تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أبعاد المغرب وآفاقه

محمد وقيدي، سلسلة شراع، العدد 25، فبراير 1998، 103 ص.

هذا الكتاب هو تجميع لعدد من المقالات سبق للكاتب نشرها هنا وهناك، فآثر توثيقها ووضعها في السياق العام، الذي يعتبره الخيط الناظم لها:

بالإشكالية المنهجية الكبرى،  يتساءل المؤلف: "ما الذي يدفعنا إلى التفكير في وحدة المغرب العربي انطلاقا من عوائقها؟".

ويجيب قائلا: إن "أكثر الأسباب وضوحا هو إرادة الانطلاق في بحث هذا الموضوع من منظور قلما ينطلق منه. فغالبا ما يفكر في الوحدة انطلاقا من العوامل والشروط التي يفترض أنها تساعد على قيامها. وكثيرا ما تكون العودة إلى التاريخ، منطلقة من الوحدة كبداية تاريخية، أي كما لو كانت هذه الوحدة هي ما يفرضه التاريخ، وكما لو كان الدليل التاريخي وحده كافيا لإثبات ضرورتها. وهذا التحليل ذاته هو الذي يتبع حين التفكير في وحدة أشمل، هي الوحدة العربية".

ويتابع الكاتب: " لن نتجه إلى التاريخ بأسئلة تطلب منه ما ساعد على تحقيق الوحدة، بل بأسلة تطلب منه ما عاق تحقيقها، خاصة أنها بالنسبة إلينا لا تزال أملا يرجى تحقيقه لا واقعا قائما".

من هنا يتساءل: " هل نحن في حالة المغرب العربي، أمام وحدة بدون عوائق؟ هل نحن أمام وحدة لا نجد فرقا بين وعينا بها وشعورنا بضرورتها، وبين تحققها في واقعنا السياسي والمجتمعي؟ هل نحن أمام وحدة تعتبر استمرارا لماض في هذه التجربة، لم  يكن له انقطاع سوى في الفترة الاستعمارية، بحيث أنه يمكن استئنافه بعد انحسارها؟".

ويخلص المؤلف إلى نتيجة منهجية أساس، مفادها ضرورة أن نبحث عن عوائق الوحدة في الزمن الراهن من ناحية، وفي التاريخ من ناحية أخرى، "باعتبار ما أدى إليه التاريخ، حيث الوحدة مطلب يؤمل تحقيقه، لا واقعا قائما".

والآية في ذلك، برأي الكاتب، أن مراجعة تاريخ المغرب الكبير "تبرز لنا أن هذا التاريخ لم يتطور بالكيفية التي تتعمق بها مظاهر الوحدة بين دوله، بل إن تطوراته قد سمحت بالمزيد من الانفصال والاستقلال الخاص بكل دولة. ولم يكن ذلك بفعل التدخل الاستعماري وحده، فما سبق هذا التدخل لم يشهد أبدا الوحدة بالمعنى الذي نريد تحقيقها به اليوم، وفي ظل الشروط العالمية للعالم المعاصر".

لذلك، يؤكد المؤلف، فإنه "ينبغي أن ينحصر البحث لدينا في التنقيب عما يؤيد مسعانا الراهن في إقامة وحدة المغرب العربي، بل ينبغي أن يشمل أيضا البحث في ذلك التاريخ نفسه، عما لم يسمح بأن تصبح تلك الوحدة واقعا قائما في الوقت الحاضر".

ويلاحظ الكاتب، من جهة أخرى، أن الذي يبرر هذه المنهجية في البحث، يتمثل أيضا في أن فكرة المغرب العربي غير واضحة في ذهن من يستعملونها، "وذلك على صعيد المجال الجغرافي والبشري اللذين تشملهما هذه العبارة. ويقوم هذا النقص في الوضوح سواء كان الأمر يتعلق بهذه الفكرة في الماضي، أو كان يتعلق بها في الزمن الحاضر".

وثمة سبب آخر يدفع الكاتب للتعرض للمسألة من باب المعوقات، وتتمثل في دعوته إلى التفكير في وحدة المغرب العربي من خلال عوائقها، "تنبثق من تأملنا في نماذج أخرى من التنسيق والتكامل تم تحقيقها خارج العالم العربي، وأهم نموذج أمامنا هو الوحدة الاقتصادية الأوروبية. إننا لا نضع هذه الوحدة أمامنا كنموذج ينبغي السير على منواله، بل نضعها أمامنا كنموذج لوحدة قامت على أساس العمل لتجاوز صعوبات وعوائق".

ويعتقد الكاتب أن تجربة الوحدة الأوروبية لم تكن معفية من العوائق، بل كانت عرضة لصعوبات كبيرة وعوائق أكبر، وفي مقدمتها حالة الحرب العالمية وما أفرزته من صراعات سياسية، وتخوفات على مستوى الأمن الأوروبي وما سوى ذلك.

ولعل العوائق الاقتصادية كانت هي الأكبر، ليس فقط بحكم تعارض الأهداف الاقتصادية وتباينها بين الدول الأوروبية، بل وأيضا بسبب رفض بعض دول الجماعة الأوروبية انضمام بعض الدول الأوروبية الانضمام إليها.

لقد اكتشفت الدول الأوروبية، يقول الكاتب، إن التنمية التي تعتمد التكامل بين إمكانياتها الفكرية والاقتصادية والبشرية، أقدر من أية وسيلة أخرى على تلبية حاجات الإنسان الأوروبي، والاستجابة لمطامح القارة بأكملها. وهذا لا يعني أنه لم يكن ثمة وعي بالصعوبات. بالعكس، يقول الكاتب، لكن الدول الأوروبية تداركتها في حينها، وعملت على تجاوزها.

ولعل إحدى عناصر هذا التدارك أن القارة الأوروبية انتقلت " من الصعوبات إلى المؤسسات. ونعني بذلك، أن أوروبا قد تجاوزت ما يعوق التكامل بين دولها، بفضل إيجاد المؤسسات المختلفة المستوى، التي تعمل من أجل دراسة واقع أوروبا وإمكانيات دولها، وتقترح المشاريع التي تستغل إمكانيات أوروبا كوحدة، في سبيل نموها الاقتصادي والمجتمعي".

بالمحصلة، يلاحظ المؤلف أن المجدي اليوم ليس التساؤل في سبل تحقيق وحدة المغرب العربي، بل السؤال في المعيقات والصعوبات التي حالت دون هذه الوحدة...وهي في رأيه كثيرة، لكنه مقدور عليها.

نافذة "قرأت لكم"، 19 أبريل 2012

يمكنكم مشاركة هذا المقال