تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في اللغة والثقافة والمجتمع المعلوماتي

news-details

1- في العولمة اللغوية

ليس من الضروري في شيء (ولا من المفروض أيضا) أن يكون المرء عالما لغويا فذا أو متضلعا في بنيات اللغة ووظائفها حتى يتسنى له التسليم ولو جدلا بأن عصر العولمة والثورة التكنولوجية وانفتاح الأسواق والاقتصادات وتطور الشبكات الألكترونية وتزايد مظاهر البث التلفزي العابر للحدود وغيرها, قد وضع الثقافة واللغة في المحك ولربما أكثر من أي وقت مضى.

والواقع أن هيمنة بعض من لغات العالم على عمليات التبادل الاقتصادي والإنتاج المعرفي والتكنولوجي وتنقل التيارات الرمزية على نطاق شبه كوني واجتماعات المنظمات الدولية وملتقيات البحث والفكر وما سواها, هذه الهيمنة لم تعد مكمن إجماع عام حول حقيقتها المؤكدة, بل أضحت تقدم في كونها " تهديدا" للحق في التباين والاختلاف و"خطرا" على "هويات" الأفراد والجماعات بهذه المنطقة من العالم أو تلك.

وسواء أكانت اللغة هنا وسيلة اتصال وتواصل وأداة تبليغ وتبادل للمعلومات والمعارف, أم كانت تعبيرا عن ثقافة, عن هوية أو عن علاقات قوة, فإنها أصبحت في الحالتين معا تسائل ذات "الحق" وتستفهم في مستقبل "الهويات" إياها على ضوئه وتحت قوة محكه.

وعلى الرغم من كون التمييز أعلاه يبقى إجرائيا خالصا, باعتبار اللغة أداة اتصال وتواصل ومكمن تمثلات رمزية للأفراد والجماعات, فإن القائم الثابت راهنا أن الجانب الأول من المعادلة هو الموضع أساسا في الميزان بحكم عولمة الاقتصادات وانفجار الشبكات المعلوماتية وتعدد مصادر الأخبار والمعطيات وما سوى ذلك.

ليس من الغرابة في شيء إذن, بناء على هذا, أن تضحو اللغة الإنجليزية, وبكل المقاييس, لغة العولمة القائمة ولغة التيارات الرمزية المقتنية لذات الشبكات, بل قل لغة "الثقافة" السائدة شكلا  كما في الجوهر.

لا يتأتى " تفوق" اللغة الإنجليزية فيما يبدو, من تفوق ما في بنيتها الداخلية أو توفرها على سمات مميزة لها عن غيرها (1), ولكنه تأتى لها كون الدولة الثاوية خلفها (الولايات المتحدة الأمريكية) انفردت بسلطان القوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية وسلطان البحث العلمي والتطوير التكنولوجي وغيرها.

بالتالي, "فعولمة" اللغة الإنجليزية المتزايدة (2) لدرجة أضحت معها لغة التخاطب العالمي ولغة المبادلات الكونية إنما هو رديف منطقي وإلى حد بعيد لعولمة في الاقتصاد والمال والأعمال والبحث والتكنولوجيا تدفع بها الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية كما بالمنظمات الجهوية كما في علاقاتها مع الدول والشركات.

تقول منظمة اليونسكو بهذا الصدد: "إنه أضحى من الضروري أخذ المشكل اللغوي في الاعتبار فيما يتعلق بتكوين التجمعات الاقتصادية الجهوية الكبرى كالنافطا والميركوزير والآزيان والاتحاد الأوروبي وغيرها. إن فكرة البنية اللغوية (3) كحجر أساس للبناءات الجهوية بغرض تقوية التضامنات والحؤول  دون الصراعات مهمة للغاية تماما كما هو الشأن بالنسبة  لمسألة منظومات  بنى النقل والطاقة والاتصالات التي غدت ذات  أهمية كبرى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي"  (4).

ما من شك إذن أن تزايد مد العولمة اللغوية تزامن وتزايد النزعة بجهة التكتل الجهوي والذي يعتبر في الآن ذاته رافعة لذات العولمة ووقوفا في وجه طغيانها على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني وما سواها.

وهو أمر لا يمكن تلمس مظاهره الكبرى على مستوى السياسات اللغوية المعتمدة من لدن كل تجمع فحسب, بل وأيضا على مستويات أخرى تتجاوز البعد الفضائي للمسألة أو طابعها الجغرافي الخالص لتطال البعد الجيوستراتيجي والثقافي كما نلاحظه في حالتي الفرنكفونية والإسبانوفونية والأنجلوفونية وغيرها (5).

ولئن غدت المسألة اللغوية, في عصر العولمة وانفجار التيارات الرمزية على المستوى الكوني, رهانا كبيرا في العلاقات بين دول ومناطق العالم, فليس الباعث في ذلك كونها أداة اتصال وتواصل ووسيلة نقل للمعارف والمضامين, ولكن أيضا لأنها تجر من خلفها رهانات ثقافية وهوياتية ضخمة لا تختزل لحد الساعة إلا في مظاهر ثانوية غير ذات قيمة كبرى تذكر (6).

والسر في ذلك كامن بالأساس في أن "اللغة لا تصلح فقط لتمرير المعلومات المصاغة خارجها, ولكنها تمارس آثارا على بنية المعارف المصاغة داخل نشاطات ذهنية ووفق تداخل اجتماعي بين مختلف المتدخلين...فليست الكلمات في حد ذاتها التي تعبر وتوجه تمثلا للعالم ولكن أيضا أنماط ترتيبنا للكلمات والجمل في الخطاب. وكذلك فإن أنماط تواصلنا وتبادلاتنا هي التي تنظم وتهيكل وتوجه علاقاتنا بالعالم وبالآخرين" (7).

ومعنى هذا أن العولمة اللغوية المتصاعدة المد لا تضع اللغة كأداة في المحك, بل وأيضا في كونها أضحت "ملتقا حقيقيا للعلم والتقنيات, للتربية والثقافة والاتصال"   (8), وهو ما سينعكس حتما على إمكانات الوصول للثقافة ونشرها وإعادة إنتاجها.

بالتالي, فالعولمة اللغوية ليست هدفا (في حد ذاتها) بقدر ما هي (على الأقل بالنسبة لقطب العولمة الأوحد) وسيلة لبلوغ أهداف محددة وآليات مقصودة تكون اللغة بداخلها الأداة والرافعة لا العكس.

والقصد من هنا إنما القول بأنه لو سلمنا بأن الثقافة (في التحديد الأمريكي لها) إنما هي سلعة كباقي السلع, ولو سلمنا بأن "السياسة الثقافية" (9) الأمريكية إنما تتمثل في الدفاع المستميت على مصالح صناعاتها الثقافية, فإنه لن يتعذر التسليم بالتالي بأن اللغة في كل ذلك إنما هي عنصر لنشر منتجات ذات الصناعات وترويجها على نطاق واسع وليست شيئا آخر.

وعلى هذا الأساس, فاللغة الإنجليزية من هنا إنما تعولمت لأنها أولا لغة القوة الكبرى في العالم وثانيا لأنها أضحت في الآن ذاته لغة ذات العولمة تفسح لها في المجال, تفتح لها  الأسواق ولا تتوانى في استقطاب الأفواه المستهلكة لما تنتجه وتعرضه بذات الأسواق .

2- اللغة في المجتمع المعلوماتي

يخال لنا أنه أضحى من شبه المؤكد أنه لا يمكن فصل اللغة والثقافة عن التحولات الكبرى التي تعرفها منظومات المعلومات والمعرفة والاتصال.

كما أضحى في حكم المؤكد أن الإشعاع اللغوي هو أيضا وبالأساس من الإشعاع الثقافي وأن إدراك  هذا الأخير لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي والسياسي وما إلى ذلك (10).

بالتالي, فانبعاث وتكريس النظام التكنولوجي الجديد المتفرع عن ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال لا يبدو لنا مسائلا للغة بقدر ما هو مسائل للثقافة.

ومعنى هذا أن اللغة لا تعدو من هنا سوى كونها وسيطا بين الثقافة وذات النظام لن يكون لها في ذلك من دور كبير يذكر اللهم إلا ما تقدمه لها الثقافة أو ما يتسنى لها ترويجه بداخل الشبكات.

ومعناه أيضا أن الاندماج المتزايد للمعطى والصوت والصورة في منظومة واحدة موحدة, تتفاعل انطلاقا من نقط متعددة ...داخل شبكة كونية بالإمكان بلوغها دون تكاليف كبرى ...هذا الاندماج إنما سيحول حتما طبيعة الاتصال ...والاتصال بدوره "سيشكل ثقافتنا بشكل جذري ما دام أن الذي نراه ليس هو الواقع كما هي لغاتنا ومادامت لغاتنا هي وسائل إعلامنا" ليس إلا (11).

فالثقافة, في ظل هذا النظام التكنولوجي الجديد (12), إنما " تتموسط وتقيم من خلال الاتصال... والثقافات ذاتها,  أي المنظومة التاريخية المشكلة من الاعتقادات والرموز التي تتحول جذريا وستتحول أكثر مع النظام التكنولوجي الجديد" (13).

ليس ثمة شك إذن أن بروز نظام الاتصالات الألكتروني الجديد (وفي صلبه شبكة الإنترنيت وثورة البث التلفزي الرقمي العابر للحدود وغيرها) ذي البعد الكوني, كما أن تزاوج وسائل الإعلام وتزايد التفاعلية ضمنها...كل هذا "حول وسيحول ثقافاتنا إلى ما لا نهاية".

بالتالي, فمستقبل الثقافات كما اللغات  إنما يتحدد بقدرتها على التواجد بهذا النظام     و قدرتها على تمرير المضامين والمعارف بداخله, إذ " في مواجهة تقدم لغة كونية ضاغطة فإن لغة كل بلد وثقافته إنما سيكونان  صورة لما نريده لهما اليوم" وليس شيئا آخر (14).

والمقصود هنا هو القول بأن انفجار الوسائط الألكترونية (سيما المتعدد الأقطاب وشبكة الإنترنيت) إنما سيكون من شأنه قلب مفهوم التواصل اللغوي المعتاد إلى حين عهد قريب فاسحا في المجال " لمرحلة جديدة ", ... مرحلة  " ما بعد الكتابة حيث يمتزج المكتوب بالمسموع, المرئي بالثابت وبالمتحرك مكونين بذلك رسالة اتصالاتية كثيفة المعلومات" (15).

سنكون إذن بإزاء " نقلة نوعية أقل ما يقال عنها إنها ثورة في أسلوب التواصل الذي اعتاده البشر منذ الأزل, وليس لدينا تصور واضح عن طبيعته ولا عن توجهاته ولا عن آثاره النفسية والاجتماعية واستخداماته الشخصية وغير الشخصية, ولكنه سيطرح  بالحتم عددا من الأسئلة المحورية حول العلاقات بين أنساق الرموز المختلفة نصوصا وأصواتا وأشكالا" وغيرها (16).

يبدو الأمر إذن, مع تطور هذه الوسائط وانتشارها السريع, أن اللغة أضحت في الآن ذاته, وسيطا مثلها وحاملا لمنظومة رمزية بالإمكان تلمسها من خلال ما يصطلح على تسميته ب "الثقافة الافتراضية" (17).

ومعنى هذا أن شبكات المجتمع المعلوماتي إنما تتميز بقدرتها غير المسبوقة على ربط كل التعبيرات الثقافية كائنة ما تكن مستويات تباينها وتعددها.

يقول مانويل كاسطيل بهذا الصدد , "إن بروز هذه الشبكات (سيما المتعدد الأقطاب والإنترنيت) إنما تتوازى " وتحطيم الحواجز والتمايزات بين وسائل الإعلام السمعية/البصرية والمكتوب, بين الثقافة الشعبية والثقافة العارفة, بين الفرجة والمعلومة, بين التربية وعملية الإقناع. كل تعبير ثقافي, القبيح كما الجيد, الأكثر نخبوية كما الأكثر شعبية, كلها تذوب في هذا الفضاء الرقمي الذي يربط في إطار نص تاريخي ضخم كل تعبيرات الذهن الماضية كما الحاضرة كما المستقبلية"        (18).

لا تبدو اللغة, في هذا الإطار, مستقلة عن الثقافة بل وفي صلبها ما دامت الثقافة ذاتها هي " نتاج عمليات تواصل" لا على اعتبار أن كل أشكال التواصل ترتكز على عمليات إنتاج واستهلاك الرموز(19), فحسب, بل وأيضا لأن كل المجتمعات تعيش وتتحرك في محيط رمزي بهذه الطريقة أو تلك.

بالتالي, فالجديد, في نظام التواصل الجديد, المنظم حول الاندماج الألكتروني لكل أنماط الاتصال (حتى الحسي منها), لا يتمثل فقط " في كونه ينتج واقعا افتراضيا بل لأنه  يبني للافتراضية الواقعية" بامتياز (20).

لم تعد اللغة في هذا المناخ التكنولوجي إلا مجموعة رموز وبتات ألكترونية يتحدد بموجبها وجود نظام الاتصال من عدمه أو يكاد.

وعلى هذا الأساس, فالرسائل, في ظل هذا المجتمع, إنما " تشتغل على أساس نمط رقمي وكل رسالة مطالبة بالمرور عبر هذا النظام المندمج كي يتسنى لها الإرسال والتأصيل في المجتمع. ومن لا تتمكن من ذلك تبقى محصورة في المخيال الفردي أو في الثقافات المهمشة, ثقافات الوجه لوجه" (21).

من هنا, فالتواصل الألكتروني (المطبعي أو السمعي أو البصري أو المؤتمت) يغدو هو التواصل وما سواه (أي من لا يركب قطار الشبكات) لا قيمة تواصلية له تذكر.

ولما كان هذا النظام ممركزا (22) ومصدرا للبث أحادي, فإن خطر الهيمنة والتنميط الذي يطال مختلف التعابير الثقافية يبقى مطروحا مادام بلوغه يفترض ويشترط التكيف مع منطقه ولغته ونقط مداخله ورموزه وما إلى ذلك.

من هنا تبقى الكلمة/الفصل في ذلك للذي يتحكم في ذوات المنطق واللغة ونقط الدخول ومفاتيح البلوغ وغيرها.

إذ من المؤكد أن اندماج مختلف التعبيرات الثقافية في نظام التواصل المندمج والمبني على إنتاج وتوزيع وتبادل الرموز الألكترونية المرقمنة, إنما هو ذو تبعات اجتماعية وثقافية ولغوية كبيرة تتحدد بموجبها حتما طبيعة المجتمع المعلوماتي ذاته.

الثابت إذن بالمحصلة أن حاضر ومستقبل اللغة والثقافة بالمجتمع المعلوماتي المتصاعد إنما تتحدد بمدى قدرتها على تمثل سمات ذات المجتمع وتوظيف آلياته وضبط نقط مداخله ورموزه: اللغة مطالبة ب "المرور" إلى لغة المجتمع إياه والثقافة مطالبة بأن " ترقى" بواقعيتها إلى واقع جديد (الواقع الافتراضي) الذي يقدم  في كونه مستقبلها  بل" ومصيرها" يقول البعض (23).

3- لغة المجتمع المعلوماتي

ليس ثمة شك, على الأقل قياسا إلى الملاحظة, أن اللغة الإنجليزية أضحت لغة المجتمع المعلوماتي بامتياز.

فهي لم تعد فقط لغة البحث العلمي والتطوير التكنولوجي بل وكذلك لغة قواعد وبنوك المعطيات وشبكات التلفزة والسينما وأداة النشر والترفيه وما سوى ذلك.

بالتالي, فلئن غدت مسألة بلوغ الشبكات هينة إلى حد بعيد في ظل هذا المجتمع, فإنها غالبا ما تتم وفق اللغة إياها أي وفق منطوقها ومفاتيحها وأسرارها السيميائية.

ومعنى هذا أنه لو تسنى للمرء التسليم بأن اللغات كما الثقافات أضحت مترابطة شبكيا (عبر برمجيات معلوماتية محددة) وخصائصها متجاوزة (ما دامت تترجم ببتات ألكترونية لا قيمة تذكر "للخصوصيات اللغوية" في ظلها) فإنه من المتعذر التسليم بمساواتها أمام الشبكات كما قد يشي بذلك الخطاب الرائج (24).

فالثابت أنه بجل الشبكات الإعلامية والاتصالاتية (25) المتوافرة بالعالم, تهيمن اللغة الإنجليزية على ما سواها من لغات في طبيعة المضامين كما في نوعيتها (26).

هي بهذه الشبكات (وبغيرها) "اللغة/المركز حيث تدور في فلكها عشرات من اللغات/المركز (فرنسية, إسبانية, عربية, صينية, هندية, ماليزية...الخ) وتدور في فلكها مائة إلى مائتي لغة مركزية تعتبر بدورها قطب المحور لأربعة آلاف إلى خمسة آلاف لغة هامشية "(27).

أما وأن كل اللغات " متساوية", مادامت قابلة في معظمها لأن تتحول إلى بتات الكترونية, فإن ذلك يطال البث والإرسال ولا يتعلق إطلاقا بنقطة المصب أي بالاستقبال.

بمعنى أن بث كما إرسال كما استقبال " بتات" اللغة الإنجليزية لا يطرح الإشكال ذاته الذي تطرحه " بتات" اللغة اليابانية في جانب التلقي حتى وإن كان لا إشكال قائما على مستوى البث والإرسال, إذ لن يقرأ اليابانية إلا اليابانيون أو العارفون بذات اللغة وبمفاصلها (28).

قد يكون من تحصيل حاصل القول بأنه مادامت الولايات المتحدة هي صاحبة السبق في إقامة النظام التكنولوجي الجديد وتكريس المجتمع المعلوماتي بنى ومضامينا, فإنه من تحصيل حاصل أيضا القول ب "حقها" في أن تكون لغتها هي أداته وحامل لوائه.

وهو أمر مشروع وموضوعي إلى حد ما, يقول البعض, لكن المفارقة بداخله إنما تكمن في أن الولايات المتحدة تستوظف ذات السبق لتربط اللغة الإنجليزية " بنموذج في التربية والثقافة" (29) تبقى اللغات الأخرى بموجب ذلك لغات ثانوية أو مقتصرة على دولة أو مجموعة دول وفي البعض الآخر منها على "الاستعمال الشفوي البدائي" (30) أو "الاستعمال عن قرب" أو الاستعمال الخاص.

يبدو, بالمحصلة النهائية, أنه في هيمنة اللغة الإنجليزية على الاقتصاد الكوني والنظام التكنولوجي الكوني والمجتمع المعلوماتي "الكوني"... يبدو أن هذه الهيمنة لا تتماشى فقط, من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية مع طروحات الاستثناء الثقافي, بل ولا تتماشى إطلاقا مع السياسات اللغوية "الوطنية" القائمة على الحمائية اللغوية  (31) التي تعتبرها العولمة اللغوية عائقا أمام سريان المعلومات وتنقل البيانات والمعطيات وما سواها.

ومعنى هذا أن مد اللغة الإنجليزية (32) قد يتعايش وبناء "اللغات المهمشة",  لكنه يبقى في حالة ممانعة كبيرة واللغات المركزية الأخرى.

يقول لوي جون كالفيت: "العولمة تفترض نشر الثقافة الجماهيرية (سينما, تلفزة, مأكولات الماكدونالدز الخ...) المتوافقة والثقافات الصغيرة (تخصص لهم, فضلا عن ذلك, المعارض والمتاحف) لكنها لا تتحمل الاستثناء الثقافي أو الصمود في حال السينما الفرنسية أو اليابانية أو الإيطالية أو غيرها مثلا.

وقد تقبل طواعية انفجار اللغات إلى تجمعات لغوية صغيرة, لكنها لا تحتمل اللغات الوسيطة أو المركزية التي تمثل محليا العديد من نقط المقاومة. وأوروبا ذاتها لو انصاعت لهذا القانون فإنها ستتوجه حتما بجهة هيمنة الإنجليزية التي ستتعايش مع العديد من اللغات الصغيرة كالكطالانية والكورسية والألزاسية وغيرها..في حين ستتحول الإسبانية والفرنسية من لغات مركزية إلى لغات جهوية, لكن لن تكون لغات/مركز" بأي حال من الأحوال (33).

يخال الأمر إذن ولكأن دفاع اللغات المركزية على اللغات المهددة هو بالتأكيد من الدفاع عن ذاتها عوض أن " تستفرد" بها مجتمعة اللغة المهيمنة.

ويخال الأمر أيضا ولكأن لا مجال للحديث عن "حقوق لغوية" قد تدفع بها هذه الدولة أو تلك أمام مد العولمة وتقدم المجتمع المعلوماتي كائنة ما تكن السياسات اللغوية المعتمدة(34) أو الاستراتيجيات الثقافية أو ما سواها.

بل يبدو من المؤكد أن "القرن الحادي والعشرين سيعرف اندثار مئات اللغات. مما يعني أن العديد من المتحدثين سوف يهجرون لغتهم لفائدة لغات أخرى ويكفون عن نقل لغتهم/الأصل لأبنائهم. هذا لا يعني أن التقسيم الوظيفي (35) سوف يندثر, بالعكس, ستتم إعادة توزيعه تماما كإعادة توزيع أوراق اللعب" (36).

ومعنى هذا أن اللغات المركزية (كالفرنسية والإسبانية والألمانية وغيرها) هي المهددة من لدن اللغة/المركز مادامت هذه الأخيرة هي المستعملة عالميا (حتى بداخل هيئات الاتحاد الأوروبي) التي تشكو من التهديد وتعمل على تجنبه.

والتهديد المقصود هنا قد لا يطال وجود هذه اللغات كأدوات اتصال وتواصل ومكمن حمولات رمزية قائمة, لكنه قد يطال مكانتها وترتيبها بين اللغات, في حين قد تحتفظ العديد من اللغات المهمشة على وظيفتها ومكانتها إذا لم يكن كأداة للاتصال والتواصل فعلى الأقل كمستودع لخصوصية ثقافية وهوياتية لن يبلغها التهديد كثيراعلى المدى القصير والمتوسط (37).

من حكم الوارد إذن أن تتراجع المكانة الرمزية التي تمثلها بعض اللغات المركزية ببعض من الفضاءات الجهوية (الفرنكفونية بالأساس) وذلك على الرغم من السياسات اللغوية التي تنهجها الدول والحكومات.

ومن حكم الوارد أيضا أن السياسات الهادفة إلى بناء " مجتمعات معلوماتية جهوية" على هذه الخلفية تبقى محدودة الأثر والأبعاد, إذ نموذج الاقتصاد والمجتمع "الكونيان" هما في الآن ذاته تكريس لنموذج في التربية والثقافة والفكر (38) لا يقبل ب "يالطا لغوية" تتوزع مناطق النفوذ بموجبها على خلفية من اللغة.

بالتالي, فقد لا يكفي تواجد هذه اللغة أو تلك بشبكة الإنترنيت مثلا (39) أو إنتاجها لحجم ما من المضامين بالشبكات السمعية/البصرية, فهذا لا يضمن لها أمام الإنجليزية المكانة أو "المصداقية". العبرة في ذلك ليست بالبلوغ, العبرة بالتملك أي بمقدرة هذه اللغة أو تلك على موطنة الشبكات إياها في ثقافتها ومواجهة تهديد اللغة الإنجليزية بأدواتها...وهو ما تقوم به اليابان بامتياز كبير...منذ البداية.

هوامش

(1)- "كل اللغات متساوية" يقول كالفي وكلها تتوفر "على القدرة للتعبير بنفس الطريقة عن المعرفة الإنسانية". أنظر:

Calvet. L.J, « Le versant linguistique de la mondialisation », 1999 (Sans référence supplémentaire).

(2)- تقدر الإحصاءات ب 50 مليون الصينيين الذين يقبلون على تعلم اللغة الإنجليزية.

(3)- L’impérialisme linguistique

(4)- Brunsvick. Y, Danzin. A, « Naissance d’une civilisation : le choc de la mondialisation », Ed. UNESCO, Paris, 1998.

(5)- ناهيك عن صمود اليابان أمام هيمنة القطب اللغوي الأوحد وتوظيفها للتطورات التكنولوجية بغرض الحفاظ على لغتها.

(6)- من قبيل غزو بعض المفردات الإنجليزية (سيما المفردات التقنية) للعديد من لغات العالم.

(7)- Berthoud. A.C, « Les défis de la communication scientifique dans une société multilingue et multiculturelle », In « Le processus rédactionnel », Ed. L’Harmattan, Paris, 2001.

(8)- Brunsvick. Y, Danzin. A, « Naissance d’une civilisation … », Ouv. Précité.

(9)- اعتبار الثقافة سلعة كباقي السلع تخضع كما سواها لقوانين السوق وطقوس العرض والطلب يجعل من الصعب معرفة مدلول "السياسة الثقافية" عند الأمريكيين.

(10)- التنمية, في نظر روني ماهو, هي العلم عندما يصبح ثقافة والثقافة القوية غالبا ما تجر وراءها اقتصادا ولغة قويان.

(11)- Potsman. N, « Amusing ourselves to death : public discourse in the age of show business », Penguin Books, New York, 1985.

(12)- راجع في ذلك محور "الرأسمالية المعلوماتية"

(13)- Cf: Castells. M, “La société en réseaux: l’ère de l’information”, Ed. Fayard, Paris, 1998.

(14)- Brunsvick. Y, Danzin. A, « Naissance d’une civilisation … », Ouv. Précité.

(15)- لعل الطور الكتابي الحالي سيطاله التجاوز تدريجيا على اعتبار تقدم الوسائط الألكترونية وتنوع أشكال التواصل.

(16)- نبيل علي, "الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي", عالم المعرفة, العدد 265, يناير 2001.

(17)- لا يبدو لنا التمييز بين الثقافة واللغة إلا من باب التمييز الإجرائي الوظيفي إذ لا أثر يذكر للواحدة دون الأخرى.

(18)- Castells. M, “La société en réseaux… », Ouv. Précité.

(19)- Barth. R, « Leçon inaugurale de la chaire de sémiologie littéraire du collège de France », Ed. Seuil, Paris, 1978.

(20)- Virtualité réelle

(21)- Castells. M, “La société en réseaux… », Ouv. Précité.

(22)- يعتبر نظام المتعدد الأقطاب مصدر هيمنة وتنميط إذ في إطاره يكون الإرسال ممركزا والباث جهة محددة والرسالة مصاغة وفق كل ذلك.

(23)- لدرجة تقدم "لغة" الشبكات الألكترونية معها ولكأنها "لغة تحريرية" تخلص المرء من الأدوات التقليدية لتمثل الواقع والمحيط من حوله.

(24)- ينطلق هذا الخطاب من تصور أن لا ميزة للغة على أخرى في الخصائص والمكونات, بالتالي فلا حائل دون أي لغة لبلوغ الشبكات إنتاجا أو توزيعا أو ترويجا.

(25)- المقصود بالشبكات في هذا المقام يعني البنى التحتية كما المضامين والمحتويات الممررة عبرها.

(26)- أنظر في ذلك إحصاءات اليونسكو في تقاريرها عن واقع الإعلام والاتصال بالعالم.

(27)- Calvet. L.J, « Le versant linguistique… », Art. Précité.

(28)- لذات السبب ترى اليابانيين يكتبون لبني طينتهم باليابانية في حين يكتبون للعالم باللغة الإنجليزية.

(29)- Martinez. M, « Multilinguisme, démocratie et droits linguistiques », Revue Magazine, Juin 1998.

(30)- سيما بالدول ذات التعدد اللغوي الصارخ.

(31)- من قبيل تحديد أوروبا مثلا لسقف محدد فيما يتعلق بحصص البث التلفزي والسينمائي بغير لغاتها.

(32)- على الرغم من تراجع نصيبها بشبكة الإنترنيت كما بحجم التيارات السمعية/البصرية العابرة للحدود.

(33)- Calvet. L.J, « Le versant linguistique… », Art. Précité.

(34)- هل من مصداقية لطبيعة السياسات اللغوية في انفتاح الأسواق و"انتصار" الليبيرالية الجديدة وكثافة تيارات التبادل المادية واللامادية بين الأفراد والجماعات؟

(35)- أي اللغة/المركز واللغات المركزية واللغات المهمشة.

(36)- Calvet. L.J, « Le versant linguistique… », Art. Précité.

(37)- على الرغم من الاندثار المتزايد للغات العديد من الشعوب سيما بإفريقيا.

(38)- في امتداد "للفكر الواحد" و"المعرفة الواحدة" تعمل العولمة والمجتمع المعلوماتي الكوني على التأسيس للغة واحدة.

(39)- لا يكفي الاحتكام بشبكة الإنترنيت على ما لكل لغة من نسبة عامة, بل المفروض استحضار ما لكل منها من محركات البحث ونسب التصفح. راجع في ذلك:

El Yahyaoui. Y, « Internet et société de l’information : essai sur les réseaux du savoir », Ed. Boukili, Kénitra, 2001.

مجلة "يتفكرون"، العدد 7، صيف 2015

يمكنكم مشاركة هذا المقال