تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بانوراما الانهيار الشامل للنظام العربي

ليس هناك مجال للمكابرة في الاعتراف بأن النظام العربي الرسمي، أو ما اصطلح على كونه كذلك، قد انهار لدرجة لا يستطيع المرء معه لا إصلاحا في البنية ولا ترميما في البنيان.

بالعقدين الأخيرين على الأقل، نلاحظ المظاهر الثلاثة التالية:

– انحسار في العلاقات البينية بين الأقطار العربية، بل نكاد نجزم أن هذه العلاقات باتت مقتصرة ومحصورة في بعض "الملفات ذات الطابع الخاص"، المرتبطة أساسا إما بالتنسيق الأمني لمحاربة الإرهاب، أو بتبادل المعلومات والتجارب بغرض التصدي لظاهرة الهجرة، أو بـ"رسم الخطط" في أفق مواجهة بعض مظاهر الجريمة العابرة للحدود.

لقد تراجع منسوب الثقة فيما بين الدول العربية بعضها البعض بشكل مريع، وبات الرؤساء والملوك العرب يحتاطون من بعضهم، بل ويتجسسون على بعضهم البعض، إما مباشرة، أو عن طريق وسطاء غربيين لا يعدمون سبل الحصول على المعلومات بقواعد بياناتهم، أو من خلال سماسرة لهم متمرسين بعين المكان.

– وجامعة الدول العربية قد باتت في حل تام من قضايا العرب الكبرى، قياسا إلى طبيعة أدائها، وارتهان "اختياراتها" وقراراتها من لدن هذه الدولة "الوازنة" أو تلك. لم تعد الجامعة فضاء للتداول والتقرير في مهددات الأمن القومي، ولا ملتقى للتفكير في تعميق العمل العربي المشترك، بل أضحت بنية تساير انهيار النظام والمنظومة في موازين قواهما، كما في مآلهما سواء بسواء.

"
تراجع منسوب الثقة فيما بين الدول العربية بعضها البعض بشكل مريع، وبات الرؤساء والملوك العرب يحتاطون من بعضهم، بل ويتجسسون على بعضهم البعض، إما مباشرة، أو عن طريق وسطاء غربيين لا يعدمون سبل الحصول على المعلومات بقواعد بياناتهم
"

هي غذت، في أحسن ما تستطيع تقديمه، مقياسا صادقا لدرجة التشظي والانقسام الذي طال النظام العربي، على الأقل بالقياس إلى ما كان عليه ولو جزئيا بالستينات وبداية السبعينات، أي زمن ما يمكن تسميتهم تجاوزا بـ"المؤسسين/الرواد".

– أما التجمعات والمجموعات الجهوية والإقليمية، التي لطالما تم التباهي بها واعتبارها، إذا لم يكن رافدا من روافد الوحدة العربية، فعلى الأقل معبرا عمليا للعمل المشترك، فقد طالها التكلس وأصابها الوهن وهي في بداياتها الأولى (كما حال اتحاد المغرب العربي)، أو بعدما قطعت بعض الأشواط المبشرة بالأمل كما الحال مع تجربة مجلس التعاون الخليجي.

مشروع اتحاد المغرب العربي تجمد بفعل مشكل المغرب والجزائر حول الصحراء، وقاطرة مجلس التعاون الخليجي توقفت بسبب حرب اليمن والحصار المفروض على قطر. لقد دخلت "التجربتان" معا، وإن باختلاف الظروف والسياق، في دينامية من الفشل لم تشفع لها لا تجارب الجيران الناجحة ولا مصلحة الشعوب التواقة إلى تكامل عربي يقي بعضها العوز ويصرف عن الباقي خيار التسول لدى هذا البلد الأجنبي أو ذاك.

وعلى الرغم من الزعم بأن انفتاح العمل العربي على الرافد الإسلامي (في ظل منظمة التعاون الإسلامي مثلا) من شأنه أن يستل هذا العمل من مستنقعات الفشل والتردي، فإنه لم يسهم بدوره إلا في إعادة إنتاج الفشل بكل أشكاله وتلاوينه. بل إن العداوات قد بلغت، بالسنين الأخيرة، مستويات متقدمة بين دول عربية وإسلامية أذكتها إما نعرة مذهبية دفينة أو أججتها ترسبات تاريخية لم ينجح بعد المصلحة العامة المشتركة في مداواتها.

ما قدمناه أعلاه جزء من بانوراما متكاملة الأوصاف، عنوانها الأبرز: الفشل المستدام والانهيار الشامل، ومآلها المحتم: التدمير الذاتي الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الإجهاز على النظام وعلى المنظومة تماما ونهائيا.

لا يمكن لاثنين أن يختلفا حول تشخيص واقع الحال، ولا يمكنهما ادعاء خلاف ما ذهبنا إليه، حتى وإن اختلفت النبرة وتباينت حدة اللهجة. بالقدر ذاته، فإنهما لا يستطيعان الاختلاف حول أسباب ذلك، ولا حول طبيعة العوامل التي أفرزت هذا الواقع وجعلته مادة لا تستطيع الحفاظ على مقومات الحياة والاستمرارية.

جزء كبير مما يعيشه النظام العربي متأت منه، فيما الجزء الآخر متأت من "الأغيار".

أما ما هو ذاتي فمتأت من نجاح النظام إياه في تقوية النعرة القُطرية التي أتى بالأصل لمحاربتها أو على الأقل للتجاوز عليها وحصرها في حدودها الدنيا. معالم الفشل كانت بادية منذ اليوم الأول، أي منذ إنشاء جامعة الدول العربية بالتحديد، لأن فلسفة النظام اشتغلت منذ البداية، بالتوازي أو في ظل سياسات تقوية الدولة القُطرية. ولذلك، فتهاوي جزء من النظام إنما مرجعه تغول الدولة القطرية بالتدريج.. مصر، ثم العراق، ثم بلاد الشام، ثم السعودية وبعض دول الخليج العربي.. وهكذا.

"بصلب الجامعة العربية مثلا، تبدو الدول ولكأنها مسلوبة الإرادة حقا، مرتهنة القرار، لا تستطيع تدبيج البلاغات إلا خلف لغة إنشائية مطاطة، قد تؤولها لفائدة هذه الجهة وقد تفسرها لفائدة تلك، لكنها لا تخرج مجتمعة عن مبدأ الولاء للأجنبي والهروب من اتخاذ القرار
"الحاصل، بتطور الأمور، أنه عوض أن يكون النظام العربي الرسمي متبوعا وقائدا، بات تابعا ومنقادا. وعوض أن يكون عنصر صهر القُطري في القومي، أضحى يتحايل لجعل القُطري هو الأصل فيما القومي هو الفرع. الفصل لم يعد من اختصاص القومي الجامع، بل غدا من صلاحيات القُطري المشتت.

لن نعدم الأمثلة للتدليل على ذلك، وإلا فكيف نفسر إدانة العراق بتسعينات القرن الماضي، بأغلبية الأصوات، فيما القاعدة تستوجب الإجماع في كذا قضايا كبرى؟ "الدول القائدة" هنا (مصر وبعض دول الخليج الغنية) قدمت مصلحة الفرع على الأصل، فدشنت بذلك لسابقة لم يعد الإجماع في ظلها ذو قيمة اعتبارية تذكر. من حينه، باتت القاعدة استثناء وتحول الاستثناء إلى قاعدة، ولم يعد بمقدور المرء التمييز بين القار والعابر، بين الإستراتيجي البعيد المدى، وبين التكتيكي الذي يحاول تدبير الأمور إلى حين، عوض معالجتها أو حلها.

"بانوراما الانهيار الشامل للنظام العربي"، الجزيرة نت، 23 دجنبر 2017.

https://www.aljazeera.net/opinions/2017/12/21/%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D9%85%D9%84-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85

 

 

 

يمكنكم مشاركة هذا المقال