تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

جدل السياسة والدين والمعرفة

محمد بوهلال، جداول للنشر والترجمة والتوزيع، تونس 2012، 303 ص.

هذا الكتاب، وفق مقدمته: "بحث تأليفي في علم الكلام، وعقائده، و أنساقه، وفرقه".

إنه "دراسة علم الكلام في صلته بالمجتمع الذي أنتجه وبالمعارف المعاصرة له، أي دراسته بما هو عنصر من عناصر النشاط الاجتماعي، ومكون من مكونات المنظومة المعرفية القديمة. هو دراسة لا تسعى إلى التعريف بتاريخ علم الكلام، وإنما إلى بناء تصور فلسفي عام عنه".

إن الهدف من هذا الكتاب، يقول المؤلّف، إنما "دراسة الجدل التاريخي القديم بين الديني والسياسي في الثقافة العربية الإسلامية القديمة، باعتبار هذا الجدل بين السياسي المتصل بصراع المصالح الفردية والجماعية، والديني بما هو قيمي روحي، استقطب أهم قضايا علم الكلام، وكان المحدد الرئيس لمسائله، واتجاهاته، وأطواره، ومآله التاريخي".

وقد صاغ الباحث دراسته بناء على أسئلة محددة من قبيل: ما الحاجة إلى ظهور علم الكلام؟ كيف تطور؟ ما العوامل الكبرى التي أثرت فيه؟ هل انبنى على نظرية علمية تمكنه من التميز عن باقي العلوم؟ الخ.

يركز الكاتب، في الفصل الأول من هذه الدراسة ("في حد علم الكلام ومنزلته التاريخية") على مكانة علم الكلام ضمن باقي العلوم الإسلامية، فيركز على الجانب الاصطلاحي كما ورد عند الفارابي والإيجي وابن خلدون وما سواهم، ليبين بالتالي أن التعريفات التي طاولت هذا العلم ارتبطت بمراحل تطوره، بمعنى أن "مجمل العقائد والأفكار الكلامية كانت من صنع المتكلمين أنفسهم"، نتيجة المحنة التي أصابتهم وأثرت على الأنساق الكلامية المختلفة.

ويحدد الكاتب بعد ذلك، الأطوار التي مر منها هذا العلم، فيميز بين خمس مراحل كبرى في ذلك: أولاها طور الكلام السياسي، من الاختلاف على عثمان إلى منتصف القرن الثاني للهجرة، ثانيتها مرحلة الكلام العلمي الميتافيزيقي، ثالثها مرحلة الكلام المختلط بالفلسفة، ثم طور المختصرات والشروح، فطور الكلام الجديد، "ويبدأ من ظهور كتاب محمد إقبال تجديد الفكر الديني في الإسلام، سنة 1930، ويتواصل مع المدافعين عن وجهة النظر الإسلامية في المسائل الكلامية القديمة، بتوظيف مناهج العلوم الحديثة".

في الفصل الثاني ("الكلام السياسي")، يبين الباحث فيه طبيعة هذا الكلام، والأطراف الفاعلة فيه، والفرق المكونة له من خوارج وغلاة وما سواهم، مع توضيح "الأدوار التاريخية التي نهضت بها، والخصائص العامة التي ميزتها من جهتي التفكير والممارسة".

ويخلص المؤلف إلى السمات الأساس التي ترتبت عن هيمنة علم الكلام السياسي وأهمها: تحويل الشأن السياسي إلى شأن عام، ثم المزج التام بين الديني والسياسي لدرجة تماهي المجال السياسي بالحقيقة الدينية، ثم حصول الانشطار الكبير في الوعي السياسي بين الواقع و المثال.

بالتالي، فإن هذه الهيمنة قد حولت الكلام السياسي إلى "أزمة سياسية ظرفية تاريخية، وإلى أساس دائم لتحديد الاعتقاد.. وظلت هذه الوظيفة توجه جوهريا نظرة السلطة السياسية قديما وحديثا، إلى كل من يعارضها. ولهذا السبب، فشل الكلام السياسي في العثور على حلول لمشاكل المجتمع الإسلامي القديم الرئيسة: مشكلة انقسام الجماعة، ومشكلة التعايش، ومشكلة البرنامج الواضح بالنسبة إلى الدولة".

بالفصل الثالث ("المنعرج الاعتزالي") يتوقف الكاتب عند ما يسميه "التحول الطارئ على علم الكلام منذ القرن الثاني للهجرة"، وهي التي تأتت نتيجة "تحالف المتكلمين مع الدولة في الفترة العباسية، والحاجة إلى التخصص في مجال العقيدة، خصوصا وقد اختص الفقه بميدان المعرفة العملية، والحاجة إلى الدفاع عن الاعتقاد الرسمي، والرد على الخصوم بالطرائق العقلية".

في الفصل الرابع ("الكلام العلمي") يوضح الكاتب السمات الكبرى التي جعلت علم الكلام علما حقا وحقيقة.  ويبين أن الاختلافات بين المقاربات الكلامية المختلفة تتأتى من "تصور التفاعل الأصلي بين العقيدة والسياسة، فمقابل تغليب البعد الروحي في العقيدة على بعدها السياسي عند المعتزلة، كانت الخوارج والشيعة أبرز الفرق التي كرست هيمنة السياسي على العقدي".

وإذا كانت وظيفة علم الكلام، كما يقرّر بو هلال، في تقديم أسس الإيمان القويم، فإنّ ما جعله يرقى إلى مرتبة العلم الدينيّ الأعلى هو قدرته على تقديم تصوّر للعالم يكافئ تصوّرات الفلاسفة وأرباب الديانات الأخرى أو يفوقها.

 ويلاحظ المؤلف "أنّه رغم الكم الهائل من المعارف الذي وظفه علماء الكلام في استدلالهم العقدي، فإن ارتباطهم بالغايات السياسية والعقدية المذهبية، منع علمهم من بلوغ العلمية التي بلغتها الفلسفة البرهانية القديمة".

في الفصل الخامس ("المدارس الكلامية") يركز الكاتب بحثه "للنظر في الفرقة الكلامية، من حيث هي جسم اجتماعي وجهاز تنظيمي ومؤسسة ثقافية وفضاء للحياة والفعل". ويلاحظ أن الفرق التي مثلت مدارس دينية حقيقية لا تخرج عن الشيعة، والمعتزلة، والخوارج، والباطنية، وأهل السنة.

أما جوانب التقاطع والتنافر بين هذه الفرق، فيتعرض لها الكاتب بالتفصيل في الفصول المتبقية: الفصل السادس عن "أصناف المتكلّمين"، الفصل السابع (" الروحانية الكلامية")
 

* "جدلية السياسة والدين والمعرفة"، محمد بوهلال، نافذة "قرأت لكم"، 3 أكتوبر 2013.

يمكنكم مشاركة هذا المقال