هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تفيض بالمرارة والوضوح، استعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي ذكرى المفكر المغربي الراحل مهدي المنجرة، ليس من باب الحنين العاطفي، بل من زاوية النقد العميق
لما آل إليه المشهد الثقافي والفكري بعد غياب أحد أكثر العقول المغربية إزعاجاً للسلطة و”النخب” معاً.
اليحياوي ذكّر بأن شهر يناير كان، لسنوات، موعداً رمزياً لمنح “جائزة التواصل الحضاري شمال–جنوب” التي أسسها المنجرة، ومولها بالكامل من مبيعات كتبه، في سابقة نادرة تعكس استقلالية الرجل ونزاهته الفكرية.
جائزة لم تكن احتفالية عابرة، بل فعل مقاومة معرفية، تُمنح لشخصيات من الشرق والغرب أسهمت في فتح قنوات الحوار بين شمال “أناني متمركز حول ذاته” وجنوب يسعى إلى تثبيت قيمه وثقافته وحقه في التميز.
ويكشف اليحياوي، في شهادة ذات دلالة، أنه كان من بين من يستشيرهم المنجرة في أسماء المرشحين للجائزة، مقترحاً أسماء، ومعارضاً أخرى، خصوصاً حين يتعلق الأمر ببعض المغاربة، حيث – كما يقول – “لا يبرز دائماً على السطح ما هو مضمر في القلوب”، في إشارة إلى ازدواجية الخطاب وانتهازية بعض الوجوه المتصدرة للمشهد.
ومنذ سنة 2014، توقفت الجائزة، ليس لأنها فقدت معناها، بل لأن صاحبها رحل، رحل المنجرة، وبقي مشروعه الفكري بلا من يحمله، ولا مؤسسة تجرؤ على الحفاظ على وهجه، ولو من باب الوفاء الرمزي لرجل “لربما لم نكن نستحقه”، كما يلمح اليحياوي بمرارة.
ويفكك الأكاديمي المغربي الصورة النمطية التي رُوّجت عن المنجرة، مؤكداً أنه لم يكن صدامياً، بل حاد النبرة فقط، وهي الحدة التي جعلته غير مستساغ لدى بعض دوائر السلطة، ومزعجاً لبعض “النخب” التي كان يحرجها بقدرته على كشف مناوراتها ودسائسها، وفضح زيف ادعاءاتها.
وحين رحل المنجرة، يكتب اليحياوي، “تنفّس كثيرون الصعداء”، لأن الغريم الفكري الأكبر دخل صمته الأبدي، لكن الفراغ الذي خلّفه لم يُملأ بالفكر، بل بما يسميه الكاتب “انتشار الفطريات”: دكاترة بالجملة، خبراء بالجملة، محللون بالجملة، مفكرون بالجملة، وجهلة جدد بالجملة أيضاً، ألقاب تُنتقى بعناية، تُرتدى كأزياء، ويُستعرض بها في المشي والكلام، دون معرفة حقيقية أو مسؤولية فكرية.
ولا يتوقف اليحياوي عند حدود النقد، بل يضع إصبعه على جوهر الأزمة: الجهل ليس عيباً، كما يقول، فالكل يجهل شيئاً ما، لكن العيب هو ادعاء المعرفة، وتقمص النقيض، أو الجهل بالجهل، والخروج للناس خطيباً أو مفتياً باسم “الخبرة” و”الفكر“.
وفي اعتراف شخصي لافت، يربط اليحياوي بين رحيل المنجرة وانكفائه هو نفسه عن الأضواء، مفضلاً العزلة وتقليص الظهور، لأن “كثرة الأضواء تعمي البصيرة، وتضع غشاوة على البصر”، عبارة تختصر موقفاً أخلاقياً بقدر ما تكشف إفلاس مشهد صار يقيس القيمة بعدد الظهورات لا بعمق الأفكار.
ليست تدوينة اليحياوي مجرد استذكار لرجل راحل، بل مرثية للعقل النقدي في زمن الضجيج، وصرخة ضد الرداءة المقنّعة بالألقاب، وتذكير مؤلم بأن غياب الكبار لا يعني فقط فقدانهم، بل يفتح الباب واسعاً أمام كل ما هو هشّ، ومزيّف، وسهل الهضم.
هيبازوم، 20 يناير 2026
https://www.hibazoom.com/article-199378/