة بقطاع الاتصالات" أمر شاق وصعب.

شاق بحكم تشعب الإشكالية وضرورة استحضارها لأكثر من حقل معرفي وأكثر من تخصص. فهي تحيل إلى الاقتصاد السياسي والصناعي، وتحيل إلى سوسيولوجيا المؤسسات، وتحيل إلى نظريات التنظيم والتسيير وتحيل أيضا إلى نظريات السوق ومنطق الفاعلين فيه أو المنظمين له أو المؤثرين في فعله وتفاعلاته.

وصعب على اعتبار صعوبة النبش في الطبيعة الجدلية للاحتكار والمنافسة بقطاع كقطاع الاتصالات أهم ميزاته المركزية الحالية عدم استقرار مكوناته التكنولوجية والمؤسساتية وبطء سريان مفعوله في الاقتصاد والمجتمع، وأيضا تعدد الإشكالات المرتبطة به والرهانات التي يجرها القطاع من ورائه في مطلقه وفي علاقاته بالقطاعات الأخرى المجاورة له أو المتداخلة معه كقطاع السمعي-البصري أو قطاع المعلوماتية أو غيرها.

لن أرصد في هذه المحاضرة (عن إشكالية الاحتكار والمنافسة) كل المراحل التاريخية لتطور القطاع ولا كل العوامل المحددة لذلك، المصاحبة له أو المساهمة في تشكله، فقد أصدرت في ذلك أكثر من بحث ودراسة.

إلا أنه بقدر تجردي من طبيعة التأريخ الكرونولوجي، فسأحاول أن أستحضر الظرف التاريخي كلما سمح بذلك السياق العام.

سأركز إذن على ثلاثة محاور أراها أساسية لفهم الإشكالية المطروحة، إشكالية جدلية الاحتكار والمنافسة:

+ المحور الأول سأتطرق فيه لهذه الجدلية كما عاشتها كبريات شبكات الاتصالات في العالم وكيف عاشتها بشكل طبيعي.

+ المحور الثاني سأتعرض فيه لهذه الجدلية كما يراد لدول العالم الثالث أن تعيشها بشكل "اغتصابي".

+ المحور الثالث سأحاول من خلاله إبداء بعض الملاحظات عن واقع الحال بقطاع الاتصالات بالمغرب وبعض التصورات عن توجهاته المستقبلية.

هناك حقيقة تاريخية لا بد، في اعتقادي، من استحضارها عند كل حديث عن قطاع الاتصالات في نشأته وتطوره: أن شبكات الاتصالات في كل دول العالم، ومنذ ظهور التلغراف والهاتف والتلكس إلى نهاية السبعينات، نشأت وترعرعت في ظل واقع احتكاري ممركز وأحادي.

هذا الواقع الاحتكاري غالبا ما كانت مؤسسة الدولة المركزية هي التي تتكفل به وتحميه وتراقبه (لاعتبارات عسكرية، سياسية أو أمنية أو غيرها) ونادرا ما كان القطاع الخاص هو المسؤول عنه برعاية من الدولة المركزية أو بحماية منها.

بمعنى أن بناء الشبكات، في عهودها الأولى ولأكثر من قرن من الزمن، واستغلالها تجهيزا وخدمات كانت ممركزة في شكل احتكار إما بين يدي الدولة (في معظم التجارب المتوفرة) وإما بين يدي احتكار خاص ترعاه الدولة (في تجربة واحدة هي تجربة الولايات المتحدة الأمريكية).

هذا الواقع التاريخي لا بد، في اعتقادي، من استحضاره لفهم مصدر الطبيعة الاحتكارية التي سادت الاتصالات لأكثر من قرن من الزمن.

الواقع الثاني ومضمونه أنه طيلة هذه المرحلة (نهاية القرن التاسع عشر حتى نهاية السبعينات) نلاحظ استقرارا في التطور التكنولوجي للشبكات (شبكات الاتصالات) وتمحور هذه الشبكات حول توفير خدمة مركزية واحدة (خدمة الهاتف)  والعمل على تلبية الطلبات المتزايدة بتزايد التنمية وزيادة حاجة المؤسسات الإنتاجية، والمجتمع أيضا في حاجته للاتصال والتواصل.

بالتالي لم يكن يرى في الاحتكار بأسا و لا عيبا ما دامت السلعة واحدة ومحددة، ما دام هذا الاحتكار يعمل على تلبية الاحتياجات المعبر عنها وما دام يخدم المؤسسة العسكرية وما دام يساهم في إعداد التراب الوطني وما دام مؤتمنا على قطاع استراتيجي في بداياته الأولى...الخ.

هذا الواقع أيضا مركزي ولا بد من سياقه لفهم الإشكالية المطروحة وفهم مصدرها.

الواقع الثالث ومغزاه أن إقامة بنيات شبكية ضخمة، معقدة ومكلفة لم يكن لغير الوضعية الاحتكارية (الدولة غالبا) أن يتحمل تمويلها ويغامر بمرد وديتها. بمعنى أن بناء شبكات كشبكات الاتصالات (أو السكك الحديدية أو الطرق السيارة أو غيرها) لم يكن ليتم لولا توفر ميزانيات ضخمة...وهي غالبا ما لا تتوفر لغير الدولة نادرا للشركات الخاصة.

من هنا جاء الاحتكار المؤسساتي كمقابل " شرعي" لبناء الشبكات والبنيات التحتية وتوفير الحماية القانونية لها. وهو أمر طبيعي على ما يبدو على اعتبار أن للمستثمر في القطاع أن يحمى وتضمن له السوق حتى يروج لمنتوجه ويسترد تكاليفه.

الواقع الرابع ومعناه أنه حينما نتحدث عن الاحتكار فإننا نحال حتما على منطق السوق ومنطق المتحكم فيه، بيد أننا عندما نتحدث عن القطاع الخاص أو العام فهذا يحيل على طبيعة الملكية.

هذان الأمران كانا في بداية تطور القطاع مترادفان ومتزامنان: من له الملكية القانونية للقطاع (احتكار بالرأسمال) هو الذي يحتكر السوق (احتكار العرض والمعروض).

قدمت هذا الواقع هنا لأننا سنرى كيف أن الخلط بين المنطقين كان صارخا بدول العالم الثالث وصارخا أيضا لدى النخب الحاكمة بالمغرب على الأقل إلى حين وصول "حكومة التناوب".

هذه الوقائع الأربعة مركزية، في تصوري، لا على اعتبار كونها تحكمت في هيكلة القطاع ومساره لأكثر من قرن من الزمن فحسب، ولكن أيضا لأنها كانت وراء تنظيرات بررت لها ومأسست للطرح المتبني للاحتكار.

لن يكون بمستطاعي الوقوف عند مجمل هذه التنظيرات، لكني سأقف بالأساس عند تلك التي شكلت الخطاب المدافع عن ضرورة تمركز القطاع وتمحوره حول الوضع الاحتكاري:

- الأطروحة الأولى المدافعة عن الاحتكار بقطاع الاتصالات المنظرة له، ترى فيه ( أي في الاحتكار) ظاهرة طبيعية كما هو طبيعي احتكار شبكة السكك الحديدية أو الكهرباء أو الماء أو العنف ("العنف الشرعي" أي ذاك الذي تمارسه الدولة باسم القانون) وكل القطاعات المنظمة على شكل شبكي.

من هنا فلا عيب أن تتكفل مؤسسة الدولة (أو القطاع الخاص) باستغلال شبكة كان الفضل لها في بنائها وصيانتها وتوسيعها وتوظيفها.

هذه الوضعية يطلق عليها اقتصاديو الهياكل الصناعية بوضعية الاحتكار الطبيعي.

ومعناه أن الصناعات المنظمة على شكل شبكي تتميز، بحكم طبيعتها، بتكلفة إقامة وبتكلفات قارة مرتفعة تجعل من استنساخ الاستثمارات الأولية عملية جد مكلفة ومرهقة ماليا.

ومعناه أيضا أنه ما دامت الاستثمارات الأولية قد تمت، فإن إنتاج وحدة إضافية يكون قليل التكلفة وبالتالي فالتكلفة الهامشية للإنتاج ستكون ضعيفة، أي أن الوحدة العاشرة مثلا ستكون أقل تكلفة من الوحدة التاسعة والوحدة التاسعة أقل من الثامنة وهكذا.

ومعناه بعبارة أخرى أن هذه الصناعات الشبكية ما دامت مرهقة في إقامتها وبنائها، فمن العقلاني أن تبنى مرة واحدة على اعتبار أن استنساخها (مرتين أو ثلاث مرات) هو حتما عملية لااقتصادية.

ومعناه، بطريقة مبسطة وكاريكاتورية، أن على شركة السكك الحديدية مثلا أن تضيف حافلات جديدة عوض "الترخيص" بإقامة شبكة موازية في حالة زيادة الطلب أو المطالبة بفتح الأسواق.

هذه باختصار شديد هي الأطروحة الأولى التي بنى على أساسها مجموعة من الاقتصاديين الصناعيين أطروحتهم حول "طبيعية" الاحتكار وضرورة تمركزه بين يدي المستثمر الأول دولة كان أم شركة خاصة.

- الأطروحة الثانية، المدافعة عن الاحتكار المنظرة له والممأسسة لضروراته، تنبني أساسا على ما اصطلح على تسميته بالمرفق العام أو الخدمة العامة.

هذه الأطروحة مرتبطة بالتي سبقتها (الاحتكار الطبيعي) بمعنى أن بناء وصيانة شبكات الاتصالات إنما يجب أن تكون من اختصاص احتكار (طبيعي...) الوحيد القادر على التسيير العقلاني والكفء للشبكة، والوحيد الذي بإمكانه خدمة المصلحة العامة المبنية على مبادئ المساواة في بلوغ الفضاءات والطبقات الاجتماعية للخدمة (الهاتفية أساسا) دون تمييز على أساس البعد الجغرافي أو التواضع المادي أو التكلفة التقنواقتصادية.

ومعنى هذه الأطروحة (بارتباط مع الأولى) أن الاحتكار (احتكار الدولة بالخصوص) هو الذي بإمكانه خدمة الصالح العام المترتب عن استراتيجية الاتصالات، وهو الأعدل (والعقلاني) في توظيف الشبكة لخدمة التراب الوطني والاقتصاد الوطني واحترام اعتبارات الوصول والعدالة والمساواة وما إلى ذلك من مبادئ المرفق العام.

هاتان الأطروحتان هما اللتان بني على أساسهما، فيما أعتقد، منطق الاحتكار الذي كان وراء نشأة وتطور قطاع الاتصالات لأكثر من قرن من الزمن ولنقل منذ اختراع التلغراف والهاتف إلى غاية السبعينات من هذا القرن.

وهما اللتان جعلتا من أ.ت.ت احتكارا خاصا ضخما كسر طموحات المنافسة بقوة الترغيب (الأسعار وتداخل الشبكات) أو الترهيب (غبر استصدار النصوص التشريعية المقلصة من تطلعات المنافسة) وجعل من فرانس تلكوم و ن.ت.ت و بريتش تلكوم و دوتش تلكوم ومعظم الفاعلين في الاتصالات احتكارات عمومية متشددة ومتطرفة في تعاملها مع نيات المنافسة المعبر عنها بين الفينة والأخرى.

هذا الواقع ساد كما قلت لأكثر من قرن من الزمن ولم يكن ليشكك في عمقه ولا أن يطالب بإعادة النظر في أطروحاته إلا بعدما تشكلت الشبكات واستقرت معطياتها وظهرت عوامل جديدة دفعت إلى تآكل مرتكزاته وتراجع فلسفته.

هناك، في اعتقادي، على الأقل ثلاثة عوامل مركزية عجلت بانكسار منطق الاحتكار ونموذج المرفق العام ودفعت بمنطق جديد إلى الأمام: منطق اللاتقنين والتحرير والخوصصة والمنافسة وغير ذلك.

+ هناك من ناحية التطورات التكنولوجية الكبرى التي طالت القطاع ابتداء من مرحلة السبعينات وجعلت من الاحتكار الطبيعي لفاعل واحد على كل الشبكة أمرا متجاوزا.

والسر في ذلك هو ظهور فاعلين جدد باستطاعتهم تلبية طلبات محددة ومدققة وموجهة إلى فصيلة معينة من المستهلكين ما دام العرض قد تنوع ولم يعد محصورا على سلعة واحدة.

أضف إلى ذلك تداخل القطاعات الإعلامية والاتصالاتية لدرجة اختلاط الاحتكار بالمنافسة وتزايد الطلبات على اعتبار الاحتكار الاستثناء (على الشبكة-الأم) والمنافسة هي القاعدة (على باقي الشبكات والخدمات).

+ هناك، من ناحية ثانية، تشدد النعرات اللليبيرالية وانتقال السلطة بين يدي نخب سياسية (مارغريت تاتشر، رونالد ريغان، الحزب الليبرالي الياباني) تكن عداء شديدا لتدخل الدولة ووجود القطاع العام وتتقزز من الاحتكارات العمومية وامتلاك الدولة لقطاعات يخال لهذه النخب أنها من صلاحية الخواص.

وقد تبنتها في ذلك مدارس كبرى من قبيل مون بيلران وشيكاغو بويز وغيرها.

هذا التشدد لم يدفع النخب إلى اللاتقنين والتحرير فحسب بل إلى خوصصة قطاعات الاتصالات بمعظم دول العالم.

اليوم هذه القطاعات إما مخوصصة وإما هي في الطريق إلى ذلك وإما أسواقها محررة ولها في ذلك أكثر من رهان.

+ وهناك من ناحية ثالثة، ما يصطلح عليه هذه السنين الأخيرة بعولمة الاقتصاديات والتكنولوجيا وما يترتب عن ذلك (أو ما يتطلبه) من فتح للأسواق الاستراتيجية والقطاعات الاستراتيجية والعمل على تدويلها وتعدد جنسيتها. ومعنى هذا أنه مادامت الرساميل منغلقة والملكيات عامة فلا سبيل إلى اقتحام أسواق جديدة ولا إلى ربط تحالفات واتفاقات بين الفاعلين في القطاع.

ما زاد هذا التوجه، باتجاه انفتاح الأسواق أسواق الاتصالات، تكريس منظمة التجارة العالمية لذلك في إطار الاتفاقية حول تحرير وخوصصة الاتصالات في العالم.

هذا إذن هو باختصار شديد الإطار التاريخي الذي نشأت فيه الاتصالات وترعرعت وتطورت في خضمه مؤسسات الاتصالات الاحتكارية حتى مرحلة الثمانينات، مرحلة تقضيمها وخوصصتها وتحرير الأسواق العاملة بها. إلا أن هذه الشركات وإن أعيد تقنينها وخوصصت ملكيتها وحررت الأسواق المرتبطة بها فإننا نلاحظ:

°- أن هذه المؤسسات، على الرغم من ذلك، ما زالت تتحكم في سوق اتصالاتها بأكثر من 80 بالمائة حتى وهي مخوصصة أو محررة أسواقها أو مكسرة النصوص الحامية لها. ونلاحظ أن العملية لا تعدو كونها انتقالا للاحتكار من العام إلى الخاص (باستثناء الولايات المتحدة) وتكيفا والرهانات التكنولوجية والاقتصادية الجديدة...

الفاعلون الجدد يعملون بجيوب لا تؤثر كثيرا في واقع الاحتكار.

ثم أن واقع الحال يدفع الدولة ومؤسسات الدولة لحماية فاعلها المركزي في الاتصالات (ولربما حماية احتكاره بطريقة غير مباشرة) حماية للسيادة الوطنية ولتكريسه كأداة للتدويل وبالتالي تمكينه (بالطرق الدبلوماسية) من إشعاع البلد المنتمي إليه.

ومعنى هذا أن الاحتكار لم يبق مطلقا والمنافسة لم تفتح لها كل الأبواب وبقيت الجدلية بينهما محكومة بالاحتكار المقنن والمنافسة المراقبة على اعتبار أن الرهانات تتعدى كونها احتكار- منافسة بل أصبحت تطال الفضاء المعولم، فضاء المنافسة العالمية.

كل هذه الأمور والمعطيات التاريخية تشكلت وجاءت كنتيجة لتطور مستمر ساهم فيه الفاعلون والتكنولوجيا والسوق وتطور الاقتصاد والمجتمع والأفكار ودفعت إليه الرهانات المتجددة وظروف علاقات القوة بين كل هذه المكونات.

لو نحن حاولنا استقراء واقع قطاع الاتصالات بدول العالم الثالث وفق هذه المعطيات، ماذا نستنتج؟

الواقع أنه من الصعب استقراء واقع الاتصالات بالعالم الثالث وفق منطق "الجدلية التاريخية" (ولنقل الصراع التاريخي) بين منطق الاحتكار والمنافسة. ومع ذلك فأنا مطالب على الأقل بطرح الإشكالية لذلك.

أعتقد أن فهم هذه الإشكالية يتطلب منا الوقوف على أكثر من معطى وأكثر من حقبة تاريخية قد تطول وقد تقصر:

+ المعطى الأول ومفاده أنه طيلة مرحلة الاستعمارات لم يكن لقطاع الاتصالات من دور ومن أهمية إلا ما أراده له المستعمر. فخطوط الهاتف والتلغراف غالبا ما كانت توظف لاعتبارات عسكرية وأمنية محضة ووسيلة من وسائل تكريس الاستعمار السياسي والاستغلال الاقتصادي.

هذه مرحلة تاريخية لا مجال للتفصيل فيها هنا فهي تتطلب أكثر من مبحث وأكثر من مركز دراسات.

+ المعطى الثاني، امتداد للأول، ومعناه أن القطاع في مرحلة الاستقلالات السياسية  لم يسلم من الاعتبارات الأمنية والسياسية على اعتبار ضرورات بناء الدولة الوطنية وإشكالات إعداد التراب الوطني. مع ذلك فلم ينظر إلى القطاع إلا باعتباره بقرة حلوب في خدمة الأولويات الاجتماعية والاقتصادية ومتطلبات البناء أو إعادة البناء وما إلى ذلك.

هذا الإهمال هو الذي جعله، إلى حد كبير، عرضة التبذير والتأخر والمديونية وتكون لوبيات به ضخمة. هذه الفترة دامت لأكثر من عقدين من الزمن، تشكل القطاع خلالها في إطار مؤسسات حكومية مركزية للدولة فيها دور التخطيط والاستثمار والتسيير وميزانيته جزء من الميزانية العامة للحكومة.

+ المعطى الثالث ومضمونه أن الانتعاش، الذي عرفه القطاع بمعظم دول العالم الثالث ابتداء من الثمانينات، لم يأت من الوعي بأهمية القطاع ودوره في التنمية بقدر ما جاء كنتيجة لحركية القطاع على المستوى العالمي وبحث الشركات متعددة الجنسيات على أسواق لبيع سلعها وخدماتها... وهو ما يبرر إلى حد كبير وجود خدمات نخبوية كبيرة إلى جانب شبكات متخلفة.

+ المعطى الرابع: خطابات اللاتقنين والتحرير التي طالت القطاع عالميا لم تمس اتصالات العالم الثالث إلا في كونها جزءا من برامج التقويم الهيكلي التي طالت هذه الدول منذ الثمانينات، ولم تخضع في تصوراتها لضرورات تنمية القطاع أو للرهانات التي كانت وراء تحرير القطاع بمعظم دول العالم.

لذلك فأنا أعتقد أن خطاب اللاتقنين والتحرير والخوصصة والممارسة (المصاحبة له) إنما هي أمور دخيلة على القطاع لا نتيجة طبيعية " لجبروت الاحتكار أو طغيانه" كما كان عليه الحال بالدول الكبرى.

والدليل أن هذا الخطاب اختلط لديه ما هو سوق وما هو ملكية... ففضل التعاطي مع الملكية (بضغط من البنك الدولي واللوبيات) عوض العمل على مستوى السوق لتكريس المنافسة.

هذه المعطيات الأربعة نجدها قلبا وقالبا فيما يخص حالة المغرب.

ما يهمني شخصيا من حالة المغرب ليس مرحلة الحماية وما بعدها ولا فترة هيمنة المكتب الوطني على القطاع... فهي أمور للمهتمين بالتاريخ أن ينبشوا فيها.

أريد أن أركز هنا على واقع الحال الحاضر وعلى مستقبل القطاع في ظل ما يرسم له من " توجهات".

سأحاول أن أجمل ذلك في ست ملاحظات أعتقدها مركزية لفهم ما يسميه البعض بالإصلاحات الهيكلية التي طالت ولا تزال تطال القطاع:

°- الملاحظة الأولى، أن قطاع الاتصالات بالمغرب تهيكل، منذ البدايات الأولى، في شكل احتكار (احتكار الدولة) لا على مستوى الملكية فحسب ولكن أيضا على مستوى تمركز السوق بين يدي مؤسسة الدولة إلى حدود الثمانينات، وبين يدي المكتب الوطني منذ أواسط الثمانينات إلى غاية صدور قانون تحرير القطاع وخوصصة ملكيته أو لنقل التوجه باتجاه فتح رأسماله على القطاع لخاص.

هذا أمر مركزي لا بد من استحضاره لفهم واقع الحال الذي يعيشه القطاع بالمغرب.

°- الملاحظة الثانية: نلاحظ إلى جانب هذا أن هناك توازنا في الخطاب بين ما يروج له على المستوى العالمي وما روج ويروج له على مستوى القطاع بالمغرب.

بدأ الخطاب أولا عن إشكالية اللاتقنين (وإن فهمت معكوسة) فقيل من بين ما قيل إنه لا يعقل أن يكون الفاعل التاريخي، كما يزعم، فاعلا وحكما. وقيل أيضا إنه لا بد من الفصل بين الخدمات الأصلية والخدمات ذات القيمة المضافة، وقيل أيضا إنه من الضروري تحديد قواعد اللعبة بين الفاعلين وبينهم وبين الدولة.

ثم بدأ الخطاب يتحدث، فيما بعد، عن ضرورة تحرير سوق الاتصالات للفاعلين المتاجرين بالأجهزة والخدمات بحكم تزايد شكاوى الأفراد والمؤسسات من صفة " تجاوزات الوضعية الاحتكارية" التي تميز تسيير القطاع وفتح الطريق أمام الفاعلين الجدد.

ثم جاء الخطاب المطالب بضرورة خوصصة القطاع (قطاع الاتصالات) على اعتبار ضرورة مسايرته للاقتصاد والتحولات التكنولوجية وواقع المنافسة (مع فصله عن البريد) وفتح رأسمال المؤسسة المحتكرة له كون ذلك سيمكن من المزيد من الاستثمار والتسيير العقلاني...الخ.

°- الملاحظة الثالثة ومفادها أن النخبة الحاكمة اختلط لديها فيما أعتقد الفرق بين ما هو سوق وما هو طبيعة الملكية. فهي تتكلم عن المنافسة (وهي إشكالية تحيل إلى السوق) وتطال في ممارستها راس المال  (وهو إشكال يحيل إلى طبيعة الملكية).

أنا أعتقد أن السبب في ذلك هو تضارب المصالح الآنية والذاتية (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي ولوبيات المصالح) التي ترى في خوصصته مصدر ريع من جهة وبين التطلع إلى بناء مرفق عمومي في خدمة الاقتصاد والمجتمع.

وإلا فإذا كان الإشكال إشكال منافسة فلنرخص لفاعلين جدد ولندع رأسمالية المؤسسة في منأى عن الخوصصة.

°- الملاحظة الرابعة ومغزاها أننا ابتلينا في هذا البلد، بنوع من الخطاب دخيل علينا، يغتصب المفاهيم ويستنسخ الإشكالات: التحالفات الإستراتيجية؟ الفاعل التاريخي؟ الخدمة الشمولية؟ ولكأن نفس الرهانات ونفس التصورات لدينا والدول الكبرى.

والسر، فيما أعتقد، هو التدليل على أنه ما دامت لنا نفس المرجعية المفاهيمية والخطابية، فلنا حتما نفس الرهانات والتحديات.

أين نحن من التحالفات الاستراتيجية والطرق السيارة ومجتمع الإعلام؟

أنا أعتقد أنه أولى سبل الخلاص، خلاص القطاع، هو تخليصه من الخطاب النخبوي المتزايد والتعامل بمنطق واقع الحال.

°- الملاحظة الخامسة، وهي امتداد للرابعة، ومفادها أنه يخال للبعض أن الانتقال من وضعية الاحتكار إلى وضعية المنافسة يمر بطريقة أوتوماتيكية أو بطريقة نصية.

العملية في الواقع تخضع لعمل تدريجي، توافقي وتتطلب عملا طويلا لتحقيق الانتقالات وإلا لكان الوضع وضعا شاذا لا مركز له ولا هامش.

°- الملاحظة السادسة: أعتقد أيضا أن التوجه السليم هو الحفاظ على الملكية العامة للقطاع لخدمة المرفق العمومي بكل مبادئه وخصائصه على أن يرخص (ما دامت الفأس قد وقعت في الرأس كما يقال) للذين يريدون الاستثمار في القطاع. لندعهم ومنطق السوق ما دام هو خطاب النخبة السائد فمن ارتأى له الاستثمار فليفتح له شبكة موازية.

أنا لست ضد المنافسة إذا كانت شفافة وتحفظ المكتسبات، وأنا لست ضدها إذا كان العاملون على تقويتها مؤمنون بها.

للأسف: نلاحظ أن الذين تكون لديهم فكر بيروقراطي في القطاع العام هم نفسهم الذين يقررون حاليا مستقبل المنافسة.

لا يمكن، في تصوري، ائتمان القطاع على أناس أثبتوا أنهم غير قادرين على الحفاظ عليه و لا لهم الأدوات لتأهيله للمنافسة إذا كان لهذه المنافسة أن تكون.

محاضرة، جمعية الوصل للإبداع والثقافة، الدار البيضاء، 21 مارس 1998

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال