تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"حرب المعادن النادرة"

إذا كانت أزمة مضيق هرمز وما ترتب عنها من احتدام للصراع حول سبل تدفق النفط بين البلدان المنتجة والمصدرة والبلدان المستهلكة، قد تجلت من خلالها طبيعة المواجهة الخشنة بين هذه البلدان، فإن ثمة أوجه صراع خفية لا تظهر على السطح ولا بالنقاشات العامة، مع أنها ستكون بالقطع مصدر نزاعات كبرى، لربما أكبر بكثير من الصراع الجاري حاليا حول النفط والغاز.

من هذه الصراعات "الخفية"، ما نراه من مواجهة مضمرة حول المعادن الأراضي النادرة التي تكتنزها. وهي مجموعة من سبعة عشر معدنا، يقال إنها ستكون في قلب المنظومة التقنو/اقتصادية للعقود القادمة من القرن الحالي.

لن يتمحور الصراع مستقبلا حول من يمتلك النفط والغاز، دع عنك من يحتكم على باقي المواد الأولية ذات الأهمية المتدنية. ولن يتمحور حول من يملك هذه المعادن ولديه القدرة على تحريكها كأداة تنافسية اقتصادية وتجارية. سيتمحور أكثر حول من سيوظفها كذرع من أذرع النفوذ الجيو/سياسي والاستراتيجي في العالم.

في العام 1992، قال دينغ شياو بينغ، مهندس التحولات الاقتصادية الكبرى في الصين: "الشرق الأوسط لديه النفط، والصين لديها المعادن النادرة".

والمقصود بالمعادن النادرة، إنما تلك العناصر الحيوية التي باتت اليوم وستكون غدا، في قلب منظومة الصناعات الحديثة والتكنولوجيات المتقدمة. إنها توصف تجاوزا بالنادرة، لكن ندرتها لا تحيل على كمية ما هو متوافر منها ومؤكد بقشرة الأرض. ندرتها تتأتى من كونها ممزوجة بمعادن أخرى، يتعذر فصلها عنها، وإن تيسر الأمر، فبكلفة عالية وبتقنيات معقدة. ثم إن بعضها قد يكون متوافرا بكميات معتبرة، لكن بحكم تناثرها ضمن رواسب جيولوجية أخرى، يجعل عملية استخراجها وفصلها متعذرة ومكلفة.

فلاستخراج 20 كيلوغراما من الحديد مثلا، يجب استئصال الصخور لأكثر من 20 مرة ، في حين تستوجب عملية الحصول على نفس الكمية من معدن نادر، استخلاص آلاف الأطنان من الصخور، إذ نحتاج إلى حوالي 1250 طن من الصخر، كي نستخرج كيلوغراما واحدا من "اللوتاسيوم". وهو لربما الأمر ذاته، بالنسبة لمعادن "التيتانيوم" و "الليثيوم" و"الغرافيت" و"اليورانيوم" و"البيريليوم" وغيرها من باقي المعادن.

إنها مفتاح تكنولوجيا المعلومات وباقي التكنولوجيا المتقدمة، إذ تدخل المعادن النادرة في بنية الصناعات الحيوية، من قبيل صناعة الهواتف الذكية والسيارات الذكية، وشاشات العرض وتوربينات الرياح الكهربائية والبطاريات القابلة لإعادة الشحن، ومكونات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، دع عنك التطبيقات السرية في المجال العسكري والاستخباري. وتدخل أيضا في مركبات التطبيقات الطبية، لا سيما بالنسبة للأمراض مستعصية العلاج كالسرطان.

أما بالنسبة للسيارات الكهربائية، التي تراهن عليها معظم البلدان المتقدمة لضمان انتقالها البيئي، فإن بطارياتها تعتبر المسؤول الأول عن 70 بالمائة من الطلب العالمي على الكوبالت والألمنيوم والليثيوم والنيكل وأتربة نادرة أخرى.

لا تقتصر أهمية هذه المعادن في تطبيقاتها، بل تتعداها إلى من يملكها ويملك ناصية استخراجها. للصين هنا قصب السبق، إذ تهيمن على ما يناهز 90 بالمائة منها، في حين لا يتوفر لدى الولايات المتحدة إلا أقل من 10 بالمائة، ثم أوكرانيا وروسيا والبرازيل بنسب ضعيفة متفاوتة.

لا حاجة هنا للتدليل على طبيعة الصراع القادم بين بلدين (الصين والولايات المتحدة الأميركية) هما أصلا في صدام تجاري محتدم منذ عشرات السنين. لكن الصين تسيطر على كل سلسلة التوريد. إذ في العام 2021، جاءت 78 بالمائة من الإنتاج العالمي للعناصر النادرة من الصين، ولها أكبر الاحتياطيات، كما أنها تسيطر على حوالي 70 بالمائة من الإنتاج العالمي و أكثر من 90 بالمائة من قدرات الفصل والتكرير.

الصين إذن، هذه القوة القادمة، باتت هي من يملك مفاتيح مستقبل التكنولوجيات الدقيقة في العالم. وهو أمر رتبت له الصين منذ زمن بعيد، برؤية واضحة وطموح استراتيجي قوي وبراعة في توظيف الموارد، من استثمارات وبنى تحتية وخبرات تقنية وغيرها.

عندما فرضت الولايات المتحدة في أبريل العام 2025، رسوما جمركية بنسبة 145% على المنتجات التكنولوجية الصينية، ردت الصين بضرائب مضادة بنسبة 125%، مع قيود مشددة على تصدير المعادن النادرة. وهو ما أثار غضب صناعة السيارات، وصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخليوية الذكية وغيرها.

وعلى الرغم مما تتوفر عليه من احتياطات ضخمة، فقد راهنت الصين على المصادر الخارجية لهذه المعادن، فباتت تسيطر بحلول العام 2025، على حوالي 40% مما تكتنزه إفريقيا من هذه المعادن.

أما باقي البلدان المتقدمة، مثل بلدان الاتحاد الأوروبي وكندا، فلم تنجح في إيجاد بدائل عملية لهذه المعادن، أو لربما اقتنعت بأن السباق قد تجاوزها، فاكتفت بموقع المتفرج، في عصر اختلطت فيه عناصر المنافسة الاقتصادية بالرهانات التكنولوجية وبالسيادة الوطنية.

 

موقع عروبة، 21 شتنبر 2026

 

https://ourouba22.com/article/9815-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9

يمكنكم مشاركة هذا المقال