تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الجهادیون المغاربة. جدل المحلي والعالمي" (1/2)

محمد مصباح، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2021، 212 ص.

 

في ليلة الجمعة، 16 ماي 2003، عاش المغرب على إيقاع سلسلة من التفجيرات الانتحارية بمدينة الدار البيضاء، استهدفت فنادق ومطاعم في وسط المدينة. 14 انتحاريا تتراوح أعمارهم ما بين 22 و 31 سنة، أقدموا على تدشين أكبر عملية دموية مرتبة في تاريخ المغرب المعاصر.

 

بيد أن التركيز على تحليل العوامل الأمنية، أدى إلى إغفال جذور الظاهرة والعوامل العميقة التي أدت إليها. فتفجيرات الدار البيضاء "كانت إشارة على تحولات اجتماعية عميقة وتعبيرا انفجاريا عن حالة الاحتجاج ضد الإقصاء الاجتماعي وحالات اليأس التي أصابت فئة من الشباب الذي لم يستفد من ثمار التنمية".

 

صحيح أنه لا يمكن اختزال ظاهرة الإرهاب بعامل الفقر فقط، إلا أنه "لا يمكن القفز على مسألة التهميش الاقتصادي وما يرتبط به من إحساس بالاغتراب عن المجتمع، لفهم وتفسير التطرف الديني. فالخلفيات الاجتماعية لمنفذي تفجيرات الدار البيضاء تشير إلى أنهم جميعا ضحايا وضعية تتسم بالإقصاء الاقتصادي والاجتماعي، وغياب البدائل للخروج من وضعية التهميش، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار المناخ السياسي الدولي المناهض للهيمنة الأميركية وسياساتها في منطقة الشرق الأوسط".

 

ورغم تنوع المقاربات التي عالجت هذا الموضوع، إلا أنها تمحورت في معظمها حول ثنائية تركز على تطرف الإسلام من ناحية، وعلى توافر البنيات السياسية التي أدت إلى توفير بيئة مناسبة للتطرف.

 

وقد عملت الدولة من حينه، "على إعادة صياغة استراتيجية أمنية ودينية شاملة لمواجهة التحديات المفترضة التي باتت تفرضها التهديدات الأمنية، والعمل على تجفيف منابع التطرف، وتبنت السلطات في الرباط مقاربة متشددة للتعامل مع التيارات الإسلامية سواء المعتدلة منها والمتطرفة، بالإضافة إلى ذلك، بلورت سلطات الرباط استراتيجية جديدة في المجال الديني هدفت إلى تأميم هذا المجال وضمه لحظيرة الدولة وتركيز السلطة الدينية في يد المؤسسات الرسمية".

 

ويلاحظ الكاتب أنه على خلاف دول أخرى في العالم العربي مثل مصر والجزائر، فقد افتقد التيار الجهادي في المغرب "الزعامة الكاريزمية التي تستطيع تجميع شتات التيار المنقسم على ذاته. ونتيجة لكل هذه الأسباب، لم يمتلك الجهاديون استراتيجية واضحة للصراع وأولويات المواجهة، لاسيما بين أولوية استهداف العدو البعيد الولايات المتحدة والغرب أو العدو القريب الأنظمة السياسية العربية، وهو ما أدى إلى إضعافها بشكل كبير". بيد أن أغلب الخلايا التي تم تفكيكها بعد سنة 2012، كانت لها علاقة بتنظيمات جهادية عابرة للحدود إما بهدف التسفير نحو الخارج أو تنفيذ عمليات إرهابية في الداخل.

 

ويلاحظ أيضا أنه على "رغم ما يظهر عليها اليوم من استقرار سياسي، فإن الملكية في المغرب خلال الستينات، لم تكن في مأمن من المخاطر التي واجهتها ملكيات عربية أخرى. فقد كان الصراع على أشده بين الجناح اليساري من الحركة الوطنية، الذي كان يسعى إلى الحد من صلاحيات المؤسسة الملكية، بينما كان جناحه الراديكالي يسعى للتخلص منها. بالمقابل، كانت المؤسسة الملكية ترى في قوة الحركة الوطنية عموما وفي جناحها اليساري خصوصا، تهديدا لوجودها، لذا سعت بجميع الوسائل لإضعاف وإنهاك مختلف مكونات الحركة الوطنية يمينها ويسارها".

 

ومع ذلك، فقد كانت الأوضاع قابلة للانفجار في أية لحظة، وذلك لعدة أسباب: "تنمية اقتصادية مهدورة، وتطور ديمغرافي هائل، وبيروقراطية فاسدة، ونظام تعليمي فاشل، وصعود اجتماعي معطل، وعجز عمومي، وبطالة وتضخم في ارتفاع، وما صاحب ذلك من إضرابات متعددة للعمال والطلبة. كلها مكونات تحيل على وضعية اجتماعية متوترة".

 

نتيجة حالة الهشاشة السياسية والاقتصادية وفشلها في تدبير الصراع على السلطة، لجأت المؤسسة الملكية إلى العنف المبالغ فيه لقمع خصومها، وهو ما سيُعرف فيما بعد بسنوات الرصاص. أدى هذا النهج إلى توسيع الهوة بين الدولة وبين فئات من المجتمع، وخلق حالة من الإحباط واهتزاز الثقة في النظام السياسي الذي تم تحميله مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي.

 

في خضم واقع سياسي مأزوم وتفشي الفساد، ووضعية اقتصادية هشة، "عرف المغرب في مطلع السبعينات، محاولتين انقلابيتين نفذهما ضباط في القوات المسلحة. فقد شجعت الانقلابات العسكرية على الأنظمة الملكية الشائعة في تلك الفترة، لاسيما في مصر والعراق وليبيا، ضباطا في الجيش المغربي على محاولة تغيير نظام الحكم في المغرب".

 

أمام هذه الوضعية، "وجد الحسن الثاني نفسه في مواجهة ثلاثة أخطار: المعارضة اليسارية، والإسلامية، والانقلابات العسكرية. ومن هنا كان بحاجة إلى دعم أيديولوجي لسياساته. ولهذا، لم يكن القمع هو الأداة الوحيدة لردع خصومه السياسيين، ولكنه لجأ أيضا إلى أدوات ناعمة لتكريس سلطته الدينية والسياسي".

 

تجلت هذه القوة الناعمة أساسا من خلال توظيف الدستور، وذلك عبر تكريس الملك لسلطته الدينية في الدستور لاسيما عبر الفصل 19 الذي ينص على أن الملك هو أمير المومنين، مما منحه سلطات فوق دستورية.

 

علاوة على ذلك، "عمل نظام الحسن الثاني على مواجهة الإسلاميين من خلال سياسة فرق-تسد" وضرب التيارات المختلفة ببضعها البعض. من هنا، يمكن فهم لماذا لجأت الدولة في تلك الفترة إلى سن سياسة دينية متزمتة وشجعت التيار السلفي الوهابي.

 

لم تكن هذه السياسات تقصد تشجيع التطرف الديني، ولكنها أدت بشكل غير مقصود إلى "توفير بيئة مناسبة لتصاعد التيارات الإسلامية بمختلف ألوانها، بما فيها تلك المعارضة للنظام التي استفادت من الأوضاع الاقتصادية والسياسية الهشة واستغلت الفرصة لمساءلة الحكومات المتعاقبة عن الحالة التي آلت إليها الأوضاع".

 

لم يتعرض الإسلاميون المغاربة للاضطهاد كما الحال في مصر وفي الجزائر، "ولكنهم بالرغم من ذلك، عاشوا نفس الإحساس بالغربة والغبن، لاسيما الجيل الأول الذي نشأ في أحضان شيوع كتابات المحنة الإخوانية في السبعينات".

 

بيد أن عملية اغتيال المناضل اليساري، عمر بنجلون، كانت نقطة تحول في مسار الشبيبة الإسلامية والتيارات الإسلامية برمتها في المغرب. فقد أثارت هذه العملية "انتباه الدولة إلى ما يمكن أن تشكله الحركة الإسلامية من تهديد أمني، وتأكد هذا التهديد أكثر مع انطلاق الثورة الإيرانية نهاية السبعينات".

 

هرب مطيع خارج المغرب، وانقسمت الشبيبة الإسلامية إلى عدة مجموعات مجموعة ظلت وفية لعبد الكريم مطيع إلى غاية 1981، حيث "ستنقلب عليه لتؤسس ما سيعرف بالجماعة الإسلامية، ثم فيما بعد حركة الإصلاح والتجديد التي تحولت لاحقا نحو العمل السياسي، تحت لافتة حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة المغربية منذ نهاية 2011 . ويعتبر عبد الاله بنكيران من أبرز مؤسسي هذه المجموعة".

 

في الخارج، نشطت حركة المجاهدين المغاربة في المرحلة الأولى لتأسيسها في استقطاب الطلبة المغاربة الذين يدرسون في فرنسا. وقد "شكلت مساجد باريس والحي الجامعي هناك، المنطلق لعملية الاستقطاب والتأطير الأيديولوجي. وبالإضافة إلى الأفكار القطبية التي حملها معه من داخل الشبيبة الإسلامية، فقد استلهم عبد العزيز النعماني أفكاره أيضا من الثورة الإيرانية، واستفاد من طرق وأساليب عمل منظمة الجهاد الإسلامي".

 

في سنة 1986، ستعرف الحركة صدمة تنظيمية كبرى نتيجة اغتيال مؤسسها، عبد العزيز النعماني، على الأراضي الفرنسية.

 

في المقابل، لعب ضعف السلفية الوطنية لصالح التيار السلفي الوهابي القادم من السعودية، الذي استفاد من دعم معنوي من السلطات المغربية، ومن دعم مادي سخي من المملكة العربية السعودية. وقد "مثل تقي الدين الهلالي الشخصية المركزية ضمن التيار السلفي الوهابي في المغرب، حيث نجح في تكوين قاعدة صلبة للتيار السلفي الوهابي بفضل كاريزميته ونشاطاته الدعوية الكثيفة". ونتيجة إقامته الطويلة في المشرق قبل رجوعه إلى المغرب في سبعينات القرن الماضي، واشتغاله مدرسا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في الستينات من القرن الماضي، تمكن من بناء شبكة من العلاقات مع السلفيين خارج المغرب، لاسيما العلماء الرسميين في السعودية التي كان يزورها بشكل منتظم.

 

بعد وفاة تقي الدين الهلالي، ظهر صراع على الزعامة بين أتباع التيار السلفي نتج عنه انقسام وظهور عدة فعاليات سلفية أبرزها جمعية الدعوة للقرآن والسنَّة، التي أسسها محمد بن عبد الرحمن المغراوي، سنة 1976. فقد نجح هذا الأخير في استقطاب الجزء الأكبر من السلفيين واكتسب شهرة أكبر مقارنة مع الآخرين. "وقد استفاد تيار المغراوي من دعم الوهابية السعودية بشكل كبير. ورغم أنه من الصعب الحصول على معطيات دقيقة بخصوص حجم الدعم، إلا أن الكثير من المؤشرات تؤكد وجود دعم مادي ومعنوي سعودي قوي منذ السبعينات من القرن الماضي".

 

عموما، يمكن التمييز بين تيارين داخل السلفية الوهابية في المغرب: التيار الأول: موال للسلطة وملتزم بمقولات ضرورة طاعة ولي الأمر ومناهض للتيارات السلفية الأخرى، التيار الثاني: هو أيضا موال للسلطة ولكنه يركز على العمل الدعوي انطلاقا من دور القرآن والحديث التي تعمل في إطار قانون الجمعيات، ويمثل الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي رمز هذا التيار الذي ينشط في مدينة مراكش والمدن المحيطة.

 

 وقد ارتكزت أنشطة التيار الوهابي في المغرب بشكل أساسي على تحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الإسلامية، زيادة على تقديم الدروس والمواعظ الدينية في المساجد ومقرات الجمعيات، "وانطلاقا من اعتقادها أن عملية الإصلاح تتم من أسفل، عبر تعليم الناس العقيدة الإسلامية الصحيحة ونبذ العقائد التي تعتبرها فاسدة، فإن معظم هذه الدروس تدور حول مبدأ التوحيد وتصحيح العقيدة الإسلامية وفق النموذج الأصلي للإسلام الذي يجسده النموذج النبوي والسلف الصالح". وعلى غرار الوهابية في السعودية، اعتبر السلفيون المغاربة أنه لا ينبغي منازعة الحاكم ولا انتقاده، لأنه ولي الأمر الشرعي الذي ينبغي الإذعان له في كل الأحوال، حتى وإن كان ظالما أو مغتصبا للسلطة أو لم يكن ملتزما بشكل حرفي بمقتضيات الشريعة الإسلامية.

 

وبسبب التقاء المصالح بين الطرفين، لاسيما العداء للتيارات الإسلامية المعارضة، وبسبب مواقفه المؤيدة للنظام، فقد "غضت السلطات الطرف عن التيار الوهابي لفترة طويلة، وشجعت نشاطاته لمواجهة التيارات المعارضة، لاسيما الأحزاب اليسارية وجماعة العدل والإحسان التي تلقت النصيب الأوفر من النقد".

 

 وسيعرف التيار الوهابي في منتصف التسعينات، انقساما جديدا تميز ببروز ظاهرة ما عرف إعلاميا بتيار السلفية الجهادية.

 

نافذة "قرأت لكم"

23 يوليوز 2026

يمكنكم مشاركة هذا المقال