تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الهيمنة الذكورية"

بيير بورديو، ترجمة سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009، 200 ص.

1- إن المسألة الأساس التي يتناولها الكاتب هنا، إنما تلك التي "يستحضرها بشكل هجاسي غالبية المحللين...عن أوجه الدوام أو التغير في النظام الجنسي"، المؤسس برأيه، على الهيمنة الذكورية، التي لقيت وتلقى ترحيبا واسعا بكل دول العالم، حتى الغربي منه.  الكاتب يلحظ هنا ومن البدء، "ثبات البنى الجنسية، واستقلاليتها بالنسبة إلى البنى الاقتصادية، وإلى أنماط إعادة الإنتاج بالنسبة للإنتاج، على عكس ما تدعيه النظريات المادية".

إن الحالة التي يعرض لها بورديو، هي حالة الجزائر بالتحديد، باعتبارها النموذج المجسم للمركزية الذكورية في مجتمع القبائل. وبالبناء على ذات الحالة، يحاول المؤلف كشف بعض السمات الأكثر تخفيا داخل المجتمعات المعاصرة، التي لا تزال تعتمل من بين ظهرانيها الهيمنة الذكورية، من خلال "التمييز الرمزي بين ما هو مذكر وما هو مؤنث، أي بين ما هو ذكوري وما هو مؤنث، وهما سيان" برأيه.

وقد اعتمد بورديو، بالاحتكام إلى تجربة الجزائر، على العديد الإحصائيات الدقيقة، حول انعكاس الهيمنة الذكورية على الوضع الأسري بالمجتمع الغربي، من خلال دراسات ميدانية عن الزواج و الطلاق، ومن خلال رصد حركة  بعض التيارت "الشاذة" من لوطيين وسحاقيات وما سواهم.

وقد لاحظ أن نسبة 40 بالمائة من الزيجات في فرنسا،  بين منحدرين من القبائل انتهت بالفشل، أي بالطلاق، والسبب ناجم برأيه عن تجاوز الهيمنة الذكورية، "إذ أصبحت المرأة القبائلية  تحظى في فرنسا بكامل حقوقها، كما أصبحت تحظى بكامل استقلالها المادي، وهو وضع أثر في استقرار الأسرة بشكل يدعو إلى القلق. بالتالي، فما "يشهده المجتمع الغربي من نماء وتزايد مستمرين في جماعات الشواذ و السحاقيات ما هو بالمحصلة، إلا انحراف  عن قوانين الهيمنة الذكورية، وزيغ عن إلزامات اللاشعور الجمعي، التي تفرض هيمنة الرجل وسيادته  في البيت و العمل".

إن المركزية الرجولية، "التي تضع الرجل في موقع المركز و تضع المرأة في الهامش، هي واقع ملموس، يكشف عنه تشريح اللاشعور الجمعي للعديد من الشعوب المتوسطية"، وإن الاختلاف البيولوجي بين الجنسين، أي "بين الأجساد الذكورية والأنثوية، وبشكل خاص الاختلاف التشريحي بين الجنسين، يمكن أن يظهر...وكأنه تبرير طبيعي للاختلاف المبنين اجتماعيا بين النوعين، وبشكل خاص التقسيم التقسيم الجنسي للعمل".

2- من جهة أخرى، يرى بورديو أن الهيمنة الذكورية إنما تقوم بالأساس على العنف الرمزي، "ذلك العنف الناعم واللامحسوس واللامرئي من ضحاياه أنفسهم، والذي يمارس في جوهره بالطرق الرمزية الصرفة للاتصال والمعرفة، أو بالعاطفة حدا أدنى". العنف الرمزي هو عنف لطيف إذن، وغالبا ما يكون خفيا ومستترا، و يظهر في علائق الإنتاج، سواء منها البيولوجية كالإخصاب، أو الاجتماعية (البيت، الحقل، المدرسة، المعمل).

إن الهيمنة الذكورية إنما تمثل، برأي بورديو، شكلا راقيا من أشكال العنف الرمزي، ويعتبر  استيعابها  مدخلا أساسا في "فهم بعض العلاقات الاجتماعية و السياسية الموجودة في المجتمع، كالعلاقة بين السلطة و المثقف، ورب العمل بالعامل. فالتعارض بين المثقف والسلطة لا يمكن فهمه إلا في إطار الهيمنة الذكورية، التي تخول للسلطة احتواء المثقف وإخضاعه لنظامها المهيمن، وكذلك رب العمل، فهو يمارس العنف الرمزي نفسه مع العامل، لكنه عنف رمزي لطيف غير محسوس وغير مرئي، حتى بالنسبة لضحاياه".

من ناحية أخرى، يعتقد بورديو أن التقسيمات المكونة للنظام الاجتماعي، أي علاقات الهيمنة والاستغلال، إنما "تنطبع في طبقتين مختلفتين من الهابتوسات (العادات)، على شكل تخلقات جسدية متناقضة ومكملة لبعضها البعض، وتنطبع في مبادئ الرؤية والتقسيم التي تصنف كل شيء في الكون، انطلاقا من المذكر والمؤنث، اللذين يجد فيهما العنف الرمزي الشروط الضرورية للنمو والبقاء".

ويعتبر بورديو أن الهيمنة الذكورية هي معطى أنتروبولوجي صرف، من خلال رصد البنى اللاواعية، التي تحدث عنها كلود ليفي ستروس في أدبياته. "فمعظم المجتمعات القديمة كانت تتبنى خيار هيمنة الرجل"، وكانت خاضعة "للتعارضات الكونية والثقافية المحددة للعلاقة بين الرجل والمرأة، وهي تعارضات تكشف عنها القوانين الطبيعية السائدة في الكون، كما تبرزها الثقافة الشعبية للمجتمعات".

يرفض بورديو فكرة اختزال العنف الرمزي باعتباره عنفا "روحانيا" خالصا، لا أثر له بأرض الواقع. إنه يطالب بتقويض هذه الفكرة، وتقويضها يمثل هدف "النظرية المادية لاقتصاد المتاع الرمزي"، الذي يسعى إلى التأسيس لها.

بهذه النقطة، لا يعتقد بورديو أن "الاستعياء وحده يكفي للتحرر منه، أو قهره بسلاح الوعي والإرادة، لأن شروط فعالية متأصلة في الخبايا الحميمية للأجساد، على شكل استعدادات وأنماط من التفكير، "إذ لا يستطيع نظام الهيمنة الذكورية العمل إلا من خلال تواطؤهما، عبر دورة متكاملة ومكررة من الإنتاج وإعادة الإنتاج".

إن بورديو، بهذا الكتاب، إنما يذهب إلى أن فهم مجالات العمل الخاصة بكل جنس، يجد تفسيرا مقنعا داخل الهيمنة الذكورية، في إطار تواصل خفي بين المؤسسات واللاشعور، "إذ يتمكن هذا الأخير من استبعاد ذكورة  بعض الوظائف، كما يلغي أنثوية البعض الآخر، مما يفيد بأن  هناك وظائف لصيقة بالمرأة، كالطبخ والحلاقة والخياطة و تصميم الأزياء، كما أن هناك وظائف تختص بالرجل، كالتدريس والهندسة والميكانيك والنجارة والصباغة وغيرها، رغم أن أبرز الأسماء العالمية في الطبخ والحلاقة وتصميم الأزياء هي أسماء رجالية، وهي استثناءات لا تبرر القاعدة".

إن الفحولة، برأي بورديو، إنما تمثل شكلا من أشكال الهيمنة في المجتمع القبائلي والمجتمعات الشبيهة به، كما تعد امتيازا ونبلا، يخولان  للرجل إظهار قوته وسلطته، كما تعد في المقابل مأزقا حقيقيا، لأن الرجل يكون مضطرا للحفاظ على فحولته طيلة حياته، وفي حالة تضييعها، يفقد جميع معاني الرجولة.

3- إن بورديو بهذا الكتاب، إنما يدعو إلى "ثورة في المعرفة" حقيقية، "لتحويل موازين القوى المادية والرمزية بين الجنسين". ويدعو بالآن ذاته، الحركات النسائية وغيرها من الحركات الأخرى (حركات الشواذ والمثليين والسحاقيات)، "إلى تطوير مفاهيم استراتيجيات الصراع، ونقلها إلى مراتب أعلى من خلال فعل سياسي، الذي وحده يؤخذ فعليا بعين الاعتبار، بكل تأثيرات الهيمنة التي تمارس عبر التواطؤ الموضوعي بين البنى المستخدمة (لدى الرجال بقدر ما هي لدى الرجال)، وبنى المؤسسات الكبرى، حيث يكتمل ويتوالد، ليس فقط النظام الذكوري".

 إن النظام الاجتماعي، بدءا بالدولة المتبيننة حول التعارض بين يدها اليمنى الذكورية، ويدها اليسرى الأنثوية، وبالمدرسة المسؤولة عن إعادة الإنتاج الفعلية لكل مبادئ الرؤية والتقسيم الجوهرية، والمنظمة هي أيضا حول تعارضات متجانسة، هذا النظام "قادر بتأكيد الأمد البعد، ولمصلحة التناقضات الملازمة لمختلف الآليات والمؤسسات المعنية، أن يساهم في الأفول التدريجي للهيمنة الذكورية".

نافذة "قرأت لكم"، 8 أكتوبر 2009

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال