تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

اليحياوي بعد توقيف برنامج "دين ودنيا": هل أصبحت محاسبة الناخب دينياً ممنوعة على الهواء؟

هبة زووم – الرباط
 

عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى واجهة الجدل الإعلامي والسياسي، عقب قرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري توقيف بث برنامج “دين ودنيا” على أثير إذاعة “شدى إف إم” لمدة شهر، في قرار جاء على خلفية حلقة بثت يوم 18 شتنبر الجاري، أي في خضم الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر.


القرار الرسمي، رقم 26-62 الصادر في 18 شتنبر 2026، لم يقتصر على مضمون تصريحات ضيف الحلقة، بل سجل المجلس أن الضيف، الذي قدمته الإذاعة بصفته “الأستاذ الشيخ الداعية”، وظف صفته ومكانته الدينية في سياق متعلق بالاختيار الانتخابي، كما سجل ملاحظات بشأن طريقة تدبير النقاش وعدم تدخل منشّطة البرنامج بالقدر الذي اعتبره المجلس ضرورياً لضبط مسار الحلقة، وبناء على ذلك، تقرر توقيف بث البرنامج لمدة شهر ابتداء من 19 شتنبر.


غير أن اليحياوي اختار قراءة القرار من زاوية مختلفة تماماً، معتبراً أن المضمون الذي أثار تدخل الهيئة لا يستحق العقوبة، بل كان ـ في نظره ـ من صميم الكلام الذي ينبغي أن يسمعه المواطن خلال فترة انتخابية يفترض أن يكون فيها النقاش حول معنى المسؤولية السياسية وأمانة التصويت في أعلى مستوياته


ويتعلق الأمر بتصريحات الضيف الذي تحدث عن صوت المواطن باعتباره “شهادة” أمام الله، قبل أن يميز بين التصويت لشخص يراه الناخب صادقاً ونزيهاً ويخدم الوطن والمواطن، وبين التصويت لشخص فاسد أو متورط في النهب والسرقة والاحتيال، معتبراً أن الناخب يتحمل بدوره مسؤولية اختياره.


ويقول اليحياوي، في تدوينته، إنه لا يكتفي بتقاسم هذا الكلام، وإنما “يتبناه” في شكله ومضمونه، معتبراً أن هذا النوع من الخطاب كان يفترض أن يحضر بقوة في المجال العمومي خلال الحملة الانتخابية، وليس أن ينتهي إلى توقيف برنامج إذاعي.


بل يذهب الباحث أبعد من ذلك، حين يرى أن مضمون التصريح كان جديراً بأن يكون موضوعاً لخطب الجمعة، معتبراً أن التركيز على مسؤولية المواطن عن اختياره الانتخابي كان، في رأيه، أكثر اتصالاً باللحظة السياسية من مواضيع أخرى يرى أنها لم تعد تقنع المواطنين.


لكن هنا تحديداً يظهر جوهر الخلاف الذي يستحق النقاش: هل يجوز توظيف الخطاب الديني في توجيه الاختيار الانتخابي، أم أن حياد وسائل الإعلام خلال فترة الانتخابات يفرض الفصل بين الوعظ الديني وبين عملية الاختيار السياسي؟


فالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري اعتمدت قبل الانتخابات قراراً معيارياً خاصاً بالتعددية السياسية خلال الفترة الانتخابية، وحددت فترة انتخابية تمتد من 15 غشت إلى 22 شتنبر، مع قواعد ترمي إلى ضمان حياد وتعددية وسائل الإعلام وتمكين المواطنين من التصويت الواعي والاختيار الحر.


ومن هذه الزاوية، فإن قرار الهاكا لا يتعلق ـ وفق تعليلها المنشور ـ بمجرد التعبير عن رأي ديني، وإنما بالسياق الذي قيل فيه الكلام، والصفة التي قدم بها المتحدث، والطريقة التي أديرت بها الحلقة، ومدى تأثير ذلك في الإرادة الانتخابية خلال فترة انتخابية حساسة.


غير أن اليحياوي لا يبدو معنياً بهذه القراءة التنظيمية، بقدر ما يريد طرح سؤال أكثر حساسية: إذا كان المواطن مطالباً بتحمل مسؤولية صوته، فلماذا يصبح الحديث عن هذه المسؤولية، عندما يأتي في قالب ديني، موضع عقوبة تنظيمية؟


ثم يوجه سهامه مباشرة إلى الهيئة ورئيستها لطيفة أخرباش، قائلاً إن الرئيسة «تعرف موقفه منها، وهو يعرف موقفها منه»، قبل أن يضيف: "لذلك، فلا داعي هنا لفتح الدفاتر".
وهي عبارة تفتح بدورها باباً آخر من الأسئلة، لأن إدخال العلاقة الشخصية أو السابقة بين صاحب الرأي ومسؤولة الهيئة في سياق نقد القرار يطرح مسألة الفصل بين الموقف من المؤسسة والموقف من قرار تنظيمي محدد.


فالجدل الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة شخصية بين اليحياوي ورئيسة الهاكا، بل أن يظل منصباً على السؤال الجوهري: هل كان قرار التوقيف متناسباً مع المخالفة التي سجلتها الهيئة؟ وهل كان مضمون الحلقة يشكل فعلاً محاولة للتأثير في الاختيار الانتخابي، أم أنه يدخل في نطاق التعبير عن تصور ديني لمسؤولية الناخب؟


وفي المقابل، يطرح قرار الهاكا سؤالاً لا يقل أهمية: هل يكفي أن يكون الخطاب موجهاً إلى محاربة الفساد والدعوة إلى اختيار «الصالح» حتى يصبح محايداً انتخابياً؟ أم أن تحديد من هو “الصالح” ومن هو “الفاسد” يفتح تلقائياً باب التأثير في إرادة الناخب، خصوصاً عندما يصدر الكلام عن شخص يقدم للمستمعين بصفته شيخاً وداعية؟


وبين القراءتين، تبدو القضية أكبر من برنامج إذاعي واحد، إنها مواجهة بين منطقين: الأول يرى أن الدين يمكن أن يقدم للناخب معياراً أخلاقياً لاختيار ممثليه، والثاني يرى أن المجال الإعلامي الانتخابي يحتاج إلى قواعد دقيقة تمنع أي سلطة رمزية ـ سياسية كانت أو دينية ـ من توجيه إرادة الناخبين.


وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل أوقف “دين ودنيا” بسبب مضمون سياسي مقنع، أم بسبب الطريقة التي جرى بها توظيف الخطاب الديني داخل لحظة انتخابية يفترض أن يكون فيها المواطن حراً في اختياره بعيداً عن أي تأثير غير مشروع؟ ذلك هو جوهر القضية، أما «فتح الدفاتر» بين اليحياوي ورئيسة الهاكا، فذلك ملف آخر.

 

هيبازوم، 22 شتنبر 2026

https://www.hibazoom.com/article-214649/

قراءة المقال

يمكنكم مشاركة هذا المقال