إسلام هلال، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، غشت 2026، 20 ص.
لم يعد الفضاء الرقمي بنظر الكاتب، مجرد امتداد تقني للواقع الاجتماعي والسياسي، بل غدا "فضاء موازيا، تعاد فيه صياغة السلطة والمعرفة والقانون بوسائل تتجاوز الإطار التقليدي للدولة".
في ظل هذا الفضاء، تحولت المنصات الرقمية إلى "فاعل من نوع جديد، يمتلك سلطة تنظيمية مؤثرة في المجال العام عبر سياسات النشر والحذف والتصنيف وتقييد الوصول. وقد كشفت الحرب، التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، هذا التحول بوضوح، إذ ظهرت الرقابة الرقمية قوة مهيمنة تتحكم في السردية، وتعيد إنتاج الحقيقة وفق معايير خوارزمية واقتصادية وسياسية متشابكة".
ويتساءل الكاتب: "كيف تنتج منصات التواصل الاجتماعي عبر سياسات المحتوى وآليات إنفاذها الخوارزمية والإجرائية، سلطة تنظيمية تؤدي وظائف قانونية موازية (تشريعية، تنفيذية، شبه قضائية)؟ وكيف يتجلى ذلك في سياق نزاعي كثيف مثل الحرب على غزة؟". إن إدارة المنصات الرقمية تجاوزت بهذا اللمعنى، دور الإشراف التقني على المحتوى، وأصبحت "شكلا من أشكال السلطة القانونية غير الرسمية، التي تعيد تعريف المسموح والممنوع في المجال العام".
من منظور علم اجتماع القانون، تمثل الرقابة الرقمية مرحلة جديدة من الضبط الاجتماعي الذي يمارس عبر الخوارزميات، بدل أدوات الإكراه المادي. فالخوارزميات "تحول كل تفاعل بشري إلى مورد للمعرفة والضبط، وتنتج سلطة شبكية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، لتعِيد تشكيل التراتبية الاجتماعية والسياسية استنادا إلى تدفقات البيانات لا إلى النصوص القانونية ضمن ما يعرف برأسمالية المراقبة".
في حالة فلسطين، تحولت الرقابة الرقمية إلى أداة "لإعادة تشكيل الوعي العالمي بالصراع، عبر حذف الصور الميدانية وتقييد الشهادات الرقمية وتهميش السردية الفلسطينية. وبهذا المعنى تسهم المنصات فيما يمكن تسميته بالإبادة المعرفية التي تمحو رواية الشعوب المقهورة من الذاكرة الرقمية، وتستبدل بها روايات مصنعة تتماهى مع مصالح القوى المهيمنة".
وهو السلوك الذي يلاحظه الكاتب بدراسته للمنصات الرئيسية الثلاث: مجموعة "ميتا" التي تضم فيسبوك وإنستغرام، ومنصة إكس، ومنصة تيك توك. وقد اختار هذه المنصات لكونها "الفضاءات الأكثر هيمنة على توجيه الرأي العام العالمي، والأكثر استخداما لتوثيق السردية الفلسطينية، فضلا عن امتلاكها لأعتى أنظمة الضبط الخوارزمي المستهدِفة للرواية الحقوقية". وكانت الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، المرحلة التي مثلت "ذروة الاستقطاب الرقمي، وشهدت أعلى معدلات موثقة من الحذف والتقييد والإبادة المعرفية للمحتوى الفلسطيني".
ويلاحظ الكاتب أن شبكات التواصل الاجتماعي ظلت، منذ نشأتها في مطلع الألفية الجديدة، تقدم بوصفها مجرد وسائط تقنية محايدة، تتيح للأفراد التواصل والتعبير وتبادل المعرفة. بيد أن العقدين الأخيرين، غدت هذه المنصات فاعلا قانونيا وتنظيميا "يمتلك سلطة تقريرية على المحتوى والسلوك، ويضطلع بوظائف تشريعية وتنفيذية وقضائية في الفضاء الرقمي". لقد تحولت من وسيط إلى فاعل قانوني. بالتالي، انتقل مركز الثقل في ممارسة السلطة من الدول والمؤسسات الرسمية، إلى كيانات خاصة تمارس سيادة من نوع جديد: سيادة رقمية تتأسس على الكود والخوارزمية بدل النص القانوني المكتوب.
ولذلك، فعند إطلاق شبكة فيسبوك عام 2004، ويوتيوب عام 2005، وتويتر عام 2006، كان دورها المعلن هو "تمكين المستخدمين من التواصل والمشاركة في فضاء مفتوح. وقد صيغت شروط الاستخدام الأولى بروح ليبرالية، تظهر حرية التعبير وعدم التدخل في المحتوى ما لم يخالف القوانين الوطنية". لكن ابتداء من العقد الثاني للألفية ومع التزايد الكبير لأعداد المستخدمين وتزايد الحضور السياسي والإعلامي على هذه المنصات، بدأت الشركات تفرض نظما داخلية للرقابة الذاتية استنادا إلى مبررات ما تسميه "الأمان" و"الحد من الكراهية" و"حماية المستخدمين".
من حينه، لم تعد المنصات تكتفي بدور الوسيط التقني، بل انتقلت إلى موقع "الحكم الذي يقرر ما يجوز نشره وما يجب حجبه، مستندة إلى 'سياسات المجتمع' التي صاغتها داخليا، بمعزل عن الرقابة العامة أو الشرعية القانونية. لقد باتت هذه السياسات بمنزلة تشريعات رقمية موازية، تحدد المعايير والقواعد التي تضبط الخطاب والسلوك داخل الفضاء الشبكي. فهي تضع تعريفاتها الخاصة لمفاهيم مثل التحريض والعنف وخطاب الكراهية، وتفصل العقوبات الممكنة من التقييد المؤقت للحساب إلى الحذف الدائم. كما أنشأت بعض الشركات، مثل ميتا، لجانا للمراجعة المستقلة لتفصل في النزاعات المتعلقة بالمحتوى، فيما يشبه نظاما قضائيا داخليا، ولكن دون خضوع لأي سلطة قانونية، دولية كانت أو وطنية". إنها دساتير مصغرة، تنظم سلوك ملايين المستخدمين حول العالم، "وهي تحدد الحقوق والواجبات والعقوبات وتفسر المفاهيم القانونية بلغة تقنية، مما يمنحها سلطة إنشاء القاعدة المعيارية".
أما تنفيذ تلك القوانين، فيتم بطريقة آلية، مما "يجعل العقوبات تطبق دون تدخل بشري مباشر ودون ضمانات للتقاضي العادل". أما الوظيفة القضائية، فتمارِس "عبر آليات الاعتراض والاستئناف التي تنتهي عادة بقرارات نهائية لا يمكن مراجعتها من جهة مستقلة".
من هنا، يقول الكاتب، تتجسد في المنصات الثلاث سلطات الدولة الحديثة (التشريع والتنفيذ والقضاء) ضمن نظام مغلق لا يخضع للمساءلة العادلة، ضمن إطار قانوني بل تحكمه اعتبارات اقتصادية وسياسية.
ولذلك، فإن "اجتماع هذه الوظائف الثلاث في يد كيان خاص واحد، يمثل انتقالا جوهريا في مفهوم السلطة القانونية نفسها. فبينما كان القانون في الدولة الحديثة يستمد من الإرادة العامة ويمارس تحت رقابة مؤسسية، أصبح القانون في الفضاء الرقمي يستمد من مصالح الشركات، ويمارس عبر خوارزميات مغلقة لا تخضع للشفافية. وبهذا تكون المنصات التي لا تنتمي إلى نظام الدولة/الأمة، ولا تخضع لقوانينها الإقليمية، تمارِس سلطة فعلية تتجاوز سلطة الدول ذاتها خارج نطاق السيادة الوطنية".
ولعل الحرب على غزة تمثل نموذجا معبرا لفهم طبيعة السلطة القانونية التي تمارِسها المنصات. لقد تم رصد أنماط متكررة من تدخلات المنصات في المحتوى المتصل بفلسطين، مثل "الحذف، أو التقييد، أو خفض الإتاحة، أو وسم المحتوى، وغالبا ما تسوغ هذه التدخلات بذرائع سياسات التحريض أو المحتوى العنيف/الصادم". قرارات الحذف هذه، ليست إجراءات تقنية محضة، بل أحكاما قانونية ضمنية، تصدرها جهة غير حكومية تحدد من هو "المذنب" ومن هو "الضحية" داخل الخطاب العام.
هذا التحول من الوسيط إلى الفاعل القانوني لا يكمن فقط في امتلاك أدوات الحذف والمنع، بل في "إعادة تعريف الشرعية القانونية ذاتها. ففي النظام القانوني التقليدي، تبنى الشرعية على النصوص القانونية، وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والمساءلة أمام القضاء. أما في النظام الرقمي، فإن القانون يكتب بلغة الكود البرمجي، والسلطة تمارس عبر خوارزميات تتخذ القرارات آليا بناء على أنماط سلوك المستخدمين". الكود هنا هو القانون بتعبير لورانس ليسيج، إذ القيود التقنية المضمنة في تصميم المنصات تؤدي الدور نفسه الذي يؤديه القانون المكتوب في تنظيم السلوك. ورغم ذلك، فإن “هذه القيود لا تصدر عن برلمان منتخب ولا تخضع لقضاء مستقل، بل تصاغ وفق مصالح اقتصادية وأيديولوجية".
بالتالي، فقد أصبحت الخوارزميات تمارس نوعا من القضاء الشبكي/شبه القضائي، إذ يحاكم المستخدم بناء على بياناته وتفاعلاته وسلوكه السابق. هذه الممارسات لا تنتج فقط قيودا على حرية التعبير، بل تخلق أيضا نظاما جديدا للضبط الاجتماعي يعتمد على التوقع والتصنيف المسبق.
يترتب على هذا التحول جملة من النتائج الجوهرية، أبرزها: تآكل سيادة الدولة القانونية، ثم خصخصة العدالة، عبر تحول تطبيق القانون من المجال العام إلى المجال الخاص، إذ تدار العدالة بواسطة كيانات تجارية تخضع لمنطق السوق لا لمنطق الحق، ثم انعدام المساءلة الديمقراطية، إذ لا توجد آليات فعالة لإلزام المنصات بالشفافية أو لتبرير قراراتها، مما يجعل المستخدمين بلا ضمانات حقيقية لحقوقهم الرقمية.
بالتالي، أصبحت المنصات الرقمية مؤسسات قانونية بديلة، "تعمل ضمن نظام عالمي مواز لا يخضع لقواعد الشرعية الديمقراطية ولا لمبدأ المساواة أمام القانون".
كيف يمكن إخضاع كيانات تجارية خاصة لمعايير الشرعية والمساءلة، في حين أنها لا تنتمي إلى النظام القانوني الوطني، ولا تخضع للقوانين الإقليمية أو الرقابة القضائية التقليدية في غالب دول العالم؟
يلاحظ الكاتب هنا أنه لا توجد حتى الآن آلية دولية فعالة تلزم المنصات الكبرى باحترام حرية التعبير بوصفه حقا عالميا، إلا في حدود المعايير الطوعية التي تعتمدها الشركات نفسها.هذا الفراغ القانوني بين سلطة الدولة ومسؤولية الشركات أدى إلى “نشوء منطقة رمادية يستغلها الفاعلون الرقميون لتشكيل قواعد شبه قانونية تنظم السلوك داخل فضاء لا يخضع للسيادة الوطنية”.
المنصة هي كيان قانوني عابر للسيادة، يملك القدرة على فرض لوائح داخلية تنظم علاقة ملايين المستخدمين حول العالم. إنها "مؤسسات فوق وطنية"، وأن إخضاعها للمساءلة يتطلب “تطوير أدوات قانونية تتجاوز المنظور القطري التقليدي لتصبح جزءا من منظومة حقوق الإنسان الدولية”.
يقسم الكاتب مسؤولية المنصات الرقمية إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
- المسؤولية التعاقدية: وهي تنبع من العلاقة المباشرة بين المستخدم والمنصة. “فشروط الاستخدام تمنح الشركة سلطة مطلقة في حذف أو تقييد المحتوى، دون إلزام بالشفافية أو ضمان حقِ الاعتراض، وهو ما يجعلها عقود إِذعان غير متوازنة”.
- المسؤولية القانونية الداخلية: “تمارسها بعض الدول من خلال تشريعات وطنية كما في تجربة الاتحاد الأوروبي الذي أقر، عام 2022، قانون الخدمات الرقمية (DSA) لتنظيم آليات الشفافية والمساءلة. غير أن هذه القوانين “لا تمتد فاعليتها خارج الاتحاد، ولا تملك سلطة على القرارات المتعلقة بالمحتوى السياسي في مناطق النزاع “ مثلا.
- المسؤولية الدولية غير المباشرة: وهي التي”تناولتها المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (2011)، التي وضعت ثلاث ركائز: واجب الدول في "الحماية"، ومسؤولية الشركات في "الاحترام"، والحاجة إلى آليات فعالة "لجبر الضرر". بيد أن هذه المبادئ تبقى إرشادية ولا تنشئ التزاما قانونيا مباشرا، ولا تؤسس لمسؤولية دولية على المنصات الخاصة، مما يجعل أثرها محدودا.
تستند المنصات الكبرى في تبرير تدخلها في المحتوى ب"واجبها في حماية المستخدمين". لكن ذلك لا ينفي عنها انحيازها الصارح كما في حالة الشعب الفلسطيني، إذ لاحظنا إعادة إنتاج متعمدة للتفاوت السياسي بين الرواية الإسرائيلية والرواية الفلسطينية.
أما التجارب الدولية في التعامل مع المنصات، فيحددها الكاتب في تجربتين:
- الاتحاد الأوروبي: فرض قانون الخدمات الرقمية للعام 2022، على المنصات الرقمية. ألزمها بالشفافية والإفصاح عن خوارزميات التوصية وفرض حق المستخدمين في الاعتراض على الحذف.
- الولايات المتحدة: لا تزال المادة 230 من قانون آداب الاتصالات (1996) تمنح المنصات حصانة شبه مطلقة من المسؤولية عن محتوى المستخدمين. وهذا يكرس مفهوم "الاستقلال الذاتي للشركات الرقمية".
بالتالي، فإن المستقبل يتطلب تطوير قانون دولي للفضاء الرقمي، “يعيد تعريف المسؤولية القانونية والشرعية السياسية في العصر الخوارزمي. وبهذا تصبح العدالة الرقمية وحق الشعوب في السردية الحرة، جزءا من منظومة حقوق الإنسان العالمية، وليست مجرد قضية تكنولوجية أو إعلامية”.
إن الخوارزمية بنظر الكاتب، لم تعد أداة تقنية لتنظيم البيانات أو تسهيل الوصول إلى المعلومات، بل أصبحت آلية معيارية تعيد إنتاج السلطة القانونية والاجتماعية داخل الفضاء الرقمي. فهي تقرر ما يرى وما يخفى، وتحدد أولويات النقاش، وتوجه السلوك الجمعي من خلال عمليات التصنيف والترشيح والتصفية، وتصدر "أحكاما" ذات أثر قانوني ضمني يفوق أحيانا سلطة القانون المكتوب. وبذلك فإن فهم الرقابة الرقمية لا يكتمل إلا بإدراك جوهرها: وهو “تلك الخوارزميات بوصفها جهازا قانونيا غير معلن يمارس وظائف التشريع والتنفيذ والقضاء في آن واحد.”
لقد أصبحت الخوارزميات الأداة الجديدة للانضباط، تمارس مراقبة دقيقة للسلوك الرقمي عبر جمع البيانات وتحليلها وتوجيهها في أنماط متكررة. “فبدلا من أن تفرض السلطة من الخارج، ينتج المستخدم ذاته المراقبة من الداخل عبر تفاعلاته ومؤشراته في المنصات، فيما يمكن أن يطلق عليه "الانضباط الطوعي"، إذ يمارِس الأفراد الامتثال للخوارزميات دون وعي مباشر، مدفوعين برغبتهم في الظهور والمشاركة. وهكذا تتحول المنصات إلى مؤسسات ضبط ناعمة لا تمارس العقاب بالعنف بل بالإغراء والحرمان الرمزي، من خلال خفض التفاعل أو حجب المحتوى، وهي آليات تشبه ما وصفه فوكو بالرقابة الانضباطية، ولكن في صيغة رقمية معاصرة.
نافذة “قرأت لكم”
15 أكتوبر 2026