تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"التحول الكبير، الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر"

كارل بولانيي، المنظمة العربية للترجمة (ترجمة محمد فاضل طباخ)، بيروت، 2009، 573 ص.

1- هذا الكتاب ليس من الكتب الحديثة (فقد نشر بالعام 1940)، ولا صاحبه من المحدثين أو المعاصرين، إذ توفي بولانيي بالعام 1964، عن عمر يناهز الثامنة والسبعين. ومع ذلك، فهذا الكتاب ذو راهنية كبرى، إذا لم يكن بالقياس إلى الأزمات الكبرى التي يعيشها العالم منذ مدة، فعلى الأقل احتكاما إلى التحولات العميقة التي يعرفها، منذ أكثر من عقدين من الزمن، بفعل عوامل عدة، أدرك بولانيي بعضها، ولم يدرك البعض الآخر.

يحلل بولانيي الأسباب الاقتصادية والسياسية التي أدت إلى انهيار حضارة القرن التاسع عشر، وإلى "التحول الكبير" الذي ترتب على ذلك بعد الثورة الصناعية، ويحلل على أساس كل ذلك، مصدر وأساس الحضارة الغربية في مجملها.

 لا يكتفي الكاتب هنا، بشرح نواقص السوق المنظمة ذاتيا، سيما بالفترة من العام 1830 إلى 1930، بل يتعداه إلى إدراج النتائج الاجتماعية الأليمة الممكنة لرأسمالية السوق الجامحة، التي كانت بالآن ذاته مصدر قوة الحضارة الغربية، وأيضا سبب تداعيها وتهاويها.

إن حضارة القرن التاسع عشر ترتكز، وفق الكاتب، على أربعة مقومات مؤسساتية كبرى: مؤسسة نظام توازن السوق، ثم مؤسسة معيار الذهب، ثم مؤسسة السوق المقنن، ثم مؤسسة الدولة. وهي المؤسسات التي "أضفت على تاريخ حضارتنا أهم مميزاته".

ولعل أهم هذه المؤسسات، مؤسسة معيار الذهب التي كانت ذات نجاعة كبرى، لكنها أضحت بسرعة كبيرة عنوان وسبب "الكارثة الكبرى". ومع ذلك، فالسوق المقنن هو، برأي المؤلف، مصدر وعنوان المنظومة برمتها.

إن فكرة أن السوق يستطيع أن ينتظم من داخله، إنما هي فكرة طوباوية، يقول الكاتب، إذ من شأن هذه المؤسسة "تقويض المكنون الإنساني والطبيعي للمجتمع، دونما تدمير الإنسان، أو تحويل مجال فعله إلى صحراء قاحلة".

صحيح، يؤكد الكاتب، أن المجتمع يحتاط لذلك بتدابير خاصة به يحمي نفسه من خلالها، لكن كل التدابير المتخذة قد يكون من شأنها "مواجهة تنظيم السوق والتشويش عليه، ومن ثمة خلق مخاطر إضافية للمجتمع".

ينتظم كتاب "التحول الكبير" في ثلاثة أجزاء، يركز الأول والثالث منها، على ظروف آنية مباشرة أدت إلى الحرب العالمية الأولى، إلى الكساد الكبير، إلى ظهور الفاشية في أوروبا، إلى الميثاق الجديد في الولايات المتحدة، وإلى أول مشروع خمس سنوات للتنمية في الاتحاد السوفياتي. في هذين الجزأين، يتساءل بولانيي: لماذا انهارت فجأة فترة طويلة من السلام والرخاء النسبيين في أوروبا، امتدت من 1815 إلى 1914، وتحولت إلى حرب عالمية، وأعقبها انهيار اقتصادي؟

إن الثورة الصناعية في أنكلترا، أوائل القرن التاسع عشر، إنما تؤرخ لنظرية ليبرالية السوق، بإيمانها الصميمي بأن المجتمع يجب أن يخضع للنظام الاقتصادي وللأسواق ذات التنظيم الذاتي.

إلا أن ذلك لم يترتب عنه، بنظره، إلا كساد كبير، كان النتيجة المباشرة لمحاولة تنظيم الاقتصاد العالمي على أساس ليبرالية السوق، فيما التحول الكبير الثاني، أي ظهور الفاشية، جاء نتيجة نشوء ليبرالية السوق.

2- يميز بولانيي بين نوعين من السلع، حقيقية وزائفة، فيعتبر الأرض والعمل والمال سلعا زائفة، لأنها لم تنتج في الأصل لبيعها في السوق، فالعمل هو بكل بساطة نشاط يقوم به بشر، والأرض هي الطبيعة مقسمة، وعرض المال في المجتمعات الحديثة هو بالضرورة ما ترسمه سياسات الحكومات.

 ويعتبر الاقتصاد الحديث، أن هذه السلع الزائفة تتحرك بالطريقة نفسها كالسلع الحقيقية، لكن بولانيي يصر على أن هذه الخدعة لها عواقب قاتلة، إذ ثمة مستويان بنظره: مستوى أخلاقي، يوضح أن معاملة الطبيعة والبشر باعتبارهما أشياء يتقرر سعرها من السوق، خطأ فادح. "فالطبيعة وحياة الإنسان تتمتعان بأبعاد قدسية، ومن المستحيل المواءمة بين هذه الأبعاد وبين إخضاع عنصري العمل والطبيعة للسوق".

أما المستوى الثاني فيتركز حول دور الدولة في الاقتصاد، ومع الافتراض أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه، فإن الدولة يجب أن تؤدي دورا مستمرا في ضبط عرض المال والقروض، لتتجنب مخاطر التضخم والانكماش. كذلك على الدولة تقديم العون في فترات البطالة، وتثقيف عمال المستقبل وتدريبهم، والتحكم بتدفق المهاجرين.

أما في ما يتعلق بالأرض، فعلى الحكومات الحفاظ باستمرار على إنتاج الغذاء بمختلف الوسائل التي تحمي المزارعين من الضغوط الناجمة عن تقلب المواسم الزراعية، وبالتالي الأسعار.

إن السلع الزائفة، برأي بولانيي، إنما تبين تعذر إخراج الاقتصاد من طوق المجتمع، "إذ تتطلب دوائر السوق الحقيقية من الدولة أداء دور فاعل في إدارة الأسواق، والدور يتطلب اتخاذ قرارات سياسية، فلا يمكن اختصاره إلى دور فني أو إداري. وحينما تتجه سياسات الحكومات إلى رفع طوق المجتمع بالاعتماد على السوق ذات التنظيم الذاتي، يضطر الناس إلى تحمل أكلاف أعلى. ويتعرض العمال وعائلاتهم إلى البطالة، والمزارعون إلى المنافسة الأشد بالسماح بالاستيراد، وتضطر الفئتان إلى العيش من دون أي حق بطلب المساعدة. وهذا ما يملي على الدولة بذل الجهود للتأكد من أن الفئتين ستتحملان الأكلاف الزائدة، من دون القيام بحركات سياسية تؤدي إلى الفوضى".

يهاجم بولانيي علنا ليبراليي السوق الذين أنحوا باللائمة على "مؤامرة جماعية لإقامتها حواجز حماية ضد نشاط الأسواق العالمية. ويقول في المقابل، "إن إقامة هذه الحواجز كانت أمرا عفويا واستجابة غير مقصودة، من فئات المجتمع ضد الضغوط غير الممكنة لنظام السوق ذات التنظيم الذاتي. وكان على الإجراءات المضادة الواقية أن تحدث لتتجنب كارثة الاقتصاد الذي أخرج من طوق المجتمع".

 ويلاحظ بولانيي بأن التحرك باتجاه اقتصاد "دعه يعمل"، يحتاج إلى إجراء مضاد لإيجاد التوازن، على اعتبار "أن رأسمالية السوق الحرة ليست خيارا واقعيا، بل عبارة عن رؤيا طوباوية".

 ويقترح بولانيي "ضرورة وجود إمكانات مختلفة في أي لحظة تاريخية"، مؤكدا أن بعض هذه الصيغ ستكون أكثر فاعلية في قدرتها على التوسع في الإنتاج وتشجيع الابتكار، وبعضها سيكون أكثر "اشتراكية في إخضاع السوق للاتجاه الديمقراطي..

وعندما يناقش المؤلف الحرية في مجتمع معقد، فهو لا يناقشها من منطلق الحريات التقليدية، كحرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، وحرية العقيدة، بل كحرية التحرر من الخوف والجوع. "فقد تحرم الأنظمة شخصا من حريته وتعزز حرية شخص آخر، فحرية إدخال رأس المال إلى البلد وإخراجه يمارسها البعض، وتكون كلفتها على الآخرين هائلة. أما خرافة الاقتصاد القديم "دعه يعمل"، فلا تمثل توازنا لهذه الحريات".

نافذة "قرأت لكم"، 31 دجنبر 2009

يمكنكم مشاركة هذا المقال