تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. إعادة التفكير في مستقبل النظام الدولي" (2/2)

عبد القادر دندن، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2023، 192 ص.

ساد تاريخيا التمييز ما بين الشرق والغرب، إذ لكل منهما خصائصه المميزة، وذلك على الرغم من الحالات التاريخية العديدة للتلاقح الثقافي بينهما، لكن جدل القوة والنفوذ يظل عاملا محددا في علاقات الجانبين على امتداد التاريخ.

لقد بلغ المد الاستعماري أوجه قبل بداية الحرب العالمية الأولى، عندما وصلت الإمبراطورية البريطانية حدها الإقليمي الأقصى، فنشأت هيمنة الغرب بوجهه الثقافي، فيما سمي بالإمبريالية الثقافية الغربية، لأن "الاستعمار سمح بنشر الثقافة الغربية مدفوعة باختراق الرأسمالية وظهور سياسات التغريب".

ولما جاءت الثورة الصناعية، منحت أوروبا أفضلية على قوى وحضارات الشرق خاصة في الهند والصين، والتي كانت الأكثر قوة اقتصاديا وتقدما تقنيا، فتبلورت هوية الغرب وحدوده الثقافية والجيوسياسية المعاصرة، ليشتمل على أوروبا وأميركا الشمالية، ثم الدول الأخرى التي استوطنها الغربيون كأستراليا ونيوزلندا.

بعد الحرب العالمية الثانية، فرضت الولايات المتحدة الأميركية نفسها كقوة غربية أولى في ظل تراجع القوى التقليدية مثل بريطانيا وفرنسا. ورغم أنها "جوبهت بمنافس شرس وهو الاتحاد السوفيتي، الذي زادته انتصاراته خلال الحرب الكبرى قوة ورغبة في الهيمنة، وبعد أكثر من أربعة عقود من الصراع فيما عرف تاريخيا بالحرب الباردة، انهار عام 1991 تحت وطأة ضرباتها وسياساتها، وانفردت الولايات المتحدة بمقدرات النظام الدولي، وتجسد ذلك في امتلاكها لمختلف مقومات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، وتوظيفها لذلك في صياغتها لمفهوم النظام الدولي الجديد بعد حرب الخليج".

بعد ثلاثة عقود من انتصار الحرب الباردة، "عادت خطوط الصدع والصراع الإستراتيجي للظهور مرة أخرى، تقودها نهضة كل من الصين وروسيا. ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال الأكبر عالميا من حيث القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية، إلا أن هناك قوى أخرى مثل الصين والهند وروسيا إضافة إلى دول الآسيان والبرازيل وجنوب إفريقيا، تبرز بشكل سريع كفاعلين مهمين، ما يعني أن العالم يتجه الآن نحو التعددية القطبية".

وفي الوقت الذي تتلاشى فيه صدارة الغرب، فإن أكبر وأهم زيادة في القوة ستكون لصالح الحضارات الآسيوية. مع بزوغ الصين، تزايدت قوة الشرق وزاد زخم تقدمه الهادف إلى زحزحة الغرب عن مكانته، بتصنيف روسيا ضمن قوى الشرق إلى جانب القوى الآسيوية التقليدية.

ستصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2050، بسيطرتها على 20 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لتليها الهند في المركز الثاني بارتفاع ناتجها المحلي الإجمالي ب 15 بالمائة، والولايات المتحدة الأميركية ثالثة، فيما ترتقي إندونيسيا للمركز الرابع متفوقة على اليابان. يقابل ذلك تراجع في نصيب الغرب في الاقتصاد العالمي والتجارة الخارجية، إذ انخفض نصيب الولايات المتحدة الأميركية في التجارة العالمية من 15 % عام 1970 إلى 9 % عام 2019، لتحتل المركز الثاني عالميا، تاركة الريادة ومنذ سنوات للصين، التي تعد أكبر دولة تجارية في العالم بقيمة 4.5 تريليون دولار ترليون دولار عام 2020، في الوقت الذي قدرت فيه قيمة التجارة الأميركية ب 3.9 تريليون دولار فقط.

لو أخذنا عالم التكنولوجيا اليوم مثلا، فإنه من الواضح أن تحتل فيه القوى الآسيوية مكانة عالمية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند والصين، والكثير من الصناعات المتقدمة في الغرب لا يمكنها أن تستمر حاليا بدون الإبداعات التكنولوجية للآسيويين، وبالأخص في مجال الرقاقات الإلكترونية وأشباه الموصلات، التي تقوم عليها الصناعات المعاصرة للهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر، وصولا إلى الطائرات والصواريخ ومختلف الأسلحة المتطورة، مع تقدم الشركات التكنولوجية الآسيوية على نظيراتها الأميركية والأوروبية بأشواط.

وفي محاولة لمحاكاة تجربة وادي السليكون، تم إنشاء شركات ومدن تكنولوجية متكاملة بخبرات محلية هندية في أماكن عدة مثل كالكوتا، بومباي وحيدر أباد، حيث تحولت الهند إلى أكبر مصدر عالمي للعقول المبدعة والمهندسين في مجال البرمجيات، لصالح شركات عملاقة مثل "مايكروسوفت" و"آي بي إم" و"ناسا" وغيرها.

لن تتقبل الولايات المتحدة في المدى المنظور، حقيقة تحول الصين (وباقي البلدان الصاعدة) إلى فاعل دولي أساسي على المسرح الدولي بحكم الأمر الواقع، ليسود نوع من "الهيمنة المشتركة التي يتمتع بها كل طرف في مناطق نفوذ خاصة به، وحدوث تعايش سلمي بينهما دون أن يجرؤ أحدهما على التصادم مع الآخر، مع وجود قواعد اشتباك سياسية ومدونات سلوك إستراتيجية وقنوات اتصال دائمة متفق عليها، تحكم علاقاتهما، وتمنع التصعيد الذي لا تحمد عقباه، لأن مصالح الطرفين تلتقيان حاليا وفي المستقبل القريب عند تحجيم احتمالات الصدام إلى حدودها الدنيا".

ما تخشاه واشنطن أكثر هو تنامي التنسيق والتعاون الصيني-الروسي بشكل أكبر إلى حدود التحالف الإستراتيجي الوثيق، وتزايد نقاط الوفاق والتفاهم بينهما إلى أقصى حدودها، خاصة "فيما يتعلق بالعمل على تغيير هيكل النظام الدولي ومعارضة الوضع القائم، لأن القوتين الصاعدتين والطامحتين إلى استعادة مكانتهما العالمية، تمتلكان مقومات قوة متكاملة. فبينما توجد رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرة وكبريات الشركات والأيادي العاملة المؤهلة وحتى عالية التقنية هنا (الصين)، تتركز الموارد الطاقوية والمعدنية والأسلحة هناك (روسيا)، مع تمتعهما معا بعضوية دائمة في مجلس الأمن.

أميركا لا تزال تمتلك مقومات كبيرة وحاسمة للقوة. فهي الأولى عالميا، عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، ومن حيث جاذبية الثقافة والنموذج القيمي، وذلك رغم الاعتراف بكل ما يعتري هذا النموذج وعناصر القوة الأميركية والغربية من ضعف وتآكل. لن يكون بمقدورها التفريط بسهولة في ميراث عقود من الهيمنة والنفوذ، والاعتزاز بالمركزية الغربية، والإيمان بقوة تفوق العرق الأبيض وسيادة القيم الغربية...الخ. لكن صعود القوى الجديدة من شأنه أن يزحزح هذا الموقع ويدفع لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق أنماط تنظيم جديدة.

 

نافذة "قرأت لكم"

30 أبريل 2026

يمكنكم مشاركة هذا المقال